
بيضون محاضراً في المجلس الثقافي للبنان الجنوبي |
استهلّ بيضون محاضرته، متحدّثاً عن علاقة حسن الأمين بالمجلس الثقافي، باعتباره واحداً من مؤسسيه، واستعادته على هذا المنبر، ما تتوق إليها نفسه، بين جلاّس عرفوه عن كثب واكتنهوا جيداً دوره مؤرخاً ذائباً في التراث وناسكاً في محراب العلم وشامخاً في دوحة الخالدين من الرموز العاملين الكبار، وأضاف:
يغيب حسن الامين فتحسّ ان عصراً بكامله قد غاب او انموذجا كان آخر النمط من رجاله قد أخذ طريقه الى الزوال. نفتقده كثيرا، هذا الراهب الرسالي، الساخر من تراكم السنين على كتفيه، فما برح والرحلة طويلة، على ظمأ، مشعّاً مثل قامة ضوء، ناصع القلم، لا يهدر حبراً في المواسم، او تأخذه قدماه يوما الى مهرجان فيه شبهة، او الى مجلس مريب.
هكذا حسن الامين، القادم من بيت كان قطبه السيد الكبير قد تمرّس هذه القيم فيه، ورسّخها في مجتمع عمّه الجهل وأطبق على العقول النائية عن الضوء، فكانت النهضة التي رجّت النفوس وأطلقتها من سبات. وكان التاريخ المتحوّل الذي عصف بالمجتمع فيما يشبه الثورة على التقاليد الآسنة، وعلى كل ما يتصدّى لمرجعية العقل. العلاّمة الوالد المتنوّر، واكبه مبكّراً الابن المتحفّز للمعرفة، فنشأ وفي وعيه الدور والرسالة والنهج، آخذاً بالتجديد على قاعدة الاصالة، ملتزماً بالنص، ولكن من دون الانصياع المطلق له، فكان بهذا المعنى رائد مدرسة في الكتابة التاريخية، حملت توقيعه ولون حبره. لقد عاش التاريخ قبل أن يكتبه، وظل يحاول الانتصاف للقضايا المحاصَرة فيه، مقتحماً بجرأة مناطق الخطر، ومنطلقاً من هذا الحافز دون غيره، إلى إصدار موسوعته الشهيرة: “دائرة المعارف الإسلامية الشيعية”.
وتابع المحاضر قائلا: من باب التراث الذي أفاح فيه، شاعراً وقاضياً وأستاذاً للأدب العربي في بغداد، خاض حسن الامين التجربة بجدارة على مساحة التاريخ الاسلامي. وهنا ينفصل خصوصاً في المنهج عن موكب الوالد السلفي الطريقة، ويختلف كلياً عن الفقهاء المؤرخين الذين ذهبوا بعيداً في التفاصيل، ولم يقاربوا، إلا قليلاً، الحقائق التي ظلت غائمة في تصانيفهم السردية الجافة، خلافاً لذلك كانت الإشكاليات الصعبة ما تصدّى لها، مكّنتها روح النص وسابراً غوره، وليس منتشراً على السطح مرتكباً ما وقع فيه الاوائل من أخطاء كانت ما تزال تعيد إنتاج نفسها عبر العصور.
ويخلص المحاضر الى ان إشكاليات ثلاث، يمكن من خلالها التعرف الى المؤرخ حسن الامين في عالمه الخاص:
1 الاولى تتصل بمنهاجه الذي يميل الى الحسم، ويرفض تسويغ المواقف على حساب رؤيته الى الحقيقة التاريخية، منحازاً إلى قيم الخير والعدالة والحرية، ضدّ قوى الشر والظلم والانحراف.
2 الثانية، تثيرها الموسوعة الخاصة به (دائرة المعارف الإسلامية الشيعية)، وقد فُهم خطأ في هذا المجال، بأنه أرّخ لفئة ينحاز اليها، إذ رأى خلافاً لذلك الى أن التشبّع حركة تصدت للانحراف بالإسلام عن خطه الجذري، فانبرى من هذا المنظور الى تصويب ما لحق به من تشويه في المرويات التي كان تاريخ السلطة ما أخذ باهتمامها، معرضة عن المجتمع في معاناته وثقافته ونمط إنتاجه.
3 أمّا الثالثة، فكانت الأكثر صخباً في المرحلة المتأخرة من حياته، ومحورها الموقف من صلاح الدين، والذي انبثق عنه سجال عنيف في تسعينيات القرن الماضي، ومن اللافت ان الذين شهروا أقلامهم، دفاعاً عن القائد الايوبي، ربطوا بين موقف الامين من الأخير والتعصب لمذهبه. وهي تهمة ساذجة، خصوصاً لمن كان مثله وفي نشأته، وله تجربته النضالية القومية، فضلاً عن ايمانه بالاسلام رسالة حوار وانفتاح وتواصل بين الشعوب...
تولّى تقديم المحاضر الدكتور شفيق البقاعي وحضر المحاضرة حشد من الوجوه الثقافية والادبية العاملية واللبنانية يتقدمهم رئيس مؤسسة “عامل” د. كامل مهنا.