 |
يروي تاجر لبناني في فرنسا أنه قبل فترة خسر حمولة طائرة من البندورة اللبنانية لأن التعقيدات التي اعترضته في المطار الفرنسي افسدت البندورة، وتبين له لاحقا أن التأخير سمح للبندورة الاسرائيلية بأن تسبق المنتوج اللبناني الى الأسواق الفرنسية.
ويروي تاجر آخر أن “الطحينة” الاسرائيلية و”المكسرات” الايرانية تنافس الانتاج اللبناني حتى في المطاعم اللبنانية الشهيرة المنتشرة بكثرة على الاراضي الفرنسية والتي تلاقي اقبالا كبيرا جعلها في مصاف المطاعم الكبيرة هنا.
ومن يقصد السوق الفرنسي الشهير “رنجيس” المتخصص بشراء وبيع الخضار واللحوم وغيرها بالجملة، يرى أن المنتوج الزراعي الاسرائيلي يصل ويباع بسرعة كبيرة، رغم أن السوق المذكور يضم قسما كبيرا من التجار العرب المغاربة والمشرقيين، وفق ما توحي الاصوات العربية المرتفعة فوق خضار السوق الحيوي والضاج بالحياة والآلوان...
هل أن البضاعة الاسرائيلية افضل؟ وهل ان فرنسا تسهل مرور هذا المنتوج الاسرائيلي الى اسواقها وتضيق على المنتوجات العربية؟
الجواب يأتي من التجار اللبنانيين أنفسهم الذين شرحوا ل”السفير” معاناتهم وآثروا عدم ذكر اسمائهم “لأننا نخشى ردود فعل رسمية لبنانية”، وفق ما أكد أحد أهم هؤلاء التجار.
ويقول التاجر نفسه إن الفارق بين دولتنا وإسرائيل هو ان السلطات الاسرائيلية تساعد المزارع الاسرائيلي في كل مراحل انتاجه وتعفيه من 90 بالمئة من بدلات الشحن عبر شركة “العال” الاسرائيلية، ذلك أن المهم بالنسبة للدولة العبرية هو تصدير الانتاج وإدخال عملة اجنبية، بينما نحن جاهدنا ولا زلنا نعاني الكثير بغية إقناع السلطات اللبنانية بمساعدتنا على الأقل في مرحلة تصدير الانتاج، وهي قادرة بسهولة على ذلك لو أقنعت شركة طيران الشرق الاوسط “ميدل ايست” المتعاونة حاليا مع شركة “اير فرانس” بتخفيض أسعار النقل.
ويضيف: “أنا مستعد لإنقاذ السوق اللبناني واستيراد معظم الانتاج الحالي من الفواكه والخضار لو أن الدولة تساعدنا في عملية النقل”.
وفي شرحه لهذا الأمر يقول تاجر آخر: “انظر الى ثمن البضائع التي نعرضها هنا وسوف تلاحظ اننا قادرون على استيراد كامل الانتاج اللبناني وتوفير اسعار عالية جدا للمزارعين عندنا لو أن الدولة ساعدتنا في عدد من الامور وفي مقدمها عملية النقل، ولكن أيضا كيفية التوضيب بحيث تتناسب مع المعايير الأوروبية”.
وبالفعل فخلال جولتنا على أسعار الفواكه والخضار وجدنا ألاسعار التالية: “كيلو التين 4 يورو (اي أكثر من 5 دولارات)، كيلو الخيار 3,70 يورو، كيلو البندورة 3,50 يورو، التفاح 3,50 يورو ، الاجاص 3,50 يورو ، العنب 4,50 يورو ... “.
ويقول التاجر اللبناني: “تصور أنه قياسا الى هذه الاسعار نستطيع مثلا أن نعطي التاجر اللبناني يورو ونصف ثمن كل كيلو تفاح ونربح نحن يورو ويبقى أقل سعرا من الانتاج المعروض هنا ونستطيع بالتالي تحقيق أمرين أولهما استيراد كامل الانتاج اللبناني، وثانيهما تأمين اسعار عالية للمزارع”.
ولكن ماذا عن التوضيب؟
يجيب تاجر آخر: “إن المزارع او التاجر اللبناني اعتادا على الشطارة او بالاحرى التشاطر والتذاكي، فعندما يتم مثلا توضيب صندوق تفاح فإن التاجر يضع التفاح المهترئ او الصغير في قعر الصندوق ويكلله بالتفاح العالي الجودة، وحين يصل الانتاج الى دولة اوروبية فهو يتلف على الفور لأنه لا يحاكي المعايير الاوروبية”.
ويقول “ان الجمارك الاسرائيلية تشرف بنفسها على المحاصيل وصناديق التصدير، كما ان اسرائيل اقامت مصانع ومؤسسات مكلفة بعمليات التوضيب، ولذلك نجد ان الانتاج الاسرائيلي يخضع للمعايير المرعية في أوروبا فيسهل التصدير، وأعطيك مثلا أن استيراد كل الخضار الورقية على غرار النعناع او البقدونس والكزبرة وغيرها يتوقف في شهر أيلول من المغرب العربي لتأتي مكانه الخضار الاسرائيلية، ونجد أن المصانع الاسرائيلية تغلف النعناع بأكياس بلاستيكية تبقي هذا المنتوج صالحا للبيع لأكثر من أسبوع”.
وفي محاولة للقفز على عجز الدولة اللبنانية، فإن التجار اللبنانيين في فرنسا عمدوا الى تأسيس مصانع لتوضيب الانتاج في لبنان، ويقول بعضهم انه قام بذلك بعدما تبين له ان كل الاتصالات التي جرت مع الوزارات المعنية لم تؤد الى أية نتيجة رغم كل الجهد الذي بذلته أيضا غرفة التجارة اللبنانية الفرنسية في هذا المجال بشخص الشابة اللبنانية الفاعلة جدا فيها كندة الياس”.
وروى تاجر ثالث ان المبادرات الفردية اعطت ثمارها ولكن على نطاق محدود، فمثلا النائبة اللبنانية نايلة معوض نجحت في تصدير زيت الزيتون وبعض إنتاج التفاح لأنها اقامت مصانع بمساعدات اوروبية (وخصوصا اسبانية وفرنسية) تتفق مع المعايير الاوروبية، وبينها مصنع لتوضيب التفاح تقتصر صناديقه على صف واحد بحيث يحول تماما دون الغش.
وهي تحاول أيضا في الوقت الراهن تصدير الاجبان والالبان من مصنعها ولكنها لم تحصل بعد على موافقة الاتحاد الاوروبي لجهة ارسال وفد من الخبراء للكشف على المعايير المتبعة.
وكانت معوض نجحت في تصدير زيت الزيتون اللبناني الذي بات يباع في أكبر المطاعم الفرنسية، تماما كما نجح بعض التجار اللبنانيين في ادخال المكسرات والبزورات الى ارقى المحال التجارية بحيث باتت تنافس البضائع المحلية.
ويكفي للدولة اللبنانية أن تعمم الشروط الاوروبية لجهة التوضيب لكي يصار الى تصدير كميات كبيرة من الانتاج اللبناني الى اوروبا بدلا من القول بأن الاسواق الاوروبية باتت مقفلة امام هذا الانتاج، فالتجار اللبنانيون يؤكدون ان السوق الفرنسية مفتوحة وان البضائع اللبنانية، خصوصا الخضار والفواكه، لها شعبية كبيرة نظرا لجودتها ونكهتها حين تلتزم بالمعايير الاوروبية.
ويسحب صاحب مطعم لبناني شهير فاتورة من درج مكتبه وفيها أسعار النقل التي أعطتها شركة طيران الشرق الاوسط لبعض الانتاج الزراعي الاردني (وخصوصا الخيار) بحيث يتبين ان نقل الكيلو الواحد يكلف 50 سنتا من الاردن مرورا ببيروت صوب فرنسا، بينما يكلف الكيلو اللبناني نفسه من لبنان الى فرنسا 80 سنتا، واللافت ان بعض التجار الاردنيين صاروا يعتمدون الميدل ايست بدلا من الخطوط الاردنية.
ويشرح تاجر آخر انه في احدى المرات استورد كميات كبيرة من ورق “المولخية” ولكن حين وصلت الى فرنسا تبين أن فيها بعض الحشرات التي لم تظهر الا تحت مجهر الجمارك الفرنسية فكان أن تم اتلافها، بينما تصل البضائع الاسرائيلية نظيفة جدا ومعبأة بشكل جيد خصوصا ان اسرائيل تقدم دعما مباشرا للمزارعين عندها وترافقهم في كل مراحل الزرع والرش والحصاد والقطاف والتعبئة والتصدير.
وقد دفعت هذه المعوقات التجار اللبنانيين الى اتخاذ مبادرات فردية او الاستيراد من دول اخرى، وبما أن الكثير منهم يحمل جوازات سفر فرنسية فإن بعض اصحاب المطاعم اللبنانية عمدوا الى استيراد بضائع اسرائيلية او ايرانية او تركية او سورية.
واللافت ان بعض التجار وأصحاب المطاعم اللبنانية في فرنسا يروجون فكرة مفادها انهم “مستعدون للاستيراد من الشيطان ولكن ليس من سوريا”، وذلك انطلاقا من ولاءاتهم السياسية المناهضة لدمشق!