بعث الأسير سمير القنطار برسالة من معتقل هداريم الذي نقل إليه مؤخراً إلى المتضامنين مع المعتقلين في خيمة الحرية في بيروت. جاء فيها:
“أيها المعتصمون في خيمة الحرية
تحية الوطن الغالي والإنتماء اليه وبعد،
تحية لكم جميعاً من الأعماق، تحية على وقفتكم الدائمة والثابتة الى جانبنا ونحن نواجه كافة أشكال الظلم والمعاناة والحرمان، هنا في هذه العلب الإسمنتية التي نحتجز فيها، حيث تشتد الهجمة علينا يوماً بعد يوم وعلى أبسط حقوقنا الإنسانية التي انتزعناها بالدم والجوع والصبر والإيمان بالقضية والأمة.
إننا أمام محاولات متكررة لكسر روح الصمود فينا، وتحويلنا الى كمٍّ مُهمَل لا حول لنا ولا قوة ينشد الخلاص الفردي بأيّ ثمن، لكن هيهات أن يتحقق لهذا العدو ذلك.
حيث أن كل محاولات تركيعنا تزيدنا إصراراً على الثبات والصمود إيماناً بعدالة قضيتنا وحقنا في النصر الذي لا بدّ آت مهما طال الزمن. وها نحن نخوض هذا الإضراب المفتوح عن الطعام لنثبت للعالم أجمع ان مقولة الإرهابي موشي دايان الذي أعتبر أن الاسرى سيتحولون الى كمّ مهمل وعالة على أوطانهم لن تتحقق، لأن الأسرى مصرّون على المواجهة حتى الاستشهاد.
ونقول للوزير الإسرائيلي العنصري “تساحي هنغبي” أنه ومن خلال تصريحه الشهير الذي أعلن فيه “أن الأسرى يستطيعون الإضراب عن الطعام حتى الموت لكننا لن نحقق لهم اي مطلب”، قد أدّى خدمة كبيرة الى لجان تنظيم الإضراب في مختلف السجون الإسرائيلية. حيث ساهم هذا التصريح الاستفزازي العنصري في تصليب إرادة بعض المتردّدين، وجعل من صباح الخامس عشر من آب 2004 يوماً تاريخياً لن ينسى، حيث خاض الإضراب في يومه الاول 1500 اسير فلسطيني سياسي يقبعون في اربعة سجون اسرائيلية، هي “هداريم” و”نفحة” و”اوهالي كيدار” و”إيشل”. وانضمّ إليهم تباعاً جميع الأسرى، حتى المرضى أرادوا أن يضربوا عن الطعام، لكن لجان الإضراب في مختلف السجون منعتهم من ذلك خوفاً على حياتهم. مما جعل ادارة السجن تستغلّ هذه الفرصة وتصوّرهم في التلفزيون في محاولة لكسر حالة التضامن معنا، ولكنهم يعرفون جيداً اننا لن نأكل كسرة خبز واحدة حتى ولو أجبرونا على ذلك، حتى تحقيق كامل مطاليبنا.
لقد تفاجأ هذا العدو بحجم وأعداد الأسرى المُضربين عن الطعام خصوصاً هنا في معتقل هداريم الذي نُقلتُ إليه قبل بدأ الإضراب بمدة قليلة. وفور نقلي الى هذا المعتقل ووضعي في قسم خاص يُدعى “شمور 3”، انتخبت المسؤول الاول والناطق الوحيد بلسان الأسرى في هذا السجن. وانني اذ أشكر رفاقي وأخواني على هذه الثقة التي اولوني أياها، أعاهدهم أن أنفّذ المهمات المطلوبة وفق ما يمليه عليّ واجبي النضالي.
لكنني وفي هذا المجال أحذّر من محاولات مديرية السجون لكسر إضرابنا وقمع خطواتنا النضالية بوسائل عنيفة تهدف في اطار هذه المواجهة لتصفية بعض العناصر القيادية ومن هم موضوعون على لائحة التصفية من قبل إسرائيل بهدف التخلص منهم في ظل هذه الاجواء المضطربه وغير الواضحة. وهذا يستدعي إعلان حالة الطوارئ لدى جميع المؤسسات الانسانية والقانونية. كما أننا ندعو اعضاء الكنيست العرب الشرفاء للوقوف على هذا المخطط ومنعه. كما نتوجّه الى القوى والاحزاب الوطنية والاسلامية للتحرك فلسطينياً وعربياً وعلى صعيد المؤسسات الدولية لوقف هذه الهجمة. كما أننا لن نسكت عن الإجراءات القمعية الإستثنائية التي تمارس ضدنا للمرة الأولى واهمها مصادرة الملح الذي يشكل مادة أساسية حتى المياه صودرت في بعض الأحيان، وهذا ما جعلنا نستعدّ لتقديم دعوى قانونية ضد ادارة مصلحة السجون. رغم العراقيل الإجرائية التي توضع امامنا وآخرها منعنا من توقيع توكيل للمحامين.
نقول لكم إن هذا الإضراب سوف يؤدي الى أنخفاض حادّ في الوزن وضعف وفتور في الجسم، سوف يحوّل جلدنا الى جلد جاف وبارد وسوف تقتم العيون ويخف بريق الشعر وينخفض ضغط الدم وسيتقلّص حجم القلب وسيتشوّش الجهاز الهضمي وتضعف الكلى، نحن نعلم ان كل هذا سيحصل لنا. لكن كونوا على ثقة بأن أرادة الحياة ستجعل أجسادنا ورغم ضعفها أكثر قوة على مواجهة الجلاد، أن شعار “بالأمعاء الخاوية نحقق الكرامة ومن اجل حياة كريمة تنسجم وتطلعات شعبنا” سينتصر. وستبقى قبضاتنا مرتفعة وحناجرنا هاتفة “سنفهم الصخر ان لم يفهم البشر، ان الشعوب إذا هبّت ستنتصر”.
إن غياب الضمير في هذا العالم البائس يجب أن يشكل حافزاً لكل المناضلين على مواصلة الدرب حتى النصر. من هنا فإننا ندعوكم لأن يكون تحرّككم معنا ومواكبتكم لإضرابنا واسعين وشاملين، لأن تخفيف زخم هذا الإضراب وجعله جزءاً من الروتين اليومي سيؤدي في النهاية الى خسارتنا لهذه المعركة الشرسة، لذا المطلوب المزيد والمزيد من التحرك لفضح الممارسات الإسرائيلية الوحشية.
إن المعلومات المتوفرة لدينا عما يحصل خارج السجن اصبحت قليلة بعدما صادرت سلطات السجون كافة أجهزة التلفاز والراديو من الاسرى، مع بدء الاضراب المفتوح عن الطعام. وكم كانت فرحتي كبيرة حين أخبرت من قبل المحامين عن مدى اتساع حملة التضامن مع الاسرى في اضرابهم والجارية في مناطق داخل الخط الاخضر والضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وسوريا وفرنسا وغيرها من البلدان. وإنني أذ أُحيي القوى التي تشارك في هذه الحملة أكرر مطالبتي بأن تكون حملة التضامن مع الأسرى واسعة جداً.
إنني وأنا أخوض هذه التجربة الصعبة والقاسية مع رفاقي وأخواني أنظر بعين الامل الى المقاومة في لبنان لان تكون السند الأساسي لنا في هذه المعركة. وإنني على ثقة بأن المقاومة لن تنسى الأسرى والمعتقلين في السجون وأدعوها الى المزيد والمزيد من الجهود من أجل ضمان حريتنا في أقرب فرصة.
في النهاية نعاهدكم أن تبقى السجون والمعتقلات قلاعاً لا تُهزم وفي الخندق الأول من المواجهة مع الاحتلال، لقد قدمت حركة الأسير منذ العام 1967 أكثر من 135 شهيداً في إطار مواجهة العدو دفاعاً عن كرامة وحقوق الأسير الإنسانية، وأقسمنا أن نصون هذه الدماء في حدقات العيون. ونحن مستعدّون للمزيد من التضحيات.
تحية الى كل المعتصمين في خيمة الحرية في بيروت، الى كل شاب وامرأة وطفل، وسلامي الحار وقبلاتي الى كل أفراد عائلتي ومن يسأل عني.
معتقل هداريم فلسطين