تتعرض باستمرار الأملاك النهرية والبرية في مناطق جنوبية مختلفة، لعمليات سرقة رمول وبيعها، لحساب أشخاص يغطيهم نافذون أو ذوي مراكز ومواقع حزبية وسياسية، يتقاسمون الغنائم فيما بينهم، مستخدمين إداراتهم الرسمية التي يعملون فيها لإتمام صفقات مشبوهة، تمس بالأملاك العامة ومصالح المواطنين مباشرة، تحت قوة التهديد أحيانا أو بذرائع مضللة أحيانا أخرى، كما حصل على ضفاف نهر الليطاني في منطقة القاسمية مؤخرا؛ وتحديدا منطقة “أبو عبد الله” التابعة إداريا وعقاريا لبلدة برج رحال والتي تضم مئات آلاف الدونمات الزراعية المروية من مياه النهر المذكور.
أحد مالكي الأراضي الزراعية في المنطقة (تمنى عدم ذكر اسمه) أكد أن المنطقة تعرضت على مدى الشهرين الماضيين لعمليات جرف رمول ضخمة على جانبي النهر، كانت الشاحنات تحملها وتنقلها الى أحد مستودعات الأتربة، في منطقة تقع بين برج رحال والعباسية، لبيعها لاحقا كمواد بناء سواء من رمل أو البحص. وقال: “عندما طالبنا الشخص المسؤول الذي يملك عشرات الشاحنات و”كاتربلر” وهو معروف للجميع، إدعى أنه يقوم بأعمال تنظيف للنهر بتفويض من مصلحة الليطاني. وأظهر لنا ورقة غير رسمية مطبوعة على “الدكتيلو” موقعة من مسؤول في المصلحة، تنص على تفويض الشخص المذكور بإزالة الرمل والبحص من المجرى، لتعزيز السد وزيادة كمية الأمطار. علما أن هكذا إجراء يلزمه قرار مجلس وزراء وليس ورقة عادية موقعة من مسؤول فرع في المصلحة”.
اضاف: “لقد تعرضت شخصيا للتهديد والضغوط، لأنني رفضت الإمتثال لطلبهم بجرف الرمول والأتربة من أرضي. وهم يتذرعون بالحجج نفسها، اي امتلاكهم أوراقا رسمية تسمح لهم بأعمال الجرف. وعندما طلبت منهم نسخة عنها لتقديمها إلى الجهات المعنية قبل المباشرة بالعمل، وعدونا بتصويرها ولم يعد أحد أبدا، بعد أن هددتهم بنشر هذه الفضيحة أمام الرأي العام والصحافة وصولا إلى القصر الجمهوري”.
أحد العمال المياومين في منطقة القاسمية (ايضا تمنى عدم ذكر اسمه) أكد أن التاجر المعروف جرف مساحات شاسعة من أتربة النهر؛ وباعها بمبالغ فاقت الخمسمئة ألف دولار. وقام بتخزين الفائض في منطقة قريبة للإستفادة منه تجاريا في فصل الشتاء. وأشار الى أن “مئات الشاحنات كانت تخرج يوميا من منطقة القاسمية؛ وتعود لتبدأ عملها من الصباح وحتى المساء، محملة بآلاف الأطنان من الأتربة، ما أدى إلى تشويه المنطقة بكاملها وإحداث حفر عميقة وأثلام متعرجة على جانبي النهر”.
وتابع: “لقد هددوا الكثيرين من المالكين هنا، لإتمام عمليات سرقة الأتربة من أراض خاصة أو مشاعات نهرية، مستخدمين نفوذهم ليفعلوا ما فعلوه”. ولفت إلى أن ذريعة هؤلاء كانت دائما تنظيف النهر بعقد قانوني مع مصلحة الليطاني موقع من مسؤول فيها، علما أن مخزون الأتربة الذي يملكه التاجر يشهد على أكبر عملية سرقة حصلت لأملاك الليطاني النهرية؛ وهو لا يزال مرتفعا كالجبل رغم بيع قسم كبير من الأتربة المسروقة”.
بلدية برج رحال
تقع منطقة “أبو عبد الله” بين منطقتي القاسمية وبرج رحال. وهي مستقلة عقاريا، كما يؤكد مسؤول قائمقامية صور سعد الله كابي، لكنها تابعة إداريا لبرج رحال. واكد رئيس بلدية برج رحال حسن حمود، أن البلدية سبق وتقدمت بشكوى إلى مصلحة الليطاني الشهر الماضي، إحتجاجا على جرف التربة، لكن المعنيين في المصلحة أوضحوا لنا بأن هذه العملية هي لغايات بيئية ولتنظيف النهر فقط؛ وهذا بحسب القانون يقع ضمن صلاحياتهم”. واضاف: “كان لدينا شكوك بأن ما يقومون به في منطقة القاسمية غير قانوني. وجرت خلافات بيننا وبينهم، لكنهم بعد أن رفعنا شكوى عليهم وعدوا بوقف أعمال الجرف كلها، على أساس أن مهمة التنظيف إنتهت ولا داعي للمشكلات”. واشار إلى أن الموضوع على حد علمه انتهى، محذرا من أنه “في حال عادوا إلى الجرف فستتخذ البلدية بحقهم إجراءات صارمة وستقدم شكوى رسمية إلى الجهات المعنية، ليقف كل واحد عند حده ويحتكم للقوانين”.
مصلحة الليطاني
مصدر مسؤول في مصلحة الليطاني نفى علمه بقضية جرف الأتربة، واصفا إياها بالمزعومة وغير الصحيحة على الإطلاق. وقال: “إن ما يقال هو دس وافتراء لأغراض شخصية، مؤكدا “أن ما جرى كان بقرار من الدولة ومصلحة الليطاني وليس قرارا شخصيا؛ وقد جرت هذه العملية خلال شهري آذار ونيسان وقبل بدء الري، بهدف توسيع مجرى النهر. وهذا ما حصل فعلا إذ أصبح عرضه يفوق عشرات الأمتار، بعد أن كان أربعة أمتار فقط. وأصبح اليوم يتسع لثلاثين ألف متر مكعب بدل إثني عشر ألفا”. ورأى أن هذه العملية “وفرت على الوزارة أموالا كبيرة وساهمت في خدمة الناس الذين يستفيدون من مياه النهر”.
|