يتخوف “اتحاد بلديات إقليم التفاح” من سحب ما تبقى من مياه نبع الطاسة إلى خارج المنطقة، بعد أن تناهى إليه أن وزارة الطاقة والمياه ستقوم، بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار، بتنفيذ مشروع جديد لحساب مصلحة مياه نبع الطاسة، لجر المياه الفائضة من النبع إبان فصل الشتاء، إلى خزانات المصلحة الرئيسية في بلدة شوكين (النبطية)، لتوزيعها على عدد من القرى والبلدات العطشى في منطقة النبطية، بدلاً من ذهابها هدراً إلى البحر، توفيراً للأعباء الباهظة التي تتكبّدها المصلحة المذكورة، لتغطية مصاريف الكهرباء والمحروقات وتشغيل وصيانة المحركات، أثناء ضخها لمياه مشروع آبار فخر الدين في النبطية إلى هذه القرى والبلدات، خلال تلك الفترة من السنة كما يتذرع المسؤولون فيها. في الوقت الذي ترى هذه المصلحة أنه يمكن سحب ما يفيض عن مياه نبع الطاسة، في الفصل المذكور، بواسطة الجاذبية، بعد تنفيذ المشروع الجديد، الأمر الذي لم يستسغه اتحاد البلديات والأهالي، تفادياً لانعكاسات هذا المشروع سلباً على البيئة والطبيعة في مجرى الوادي الأخضر، لما قد يسببه من يباس للكثير من أشجاره ونباتاته الحرجية ومزروعاته وبساتينه المثمرة؛ وموت لحياته النهرية وحيواناته البرية على حدٍ سواء.
ويوضح رئيس اتحاد بلديات أقليم التفاح عدنان غملوش أن مجلس الإنماء والإعمار، بطلب من وزارة الطاقة والمياه وبتمويل أوروبي، “سوف يعمل على سحب ما تبقى من مياه نبع الطاسة بواسطة شبكة أنابيب جديدة قطرها 20 إنشاً وطولها 18 كيلومتراً، من النبع إلى خزانات مصلحة مياه نبع الطاسة في بلدة شوكين (النبطية)، بذريعة الحاجة للمياه الفائضة منه إبان فصل الشتاء فقط؛ وهذا ما ستنعكس آثاره سلباً على جميع الأصعدة البيئية والسياحية والاقتصادية والزراعية وعلى الحياة في مجرى النبع والمنطقة المجاورة له”. ويلفت إلى أن وادي مجرى نبع الطاسة “هو من أجمل الأودية والمتنزّهات في منطقة الجنوب. وهو المتنفس الوحيد لأهالي إقليم التفاح”، مشيراً إلى “سحب ما نسبته 95 في المئة من مياه النبع سابقاً، خلافاً لكل القوانين والأعراف الدولية والمحلية، ما أضر كثيراً بالبيئة والطبيعة الجميلة في الوادي؛ وحوّلها من الاخضرار إلى اليباس. والآن يحاولون سحب الخمسة في المئة الباقية لتنضب مياهه كلياً خلال فصل الصيف”.
ويستنكر غملوش بشدة هذا المشروع المقرر. ويؤكد رفض الاتحاد والأهالي له. ويطالب المسؤولين المعنيين في الجنوب وفي طليعتهم رئيس مجلس النواب نبيه برّي بالوقوف ضد تنفيذه. ويقترح بديلاً من ذلك إنشاء عدد من السدود والبحيرات في منطقة الوادي الأخضر، بين بلدتي عربصاليم وجرجوع، بهدف إنعاش الوادي والحفاظ على اخضراره وازدهاره على الأصعدة السياحية والاقتصادية والزراعية؛ ومن هذه السدود يصبح بالإمكان جر المياه إلى المناطق المحتاجة خارجه.
واستباقاً لما سيحصل على هذا الصعيد، تداعى اتحاد بلديات إقليم التفاح لاجتماع طارئ خلال الأيام القليلة الماضية لمناقشة تداعيات هذا المشروع وأصدر بياناً تضمن موقفا سلبيا منه.
جدية المشروع
في المقابل يؤكد رئيس مصلحة مياه نبع الطاسة المهندس زكريا غدّار وجود مثل هذا المشروع “الذي سيوضع موضع التنفيذ في وقت قريب”، مشيراً إلى أنه “ناجم عن بروتوكول تم توقيعه بين وزارة الطاقة والمياه، في عهد الوزير محمد عبد الحميد بيضون والسفير الفرنسي السابق. وهو يتضمن تنفيذ مشروعين لجر المياه السطحية في الجنوب، من بينهما مشروع جر مياه نبع الطاسة خلال فصل الشتاء، بواسطة شبكة أنابيب قطرها 20 إنشاً وطولها 18 كيلومتراً؛ وصولاً إلى خزانات مصلحة مياه نبع الطاسة في بلدة شوكين (النبطية) بكلفة ثلاثة ملايين يورو. والمشروع الثاني هو جر مياه وتأهيل “نبع المغارة” في منطقة حاصبيا بكلفة تسعة ملايين يورو”. ويلفت غدّار إلى أن المصلحة تبلغت بالمشروع من وزارة الطاقة والمياه، التي ستقوم بالإشراف على تنفيذه، بعد إعداد الدراسة اللازمة من قبل مديرية التجهيز المائي والكهربائي في الوزارة المذكورة، بالتعاون مع مجلس الإنماء والإعمار.
ويعتبر غدار أن اعتراضات اتحاد بلديات منطقة إقليم التفاح والأهالي “ليست في محلها، لأن الكميات التي ستسحب من النبع هي من المياه التي ستفيض عنه إبان فصل الشتاء، بدلاً من ذهابها هدراً إلى البحر. وبإمكان القرى والبلدات المحتاجة في منطقة النبطية الاستفادة منها طيلة 6 أو 7 أشهر في كل سنة؛ وبذلك توفر مصلحة مياه نبع الطاسة مبلغاً لا يقل عن ثلاثة مليارات ليرة سنوياً لدفع تكاليف كهرباء وصيانة وتشغيل محركات وغير ذلك من مصاريف أخرى، جراء اضطرارها لضخ مياه آبار فخر الدين خلال هذه الفترة”. ويلفت إلى أن المصلحة “ليست المرجع الصالح للرد على هذه الاعتراضات، بل هي من صلاحية وزارة الطاقة والمياه ومجلس الإنماء والإعمار”. الا انه يأمل “أن يتفهم اتحاد البلديات والأهالي هذا الأمر، لما فيه مصلحة إخوانهم العطاشى من أهالي منطقة النبطية الذين يعانون من شح المياه أشهراً عديدة من السنة”.
وكان “مكتب الدلتا للدراسات الهندسية” بإشراف الدكتور يوسف حمزة، قد أعد سابقاً، بناءً على طلب بلدية عربصاليم، دراسة عن تطوير مياه نبع الطاسة في منطقة الوادي الأخضر، من خلال إنشاء ثلاث بحيرات جبلية بواسطة بناء سدود صغيرة في الوادي المذكور. وتبيّن من خلال الدراسة وجود كمية 25 مليون متر مكعب من المياه، بين عامي 1965 و 1975 في المنطقة، بحسب الراصد المائي لمصلحة نبع الطاسة ومصلحة الليطاني، أي قبل الاستغلال الكامل لمياه نبع الطاسة. وبحسب الدراسة تبيّن أنه يمكن حفظ كمية مليون متر مكعب من هذه المياه، من خلال بناء سدين أو ثلاثة سدود صغيرة، بالباطون أو الردم بحسب المواصفات الفنية العالمية الحديثة، في عدد من الأماكن المناسبة في وادي مجرى نبع الطاسة. وتبلغ كلفة هذا المشروع مليوناً وسبعمئة وخمسين ألف دولار أميركي.
اعتراضات
تقول رئيسة “جمعية نداء الأرض” في بلدة عربصاليم زينب مقلد نور الدين، التي تقود مع أبناء عربصاليم وجرجوع حملة لاستعادة بعض الحياة لوادي مجرى نبع الطاسة: “ما من نبع في لبنان عومل بالفوضى والقسوة التي عومل بها نبع الطاسة، علماً بأن مياهه سحبت إلى مناطق غنية جداً بمياهها الجارية؛ وأخرى تحتوي أرضها على مياه جوفية وحفر الآبار فيها متيسر، فلماذا هذا التركيز الظالم على النبع؟ كأن هناك نية مبيتة للقضاء عليه وحرمان المنطقة من أجمل ما يميّزها اصطيافاً وسياحة وطبيعة جميلة. وهذا النبع ذكره المؤرخون والرحالة وأبدعوا في وصف جماله لكونه يشبه قطعة من الجنة”.
تضيف: “إن من يقصد النبع الآن يجد نفسه أمام مجزرة ارتكبت بحق الطبيعة، حيث غابت المياه الفضية وخمد صوتها وتحولت إلى قاع صفصف ساكن كسكون المقابر”. وتطالب “بإعادة النظر في كل المشاريع التي تستفيد من مياه نبع الطاسة، ضمن دراسة منظمة وتخطيط يراعيان حقوق السكان وحرمة البيئة”. وتحذر من الآثار البيئية والمناخية المدمرة التي ترتبت على سحب مياه النبع بكاملها؛ وقد أصبح كل ما حوله يباساً بعد ما كان يضج بالحياة. وتعتبر “أن من حق سكان البلدات المجاورة، الذين يعانون الآن من الضيق الاقتصادي، أن يستفيدوا من مياهه لري المزروعات وإقامة المتنزّهات وتبريد أجسامهم في فصل الصيف، لكونهم عاجزين عن تحمّل نفقات المتنزهات البحرية والنهرية الباهظة”. وتلفت إلى أنه “برغم سحب معظم مياه النبع، هناك مشاريع مشبوهة يجري تنفيذها على منبعه مباشرة. ولهذا فإننا نطالب بلجنة تحقيق على أعلى مستوى يشترك فيها رؤساء البلديات وممثلون عن الجمعيات البيئية، لكشف ملابسات ما يجري على نبع الطاسة في أسرع وقت، حتى لا يضطرنا المسؤولون للجوء إلى السلبية”. وتطالب بإقامة عدد من السدود على مجرى النبع، للاستفادة من مياهه في فصل الشتاء بدلاً من ذهابها هدراً إلى البحر، لعلّ في إقامة هذه السدود ما يعيد شيئاً من الرونق والحياة إلى هذا الوادي المنكوب وشيئاً من الأمل في عدالة الدولة التي تعدنا بالإنماء فلا نجده إلا في خطابات المسؤولين”
|