
أم حسين ترمس |
دفن اهالي ضحايا كارثة طائرة كوتونو حكومة، وشهدوا ولادة اخرى، دون ان يتسنى لهم على ابواب الذكرى السنوية الاولى لمصيبتهم ذات المستويات الكثيرة (24 كانون الاول) ان يدفنوا اولادهم أو ان يعينوا لهم قبرا يزورونه.
تستحضر مأساة مفقودي كوتونو السبعة، مأساء مخطوفي الحرب اللبنانية الاهلية، عبر لغة اهالي الضحايا التي اخذت تشبه لغة اهالي المخطوفين.
يقول علي كوثراني، الذي قتل اخاه محمد في الكارثة، وهو يقود سيارته في زحمة سير الضاحية، ان والدة المفقود حسين ترمس التي التقاها في الاجتماع حرقت قلبه عندما قالت له انها فاجات نفسها تحسد جارتها التي مات ابنها مؤخراً لأنها على الاقل “دفنته” وله قبر تزوره. يعيدك كلام ام حسين ترمس بلحظة الى ملف امهات مخطوفي الحرب اللبنانية. تحس بمرارة شديدة لملاحظتك سهولة أستيلاد التعابير نفسها من الناس في ظل عودة الدولة المزعومة. وتحس بان للفساد قوة الحرب الاهلية. اللغة هي نفسها: لغة العجز عن فهم تكاسل السلطة أو مماطلتها اهالي الضحايا: فلا الاهل قادرون على “تناسي” جثث مفقوديهم “الضائعة”، ولا هم قادرون على التغاضي عن الملف الغائص على ما يبدو في سراديب الفساد اللبناني المعقدة.
فعلى صعيد المسؤولية الجنائية مثلا، ابلغ رئيس لجنة اهالي الضحايا المحامي حسن علوية السلطات، أن محمد خازم مدير التشغيل، وأحد مالكي الطائرة، دخل الاراضي اللبنانية وانه بالتالي من المفيد استصدار مذكرة استقصاء وتحر في حقه. إلا ان هذه السلطات اعربت للمتصل عن “حيرتها” في المكان الذي ستفتش فيه عن هذا المطلوب، كما قال علوية الذي التقيناه بعيد الاجتماع الذي اصبح نصف شهريا بدلا من اسبوعيته. وما الذي حصل بعد ذلك؟ يقول علوية: “لا شيء. أفدناهم اين يفتشون عنه لو لم يكونوا على علم ، لكنهم لم يفعلوا شيئاً”.
كان ذلك منذ حوالى الشهر، وفي هذه الاثناء، انتقل النائب العام التمييزي الممسك بالملف عدنان عضوم من النيابة العامة الى وزارة العدل دون ان يعرف احد ان كانت النيابة العامة التمييزية التي كانت مناوبة “حضوريا” قبل الآن، سوف تنشط أكثر في فك تعقيدات الملف بعد ان اصبح حضور النائب العام التمييزي بالوكالة.
محاور المصيبة
المصيبة بمحاور كثيرة: عدم تحريك ملف المسؤوليات الجنائية حتى الآن، وعدم صدور التقرير النهائي عن اسباب الكارثة الذي كلفت به السلطة في بنين الخبراء الفرنسيين، وعدم تمكن الأهالي من رفع دعاوى التعويض على الشركة. لكن استمرار هيمان الجثث السبعة على وجهها، يشكل الشق الاهم وصاحب الاولوية ، لانسانيته اولا، ولأنه يشتت الانتباه عن المسائل الاخرى ثانيا طالما انه لم يحل.
لكن موقف الدولة المماطل كانت له مضاعفات اخرى: فإن كان هذا حال السلطة في التفتيش عن جثث مواطنيها السبعة، فكيف ستكون حالها في مسألة المسؤوليات الجنائية والتعويض على الضحايا؟
كاد هذا الموقف يؤثر على التحقيق الذي يحاول الاهالي إجراؤه بانفسهم عن مكان جثث مفقوديهم. هكذا كاد سعي رامي حلواني، الذي لا يزال يبحث عن جثة اخيه رباح بعناد يثير الاعجاب، ان يصطدم بصد بعض أهالي الضحايا الذين تم دفنهم. “خللي الدولة تروح تجبلك خيك” قالوا له بفورة غضب عندما طلب عينات من دم بعض الاهالي الذين سبق ان دفنوا جثة فقيدهم لمقارنتها مع فحص الحمض النووي للجثث الاحدى عشر التي كانت لا تزال متروكة في كوتونو لعلهم يكونوا قد دفنوا جثة اخرى عن طريق الخطا وكما سبق وحصل مع اهل جوزيف نسيم على سبيل المثال. لكن وجود حلواني واهل المفقودين السبعة في خندقهم نفسه اقنع البعض دون ان يقنع على ما يبدو كل الاهالي الذين طلب اليهم ان يعطوا عينات الدم المطلوبة، ومنهم من حاول التسويف بحجة أنهم لو اعطوا عينة من دمهم لفطروا في رمضان!
لكن ما قصة فحص الحمض النووي، والفكرة التي على اساسها يقوم اهالي المفقودين حسين ترمس، علي الطويل، عفيف هاشم، عباس حجازي، رباح حلواني، علي الحاج علي، وخليل جفال بالبحث عن مفقوديهم بين مدافن لبنان وبنين وبنغلادش؟.
يقول رامي حلواني شقيق رباح، انه تبين انه لم تكن هناك ضرورة (كما طالبنا في التحقيق السابق) ان تجرى تحاليل الحمض النووي لكل اهالي ضحايا الكارثة الثمانين الذين دفنوا في لبنان: “لأننا استحصلنا على صور من الملحق العسكري الفرنسي لجثث الضحايا وتبين ان صور16 ذكرا بين المتوفين غير موجودة بين تلك الصور” يقول رامي حلواني. ما معنى ذلك؟ يجيب الشاب: “من تعرف اهله على جثته بالمقارنة مع صوره، استبعد. اما من لا صور لجثته فمن الممكن ان يكون قد دفن خطأ، اي ان هناك شكا في هويته وان تكون جثته بالتالي قد دفنت في كوتونو” وبالتالي؟ “وبالتالي نأخذ من اهله عينة دم لفحص الحمض النووي، ونقارن هذا الفحص بالجثث الاحدى عشرة التي كانت متروكة في مشرحة كوتونو”.
وهل يعني توفر الصور قبل وبعد الوفاة، تيقن الاهل من دفن الجثة الصحيحة؟ يرد: “فلأشرح لك من البداية: استعرضت كل صور الجثث الموجودة فلم اجد بينها شبيها لأخي. عرضت الصور نفسها على زملائي من اهالي المفقودين فلم يتعرف احد على جثة مفقوده بينهم. ماذا يتبقى؟ احصينا عدد الجثث التي لا صور لها واستبعدنا القتلى ذوو الاعمار الكبيرة لأن المفقودين جميعا شبان، فتبين ان لدينا اربع عشرة جثة لا صور لها وقد تكون دفنت خطأ. المرحلة التالية تقوم على اخذ عينات من أهل هؤلاء لتحديد هوية الحمض النووي ومقارنتها اولا بالجثث الاحدى عشرة التي دفنت في كوتونو، فلو تطابق احد الفحوصات لأمكن القول ان الاهل دفنوا جثة غير تلك التي تعود لابنهم. اما لو لم تتطابق فسنقوم بمقارنتها مع فحص الحمض النووي لجثث الذين دفنوا في بنغلادش(خمسة عشر جنديا من قوة حفظ السلام التابعة للامم المتحدة). لكن يجب اولا ان نتاكد من ان الجثث غيرموجودة في لبنان لنستطيع ان نطلب من البنغلادشيين ان يقوموا بالشيء نفسه”.
حتى الآن، يؤكد حلواني انهم نجحوا في اخذ عينات دم من تسعة من اهالي الاربع عشرة جثة المشكوك بامرها. اما الخمسة الباقون، فلقد حاول حلواني ان يخفف من ما سمعناه عن رفضهم اعطاء عينات من دمهم: “لقد وافقوا ان يعطوا عينة دم، لكنهم ينتظرون الوقت المناسب”. مضيفاً: “لأنو كنا فتنا برمضان”. نسأله عن العلاقة بين شهر رمضان وإعطاء عينة دم لفحص الحمض النووي؟ فيقول وصوته تشوبه غنة غير المقتنع: “لأن من سيعطي عينة دم يفطر”! لكن من الذي أفهمه ذلك؟ فمن المعروف ان هذا الفحص، الذي يتعاطاه الاطباء الشرعيون من الممكن ان ينجز حتى من شعرة من جسد المتوفى او اية بقايا اخرى! فيقول بصبر نافذ: “واحد قللي بفطر. شو بدي قللو؟”. ثم يضيف: “سأقول لك الحقيقة: عارض بعض الاهالي إعطاء عينة دم لأنه برأيهم ان حقهم لم يصلهم من الدولة بمعنى المسؤولية الجزائية. مثلا آل فلان الفلاني (..) وعندما قصدتهم في قريتهم سألوني: لم سنعطيك دما؟ وقالوا :خللي الدولة تروح تجبلك خيك”. ويتابع: في “النهاية عادوا وتجاوبوا ولم يتبق الا خمسة (ممن لا صور لجثث اولادهم) لم نأخذ منهم عينات”.
شغّل رامي عقله واختصر العملية الطويلة للمقارنة بين الجثث في كوتونو والجثث في لبنان، ومع ذلك فقد تطلب منه ذلك استقصاء لثلاثة اشهر في الامن العام لمعرفة اهل الضحايا وعناوينهم وكيفية الاتصال فيهم. لكن ألم يكن من الاسهل له يتصل بوزارة الخارجية لتعطيه عناوين الجميع ؟ يقول: “لقد تحدثت الى هيثم جمعة (مديرعام المغتربين في وزارة الخارجية) بالنسبة له “ما في غلط” بالجثث” .وماذا يقول جمعة بالنسبة لجثة أخيه التي لم يعثر عليها حتى الآن؟ يقول رامي: “متروكة بكوتونو”.
لكن لنعد الى السؤال الاساسي: اجريت اذا حتى الآن مقارنة لفحوصات الحمض النووي لتسعة من اربعة عشر؟ فماذا كانت النتيجة؟ هل استبعدوا؟ يقول: “استبعدوا جميعا”.
وماذا عن بقية الفحوصات؟ يقول انها سوف تجرى في نهاية رمضان (مر الموعد)، فلو استبعد الجميع لأصبح إحتمال ان الجثث دفنت في بنغلادش كبيرا جدا. ولأنتقل الملف الى حضن وزارة الخارجية.
|