حفنة من رمال
ديوان للشاعر الراحل حسين علي صعب 
موقع "إيلاف" -- (السبت، 18 كانون أول «ديسمبر» 2004)
شوقي مسلماني
"حفنة من رمال"، ديوان صدر في بيروت بعد مضي أكثر من ثلاثين عاماً على وفاة مؤلّفه الشاعر العاملي والناقد والمعلِّم حسين علي صعب. ويقع الديوان في مائتين وست وخمسين صفحة، ويضم بين دفّتيه إثنتين وستين قصيدة، منها العاموديّة ومنها المغصّنة أو المرسلة، وقدّم له صديق الطفولة والكلمة الأديب يحيى شامي بنصّ خلاّق يحتفي بالشعر بدرر نثريّة وبالحب بحب مماثل وبالوطنيّة بوطنيّة تُعلي من راية الأمل كطريق محتّمة لتصفية الحساب مع الألم والعذابات والمخاطر، التي أحاقت وتحيق اليوم كما بالأمس بجنوبنا اللبناني وبفلسطين المغتصبة منذ أكثر من نصف قرن.

ويقول الأديب شامي في المقدّمة، عين َالحق الذي يكاد يلمسه باليد وبيسر شديد كلّ من يطّلع على الديوان، أنّه لو قيِّض للشاعر الراحل صعب أن يعيش أكثر لكان اليوم شمساً في دنيا الشعر. فقصائده ثرّة صوراً وأفكاراً ونبلاً ووطنيّة تنتصر للمظلوم في كفاحه ضدّ الظالم وللمقهور في نضاله ضدّ القاهر الباغي، كما تستنهض همم المعذّبين لينتفضوا على أسباب العذاب وكل أنواع الذلّ والهوان الذي يصيب الإنسان في عصر الطغاة والمستكبرين، فضلاً عن أنّها قصائد تنتشي بلغة الضاد لساناً وبالحريّة والإستبسال في سبيلها قيماً وبأرض العرب واحدة موحّدة، ومساهمة في صنع الحضارة المعاصرة على الصعد كافّة: العلميّة والفنيّة والأدبيّة والصناعيّة والعمرانيّة.

ومعجم الشاعر اللغوي بيّن جلي، فواسعة جنباته وكثيرة مفرداته وهو كنز حقيقي تتلألأ جواهره شموساً وأقماراً وأنجماً وأرواحاً ما أن تنتظم في تفعيلاتٍ وأشطر وبحار حتى تنتصب كائناً شامخاً من لحم ودم متوازناً نفسيّاً راسخاً عاطفيّاً، وحبّه حبّ وثورته ثورة وتأمّلاته تأمّلات وأفكاره أفكار وصوره صور... فلنصغ إليه وهو يقول في قصيدةِ "إليها":

"مثلما يلهو بزهرة  \  نسمُ الليل الرقيق

رقصت خجلى على وجه الطريق؟"

هذا وأحسن الأديب شامي في عرض قصائد المجموعة فتوالت وتواصلت، بعضها في شعراء ومناضلين وبعضها في أقطار عربيّة وكلّها عموماً جياد أو سبائك ذهب. وواحدة منها بعنوان: "بغداد والموت والوحدة" أقتبس منها أبياتاً تصوِّر حالاً نحن فيه الآن وتناجي عاصمة منكوبة على نحو يقصِّر دونه كُثُر من المعاصرين تقول:

"بغداد ليلٌ قاتم الأبعاد  \  جرح تنزّى في سعير جهاد

بغداد يا سُحْب الدماء تسوقها  \  عبرَ السنين عواصفُ الأحقاد

يا قلعة صُمّ القضاء ببابها  \  فتحصّنت بتراكم الأجساد

يا نجمة عند الشروق تخضّبت  \  لبست على القتلى ثياب حداد

تبكين تمّوز القتيل وإنّما  \  تبكين من صُلِبوا على الأعواد

للموت إن فتحوا الصدور فقد قضوا  \  مثل النسور على ذرى الأطواد

فيم الخضوع وقد هدمتِ عرائشاً  \  فنجوت من قيدٍ إلى أقياد

من يقبل الأرواح قرباناً له  \  هل ينحني أم يرضَ باستعباد

ما غيّبتْ ارضُ العراق مشاعلاً  \  في كلّ صدرٍ وهجُها وفؤاد"

ويختم الأديب شامي المجموعة بتوكيل من "زغب القطا" وهم وسام، رمزي و ندى ، وهم أبناء الشاعر الراحل بالإضافة إلى السيّدة نوال زوجه النبيلة بكلمات قيلت في يوم التأبين من عام 1973 وهي لكل من آية الله العلاّمة السيّد محمّد حسين فضل الله، والدكتور نور الدين صعب، و الأستاذ نزيه حبيب بيضون، والأستاذ عاطف بزّي، والأستاذ إسماعيل الصغير، والشاعر حسين عسيلي، والأستاذ الياس شوفاني نيابة ً عن أبناء بلدة "رميش" العامليّة، والأديب إبراهيم نعيم بزّي، والأستاذ الأديب محمّد فلحة نيابةً عن الهيئة التعليميّة في منطقة بنت جبيل، والشاعر عبد المطّلب الأمين، والأستاذ الراحل نصرت خريش، والدكتور ابراهيم بيضون، والأستاذ أحمد الصبّاغ الذي ألقى قصيدة من الديوان يرثي فيها الشاعر نفسه فيقول في بعض مطارحها:

" ... فكم من وردة ذبلت وماتت  \  ونجم آفل قبل الأوان

ونفسي مثل نفسي في حشاها  \  رماح الحزن راعفة السنان

أناخ الليل وانطفأت شموعي  \  وذاك القبر في لهف دعاني

ولولا حبّ أطفال صغار  \  لما أشفقت من ريب الزمان

ولا أطرقت ما بين البرايا  \  كأنّي شارب كأس الهوان

رحم الله الشاعر حسين علي صعب. وإذا رحل عنّا جسداً فهو حاضر بيننا بعائلته التي منها ديوانه الذي ولد له من رحم أنفاسه التي طالما عطّرت مطارح في الجليل. حقّاً الكلمة تقوم أبداً. حقّاً تقوم أبداً.

§ وصـلات: