كشف القضاء العسكري اللبناني ممثلاً بقاضي التحقيق العسكري الأول رشيد مزهر، عن شبكة تجسّس جديدة تعمل لمصلحة العدو الإسرائيلي كان بعض عناصرها قد حوكموا سابقاً بتهمة التعامل مع هذا العدو، وبعدما أمضوا محكوميتهم المخفّفة جدّاً والتي لا تقارن بأفعالهم ومدلولاتها الخطيرة على الصعيد الوطني ولا سيما لجهة المسألة الأمنية، عادوا إلى ممارسة اتصالاتهم بهذا العدو ضمن شبكة تجسس منظّمة، سرعان ما كشفتها الأجهزة الأمنية.
وفي المعلومات الخاصة ب”السفير” أنه بعد مدّة قصيرة من خروج جوني ك. غ. (مواليد العام 1973) من السجن في شهر شباط من العام 2003 بعد تنفيذه عقوبته بجرم التعامل مع العدو الاسرائيلي، قصدته في منزله ريتا ت. ع. (مواليد العام 1968) بصفتها جارته في بلدته مرجعيون وأقامت معه في فلسطين المحتلة إبان فراره من البلدة مع قوافل ضباط وعناصر ميليشيا العميل انطوان لحد يوم الاربعاء الواقع فيه 24 أيار 2000، وذلك لتهنئته بالسلامة، وأبلغته في الوقت عينه بأنها لا تزال على اتصال دائم بالعملاء الموجودين في فلسطين المحتلة ومن بينهم الشقيقان الضابطان السابقان في عداد الميليشيا المنحلة حنا يوسف نورا (مواليد العام 1962) والياس يوسف نورا (مواليد العام 1959) وبعرّاب ابنتها ميلاد عواد ونقلت إليه تحياتهم وسلامهم.
وعلى اثر هذا اللقاء زوّد جوني ريتا برقم هاتفه طالباً منها إعطاءه للعميلين حنا نورا وميلاد عواد، ففعلت ذلك على الفور وبرضى تام. وقام حنا بالاتصال بجوني على رقم هاتفه الخلوي، عارضاً عليه العمل أمنياً تحت جناحه لمصلحة جهاز استخبارات العدو عن طريق تجنيد عدد من الأشخاص المقيمين في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يتمركز “حزب الله” بكثافة، موضحاً له أنّ ارتباطه سيكون مباشرة بالضابط السابق في ميليشيا العملاء الفار إلى فلسطين المحتلة سمير ع. الملقب ب”أبي سمرا”. وقد اتصل ع. بجوني واعداً بتحسين وضعه المادي نحو الأحسن فانقاد له كلياً خصوصاً ان حاله المادية متردية كثيراً لكونه عاطلاً عن العمل.
“تجنيد” مخبر
وقد اتصل جوني بصديقه القديم ش.و. الذي التقاه في محلة الحدث وعرض عليه العمل لمصلحة العدو الاسرائيلي بعدما كان قد عرض عليه الأمر نفسه في العام 1996 قبل زوال الاحتلال من جنوب لبنان فوافق على الفور وأجرى جوني اتصالاً من هاتفه الخلوي بالعميل حنا نورا وأخبره بأنه تمكن من تجنيد ش.و. فطلب منه التحدث إليه فوراً . وهذا ما حصل بالفعل ثم طلب حنا من جوني تزويده بكامل هوية ش.و. ووضعه العائلي بهدف تكوين ملف عنه ورفعه إلى الضابط الاسرائيلي المسؤول عنه تمهيداً لنيل موافقته التامة على تجنيده ومباشرة العمل من دون تأخير فتم ذلك.
ولكن ما لم يكن يتوقعه جوني ان ش.و. أبلغ الاجهزة الأمنية المعنية بواقعة محاولة تجنيده واضعاً نفسه بتصرفها من أجل توقيف الشبكة فتم تجنيده لمصلحة الأجهزة الأمنية اللبنانية بناءً على موافقة النائب العام التمييزي القاضي عدنان عضوم قبل أن يصبح وزيراً للعدل.
تحديد المراكز الأمنية لحزب الله
وبعد فترة وجيزة اتصل جوني الذي اتخذ لنفسه لقب “طارق” بصديقه ش.و. وأبلغه بأن لقبه أصبح “شربل” لضرورات العمل وحفاظاً على أمنه الشخصي، وبأنّ لقب العميل حنا نورا هو “فهد”. وتوالت الاتصالات الهاتفية بدءاً من تاريخ 27 شباط 2004 بين أفراد هذه الشبكة من خارج البلاد إلى داخلها وبالعكس بحسب المتصل، وانصبّت كلّها على وجوب جمع معلومات عن نشاطات “حزب الله” وتحديد مراكزه الأمنية غير المعروفة، فضلاً عن صفة أحد رجال الدين وتعيين نوع سيّارته ولونها ومحل إقامته.
وبناءً لطلب العملاء جرى تأمين جهاز خلوي خاص بالمدعو ش.و. لتسهيل أمر الاتصال به وتحريكه بالاتجاه الذي يريده جهاز “الموساد” ولتلبية طلباته على الفور. وقد تلقى ش.و. اتصالاً من حنا نورا أعلمه خلاله بأنّ من أسماه “المدير الكبير” الملقب ب”أبي أحمد” سيتصل به وعليه أن يردّ عليه. ولم تمر إلا دقائق قليلة حتى اتصل “أبو أحمد” به وتحدّث معه بلهجة عربية “مكسّرة” وغير سليمة لكي يستفسر منه عن محل إقامة عدد من المسؤولين العسكريين في “حزب الله” ومراكز تدريباتهم وعلاقته بهم، طالباً منه التطوع في صفوف الحزب تسهيلاً لحضور اجتماعاتهم ومعرفة الأحاديث التي يتناولونها والأعمال التي ينوون القيام بها!.
استشهاد عوالي
واستمرت هذه الشبكة في اتصالاتها المهيّئة لعمل ما يدبره “الموساد” إلى أن وقع انفجار العبوة الناسفة التي أودت بحياة أحد قادة المقاومة الاسلامية الأساسيين الذين لهم علاقات متينة بعمل الانتفاضة الفلسطينية الشهيد الحاج غالب عوالي في محلة معوّض في منطقة الضاحية الجنوبية يوم الاثنين الواقع فيه 19تموز 2004، حيث اتصل العميل حنا نورا بجوني في لبنان طالباً منه قطع الاتصالات موقتاً ريثما تنجلي الامور بعد هذا الحادث الأمني الخطير. وأرسل له مبلغاً من المال مقداره ثلاثمئة دولار اميركي بواسطة نسيبه جورج ط. ن. (مواليد العام 1966) الذي يعمل سائقاً لسيارة أجرة بين مرجعيون وبيروت ويتواصل بشكل دائم مع حنا ويتولى دائما “تشريج” خط حنا الخلوي وينقل الرسائل والأموال منه إلى أقاربه وآخرين. وقد التقى جوني بالسائق جورج قرب السفارة البولونية بعيداً عن أعين المراقبة.
وما لبثت العلاقة أن انقطعت بين جوني غ. وش.و. فعمدت الأجهزة الامنية إلى توقيف الاول والتحقيق معه ومن ثم تسليمه للقضاء.
أسلحة إسرائيلية
واتضح من سياق التحقيق ومن تتبع مكالمات حنا نورا الداخلية ومن خلال الكشف على اتصالات جهازه الخلوي أن هناك أشخاصاً كانوا يواظبون على الاتصال به من داخل لبنان ومنهم شقيقه شربل (مواليد العام 1967) الذي كان من عداد عناصر ميليشيا العملاء في العام 1989، وفارس أ. أ. (مواليد العام 1971) وجوزفين ع. إ. (مواليد العام 1972) التي كانت متخصّصة بالعمل على سلاح الاشارة والاتصالات ضمن ميليشيا العميل لحد.
ولدى تفتيش منزل فارس عثر على ست رمانات دفاعية وأخرى دخانية جميعها إسرائيلية الصنع وثلاث قذائف من عيار 14,5 وبندقية “ج3” وثلاث دروع قديمة العهد ومماشط لأسلحة حربية وعتاد عسكري.
كما تبيّن أن ريتا ع. أحضرت معها من فلسطين بعد عودتها إلى لبنان خطاً خلوياً إسرائيلياً دأبت على استعماله باستمرار في اتصالاتها مع بقية عناصر وضباط ميليشيا لحد لغاية أواخر العام 2003 حيث تحطم فتخلت عنه قسراً.
وأصدر أمس، القاضي رشيد مزهر قراره الاتهامي بحق أعضاء هذه الشبكة التجسسية الموقوفين والمخلى سبيلهم على حدّ سواء، فقرر اتهام الأشقاء الثلاثة حنا نورا وشربل نورا والياس نورا بجناية المادتين 273 و278 من قانون العقوبات وتنص على الأشغال الشاقة الموقتة. كما اتهم جوني غ. وجورج ط. ن. وجوزفين ع. إ. بجناية المادة 278 عقوبات وتصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة الموقتة خمسة عشر عاماً.كما اتهم ريتا ع. بجناية المادة 278 عقوبات وجنحة المادة السابعة من قانون مقاطعة اسرائيل وتصل عقوبتهما مجتمعين إلى السجن خمسة عشر عاماً، كما اتهم فارس ا. أ.بجناية المادة 278 عقوبات، وجنحتي المادتين 72 من قانون الأسلحة و7 من قانون مقاطعة اسرائيل وتنص مجتمعة على السجن حتى خمسة عشر عاماً وأحالهم على المحاكمة أمام المحكمة العسكرية الدائمة. وسطّر القاضي مزهر مذكّرة تحرّ دائم توصّلاً لمعرفة كامل هوية سمير ع. وميلاد عواد و”أبو أحمد” وتوقيفهم فوراً.
|