محترف تشكيلي للأطفال في النبطية
يصفع خد الإهمال الرسمي
لوحاتهم تذاكر سفر وعيونهم الشقيّة تحرّر جبل عامل
المستقبل -- (الجمعة، 7 كانون ثاني «يناير» 2005)
سلام شمص
يعرض لوحته ورشة جانبية
تقف بكامل أناقتها أمام الواجهة: تظن نفسها للوهلة الأولى أمام محل لبيع أدوات الرسم.

تدخل غاندا حمدان (فنانة تشكيلية مغتربة) المحترف التشكيلي الكائن على طريق عام النبطية وسط محال الميكانيك "وغبار" عوادم السيارات ورائحة المازوت الملتهب سواداً من "أفواه" الفانات العابرة، لتكتشف محترفاً للرسم منفلشاً على لوحات غارقة في الجمال وأشواك حديدية تزنر صورة الامام المغيب موسى الصدر ومغارة الميلاد غارقة في سكونها.

ثمة عناصر توحي بأحقية ذلك المكان الصغير بالانتعاش في محاولة لاستعادة الوجه الحقيقي للجنوب اللبناني ثقافياً وتوجيه صفعة على خد الإهمال الرسمي المتورم جراء شجون أقل شأناً.

محترف تشكيلي يفرض وجوده في ساحة جنوبية ما زالت تتنفس أعباء الاحتلال الاسرائيلي يحاول مختار بلدة "تول" الحاج ركان بلوق من خلاله ضخ الحياة في مواجهة الانكفاء الثقافي وتنفيذ "رسوم تصفع بعض الناس" (فان غوغ) في غرفة متواضعة تتقاطع فيها الألوان أكثر حرارة وعذوبة تنسجها أنامل فنانين أطفال يعبرون باللوحة ـ تذكرة السفر، الى عوالم أرحب وبيئة حرة.

يلوي صلاح قاطبي (12 عاماً) رأسه الصغير ممسكاً بريشته لنسخ الصورة الشخصية لـ "فان غوغ" ملهمه الأوحد: "أحاول اتقان هذا العمل وإن فشلت، أكون قد خضت تجربة هامة في حياتي... أنا واثق من إنجازي عملاً مثالياً يمكن اكتشافه بعد وفاتي".

يهادن صلاح الأرنوني (نسبة الى بلدته "أرنون") احساسه الكبير بالألوان وبشخصية لوحته وتتسع عيناه السوداوان في مدى أفقي للإمساك بملامح الصورة إذ "ضربة ريشته (ويقصد "فان غوغ") تبدو في محلها وهو يجيد استخدام اللون وتقدير سماكته"، كما يسطر انتصاره الناضج في مقاربةالموروث العاطفي للوحة وحرارتها اللونية من خلال إلمامه بالأبعاد التقنية.
 

الاحساس... مبدأ

من منطلق التوازن بين الاحساس والتقنية تبدو القيود الأكاديمية ضرورية لتطوير رؤية التلميذ ـ الفنان وإيصال لوحته الى سلم التعبير الأجدى والحد من جموح خيال تشكيلي فوضوي إذا صح التعبير.

يشرح الأستاذ المشرف على "مواهب" الفنانين الصغار درويش الشمعة "لمسات" البعد الأكاديمي المرتبطة بالبعد العاطفي، لجهة الخروج بـ "فلتات حلوة وفي محلها" ضمن اللوحات التي ينجزها هؤلاء: "من الصحيح ان القيود الأكاديمية المفروضة تحد من حرية الموهبة ويحكم الانضباط ايقاع الانتقال الى عالم اللوحة، الا أن الطالب الذي يتبع إحساسه يستطيع سبر أغوار مكامن جمال تتعدى القواعد الواجب اتباعها".

الشمعة وهو فنان متخصص في مجال الديكور بعد تخرجه الجامعي، يتلمس أهمية تسويق الثقافة كي يصبح "الفن التشكيلي بألف خير في ظل غياب البرامج البديلة وتغييب المتاحف الحقيقية عن واجهة السياحة في لبنان تستحضر تراث "عمر فروخ" و"عارف الريس" وغيرهما ممن يحفل بهم العطاء التشكيلي.

أراد المحترف الذي بدأ عمله منذ نحو خمس سنوات ضمن برنامج متواضع أن يحارب على طريقته، فتوسع نشاطه إثر التأييد والاقبال المتزايدين الى برنامج شامل لدراسة فن الرسم عبر 6 دورات. تتوزع الدورات على مراحل متدرجة في تعلم تقنيات الرسم مع زيادة "عيار" التعامل مع الطلاب وفق أعمارهم ومستوياتهم الفنية من خلال محاضرات عن تاريخ الفن التشكيلي وأفلام وثائقية ترصد الأنماط المتبعة والتقنيات المعتمدة.

ويوضح صاحب الفكرة المختار بلوق، الذي يتمتع بذائقة فنية "ويتواطأ" مع بعض التشكيليين في صياغة نمط يعتمده في لوحاته، ان إنشاء المعهد "تأتى إثر جهد فردي بدعم من مؤسسة "بلوما" التي تنظم مسابقات في الرسم داخل المدارس وتمنح الطلاب المتفوقين شهادات تفوق في حال إنجاز عمل متميز".

ينحاز "بلوق" لـ "قاطبي" وبعض أطفال المحترف: "لا يمكن تبين أي نفور بين صلاح واللوحة التي يرسمها... قصد المحترف في عمر 9 سنوات ويتمتع باحساس مرهف من الصعب تلمسه لدى الأفراد العاديين".
 

اللوحة ـ الطائرة

في زاوية سجينة الجدران، يستكمل صلاح رصد ملامح "فان غوغ" من دون أن يستسلم لمبدأ النسخ إلا انطلاقاً من ضرورة الارتقاء بعمله أسوة بالفنان نفسه الذي طور أداءه الفني عن طريق نسخ اللوحات الشهيرة لعمالقة الفن: "لا يهمني كيفية الرسم بقدر ما اهتم للتعامل مع الريشة واللوحة واستخدام اللون... الرسم هواية جميلة دأبت على ممارستها حتى وصلت الى هنا".

وليس من الصعب إدراك مدى تطرفه للمحترف لدى تلمس حجم الاهتمام بموهبة صلاح ورفاقه حيث يؤكد "المختار بلوق" على سعي المحترف الى تعزيز المواهب ودعمها في سياق فني يدعم "مفاصل" الوعي الثقافي بعيداً عن أي قيود.

25 طفلاً ـ فناناً يتحركون في مهب ريشة أستاذهم "الشمعة" المدرك تماماً لأهوائهم وتطلعاتهم: "بالنسبة الى الطفل الجنوبي، اللوحة أشبه بطائرة ـ الوسيلة الوحيدة للسفر خارج بيئته ومحيطه الى عالمه الخاص".

لا يحاول الشمعة "ترميز" لوحات طلابه تاركاً المجال أمام شطحات فنية لا تخلو من السحر: "الولد يشطح خارج الواقع ولا يمكنه شرح مرامي لوحته... خياله غير مقيد لدرجة يكون فيها جريئاً أكثر من سلفادور دالي".

ولهذا، تتفلت ايزابيل سرحان (11 عاماً) من قيود المشهد الجامد الى رحاب الطبيعة لتعكس مشهدية غضبها المفرط في لوحة جميلة: "عندما أغضب كثيراً أو ارتكب خطأ ما وأشعر بالذنب، ألجأ الى الرسم... وفي حال اتهمت بكسر إناء ما في المنزل جوراً، أسعى الى كسره من خلال لوحة".

ترتكز هذه الفلسفة الطفولية في تنفيس الغضب عبر الألوان وابتداع وجوه بعيون تبعث على الطمأنينة الى أسس من "الاستقلالية" في الخيال والإبداع والعالم الذي تعتبره ايزابيل ملاذاً لراحة أعصابها بحيث "أمسي كالوحش عندما أغضب".

تروي تلك الطفلة الشقية يوم استغرق رسم إحدى اللوحات أربع ساعات أمضتها في المحترف لتعود الى المنزل "مفحمة": "أحب أن أمرغ يدي بالتلوين... أحب أن أرسم حقيقة... أنا مبتدئة ولكن البعض يؤكد أنني في حالة متقدمة".

جدتها لأمها الفنزويلية فنانة تشكيلية أمدتها بروح فنية عالية وبالألوان التي تنشد من خلالها "ايزابيل" العدالة والعودة الى زمن الفراعنة: "أرسم نفرتيتي وأبو الهول وأحب فان غوغ ومايكل أنجلو وليوناردو دافنتشي".

بين هؤلاء الثلاثة، يظهر "فان غوغ" الأكثر التصاقاً بألوان ريشتها: "هذا الفنان يتبع مشاعره... كان يرسم وجهاً بلون أخضر وهذا ما لا يحصل عادة".

تلمست تلك الطفلة المنحازة الى الطبيعة النمط الآخر من حياة "فان غوغ" الملتزم باعطاء فكرة عبر اللوحة كما في إحدى صوره المستقاة من قلب الحياة الريفية. للدلالة على أن "هؤلاء الناس الذين يأكلون البطاطا بأيديهم تحت ضوء المصباح ويمدون هذه الأيدي الى القصاع قد حرثوا الأرض أيضاً بهذه الأيادي... أردت أن أمجد العمل اليدوي وتبيان ان الغذاء الذي كسبه هؤلاء الكادحون كان بعرق جبينهم... أردت أن أدفع الى التفكير بنمط آخر من الحياة غير ما ألفناه نحن المتمدنين... لذلك، لا يهمني أن يعجب بها جميع الناس أو يرونها (أي اللوحات) صالحة جميلة، أما أن يروا فلاحين سعداء هادئين فليلتمسوا لوحات أخرى".
 

والفنان ـ الإنسان

هذا ما ارتآه "فان غوغ" الذي فضل أن يكون "صانع خيوط من أن يكون موسيقياً بالألوان"، وهو مدار تأثير لافت في أنحاء المحترف الملتزم الارتقاء بالفرد ـ الإنسان الى مصاف القضية ـ اللوحة لتتعدى أن تكون "مجرد قطعة زخرفية لاستكمال أثاث المنزل، بل مرآة تكشف عن تاريخ وتراث مجتمع بأكمله "بحسب رؤية درويش الشمعة الذي يعتزم الانسحاب من لوحة الوطن الى آفاق غربية لتعزيز ثقافته الفنية".

وفي حين يبرر هذا الأخير "هروبه" التقني، يبحث الفنان التشكيلي سلام دنان (العراقي) في خلفيات "الجفاف الفني" في منطقة الجنوب وفقدان جبل عامل وزنه الثقافي لتتبدى المعادلة غير متوازنة: "ايلاء الاهتمام للرقص والغناء يكون على حساب الفن التشكيلي حيث الوقائع والحقائق التراثية والتاريخية تدفع الفرد الجنوبي الى التعبير بقوة".

تداعيات الإهمال الرسمي لمواهب عدة يجعل الواقع مأزوماً وأضيق نفساً: "السياسة أثرت في هذا الفن، فبات ضمن قالب الحركات والأحزاب المتواجدة على الساحة لا يعبر عن الوجود الحقيقي للفرد ـ الإنسان".

يقود هذا التصور الى التشدد في توثيق عرى الترابط بين الفنان والإنسان إذ يلفت دنان الى أنه: "من الضروري أن يكون الفنان إنساناً كونه بحاجة الى تصدير فكرة وخدمة الإنسانية أو التعبير عن الإنسان الحي ـ الميت".

يمسك أطفال المحترف بهذه المعادلة بلا وعي أو عن غير قصد، فتجذب ملامح كبار السن بتجاعيدهم الجميلة وعيونهم الغائرة وشعرهم الأبيض. غنى عباس (12 عاماً) التي تمارس هواية الرسم للاطلاع على "صور جميلة ليس إلا: "لا أفكر في احتراف هذه الهواية... حلمي أن أتولى منصباً أشعر فيه بالمسؤولية".

على مسار معاكس لـ "ايزابيل"، لا تلجأ غنى (حومين ـ النبطية) الى الرسم كوسيلة لهزيمة غضبها، والفوضى سمة رئيسية تخرب عليها تنظيم أفكارها بوضوح وسلاسة: "غرفتي بتضلها مخروبة... أستخدم اللون الأزرق ليلاً والأحمر نهاراً".
 

أنسنة و"تحرير"

بدوره، يدرك صلاح المعالم الإنسانية للريشة والألوان وينغمس في تقليد "غير "أعمى" لصراخ لوحات "فان غوغ" ومعاناته مع الألوان.

يعلق دنان: "يتمتع صلاح باحساس إنساني راق ويمكن له إجادة التعبير بقوة أكبر في حال استثمر نبض خياله كون لوحات "فان غوغ" لا علاقة لها بالتقنية وهي تعبر عن حالة إنسان مجنون يفجر مشاعره باللون من منطلق واقعه الكلاسيكي".

يحاول الأطفال الجنوبيون تحرير أنفسهم من خلال الفنانين الكبار ويعمدون الى إبراز خاصيتهم قدر الإمكان في اللوحات المنسوخة لدرجة تصبح "لوحات مستقلة من حيث اللون والرؤية" في بحث عن لغة معاصرة وعن رونق جبل عامل.

سرداق من الفرح والفن افتتحه الفنانون ـ الأطفال: صلاح لم يرسم وجه والدته الجميلة كما يصفها ولكنه ترجم احساسه البنوي في تعبير لوحاته فيما ايزابيل التي تحاول الانعتاق من زمنها الراهن يتلبسها وجه جدتها الفنزويلية.

يسترجع الفرد بعض ملامح أنسنته من خلال "فلتات" جنوبية حيث قضايا العصر حاضرة في ريشة صلاح فخصوصية ملفتة: "فعلتها مرة أثناء الحرب على العراق... رسمت خطوطاً سريعة للتعبير عن حركة الناس واحساسهم... لا أعتقد أن أحداً فهم الحالة أو التعبير... وحدي تفاهمت مع اللوحة آنذاك".

§ وصـلات: