استشهاد مقاوم والاحتلال يقتل ضابطاً فرنسياً من مراقبي الهدنة
حزب الله يصرع ضابطاً إسرائيلياً ويجرح ثلاثة جنود
السفير -- (الإثنين، 10 كانون ثاني «يناير» 2005)
كامل جابر
الشهيد أحمد سلامة جنود من الطوارئ ينقلون جثة الضابط الفرنسي
اشتعلت الجبهة الحدودية جنوباً أمس، بعدما تمكنت المقاومة الاسلامية من قتل ضابط وجرح ثلاثة آخرين من وحدة “غولاني” الخاصة في جيش الاحتلال الاسرائيلي الذي أطلق نيران مدفعيته بشكل عشوائي، على القرى المحررة، ممّا أدّى إلى مقتل ضابط فرنسي برتبة رائد وجرح ضابط آخر سويدي يعملان في صفوف قوّات الطوارئ الدولية التي استنكرت هذا العمل، فيما وصفت مصادر في الأمم المتحدة مقتل الضابط الفرنسي بأنه من أخطر الأحداث التي وقعت منذ ترسيم “الخط الأزرق” وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب في شهر أيار 2000. 

واللافت في هذا التصعيد الأمني الأول من نوعه في العام الحالي في مزارع شبعا ومنطقتي حاصبيا ومرجعيون، أن غارات الطيران الحربي الإسرائيلي والطيران المروحي استهدفت للمرة الأولى منذ الانسحاب الإسرائيلي التخوم الجنوبية لبلدة الخيام، فضلاً عن استهداف بلدتي كفركلا وحولا برمايات رشاشة من المواقع الإسرائيلية المشرفة على المنطقة، والمروحيات الإسرائيلية التي حلقت في أجواء المنطقة أكثر من ساعتين مما أدى إلى استشهد المقاوم أحمد ابراهيم سلامة وجرح مواطن في بلدة كفرشوبا. 

وفي تفاصيل ما حدث، أنّ المقاومة الاسلامية فجّرت عبوة ناسفة على الطريق الترابية التي تربط مزارع شبعا المحتلة بالموقع الاسرائيلي المتقدم في رويسات العلم والمطلّ على بلدة كفرشوبا مما ادى الى تدمير سيارة عسكرية من نوع “هامر” وسقوط افراد طاقمها بين قتيل وجريح، وتدخلت أربع طائرات هليوكوبتر اسرائيلية كي تجلي المصابين من الموقع. 

وأصدرت المقاومة الاسلامية بياناً جاء فيه أنه “في اطار جهادها لتحرير ما بقي من الاراضي اللبنانية المحتلة في مزارع شبعا، هاجمت المقاومة الاسلامية دورية للعدو الصهيوني على طريق موقع زبدين. وفي التفاصيل أنّه تمام الحادية عشرة وخمسين دقيقة من ظهر اليوم الاحد (أمس) فجّر مجاهدو المقاومة الاسلامية عبوة ناسفة بآلية من نوع “هامر” مما ادى الى اصابتها بشكل مباشر”. 
وقال متحدث باسم الجيش الاسرائيلي لوكالة “فرانس برس” “ان الضابط برتبة ملازم وهو مساعد قائد فرقة مشاة غولاني الخاصة، قتل في انفجار شحنة فجرها “حزب الله” بينما كان عائدا الى موقع الجيش في القطاع”. 
 

قصف مدفعي

في غضون ذلك، فتحت المدفعية الاسرائيلية من عيار 120 و155 ملم نيرانها وقصفت مرتفعات كفرشوبا وتلال العرقوب (“السفير”) مركزة في قصفها على التلال الشرقية القريبة من كفرشوبا وعلى الطريق الترابية التي تربط البلدة ببركة “بعفائيل” وبوابة “حسنة”، كما طاول القصف الأحراج المحيطة بالموقعين الاسرائيليين في تلتي الرويسة والسماقة، وقد تصاعدت اعمدة الدخان من جراء القصف في اكثر من مكان. واطلقت القوات الاسرائيلية رشقات غزيرة من رشاشاتها الثقيلة باتجاه المناطق المحيطة بمواقعها، وسط حالة من الاستنفار عند النقاط الحدودية. وأطلقت من مواقعها في تلة العباد نيران رشاشاتها على اطراف كفركلا ومحيط حولا ومركبا، مما ادى الى شل حركة السير على الطريق التي قطعتها القوى الامنية حفاظا على سلامة السيارات والمارة، ولا سيما ان رمايات العدو ادت الى قطع الاسلاك الكهربائية فيما سقطت قذيفة على سطح مدرسة كفركلا. 
 

غارات

وكثّف الطيران المروحي الإسرائيلي تحليقه فوق سهلة الحولة ومستعمرات مسكاف عام والمطلة وكريات شمونة، فألقى بالونات حرارية. واستهدفت رمايات رشاشة إسرائيلية من موقعها في العبّاد أطراف بلدة حولا ومواقع “حزب الله” القريبة من العبّاد. ثم سقطت رمايات رشاشة مصدرها المروحيات الإسرائيلية في بلدة كفركلا. وشنّت طائرتان حربيتان إسرائيليتان غارة على تل الحمامص جنوبي بلدة الخيام وغربي بلدة الوزاني وقبالة مستعمرة المطلة، ملقية صاروخي جو أرض. كما أطلقت مروحية إسرائيلية صاروخاً على أطراف تل الحمامص. ثم كثف الطيران الحربي غاراته الوهمية في سماء المنطقة ملقياً عشرات البالونات الحرارية، ثم أغار على تل الحمامص، في المكان عينه، الذي يعتقد أنه نقطة مراقبة تابعة لحزب الله، ملقياً صاروخين. وأغار الطيران الحربي المعادي من نوع “اف 16” على احدى التلال القريبة من كفرشوبا الى الجنوب من البلدة وقصف المكان بأربعة صواريخ زنة الواحد منها 450 كيلوغراما، واسفر ذلك عن اصابة المواطن بالغ القادري (27 عاماً) بجروح في رأسه، نقل على اثرها الى البلدة لاسعافه، كما تحطم في الحي الشرقي من كفرشوبا زجاج النوافذ والابواب وتشظت جدران العديد من المنازل. 

كما سجل تحليق متواصل لطائرة استطلاع اسرائيلية من دون طيار من طراز “ام. ك” فوق منطقة مرجعيون والحدود الدولية. وسجلت بعد ذلك تحركات للقوات الاسرائيلية داخل مزارع شبعا المحتلة، ولوحظ ان العدو دفع بقوات مدرعة اضافية الى المزارع، واعلنت حال الاستنفار في صفوف قوات العدو على امتداد الحدود مع لبنان. 

وسجل تحليق مكثف للطيران الحربي الاسرائيلي فوق منطقة بنت جبيل طوال فترة ما بعد ظهر أمس، حيث حلقت اكثر من اربع طائرات حربية اسرائيلية في اجواء المنطقة على علو منخفض وقامت بطيران دائري طوال فترات تحليقها، كما لم يغب عدد من الطائرات الاستطلاعية عن اجواء المنطقة حيث قامت بطلعات فوق المنطقة في نفس الفترة. وقد سيطر الهدوء الحذر على الارض حيث غابت اي تحركات اسرائيلية على طول الحدود الممتدة بين بلدتي راميا وعيثرون في القطاعين الاوسط والشرقي. 

وصدر عن قيادة الجيش مديرية التوجيه بيان ذكرت فيه أن طائرة استطلاع اسرائيلية اخترقت الاجواء اللبنانية فوق منطقة الجنوب ثم عادت وغادرت باتجاه الاراضي المحتلة، كما اخترقت اربع طائرات حربية اسرائيلية الاجواء اللبنانية فوق منطقة الجنوب حيث جوبهت بالمضادات الارضية في منطقة صور ثم غادرت تباعا باتجاه الاراضي المحتلة. 

ونعى “حزب الله” الشهيد أحمد ابراهيم سلامة (راغب) الذي “ارتفع شهيداً أثناء المواجهات مع العدو الصهيوني في جنوب لبنان اليوم الأحد (أمس)، وهو من مواليد بلدة قعقعية الجسر في العام 1975، متأهل وله ولد واحد. التحق بصفوف المقاومة الاسلامية في العام 1994، وشارك في العديد من الدورات العسكرية والثقافية، وحائز تنويه الامين العام السيد حسن نصر الله عدة مرات”. ويشيع سلامة عند الساعة العاشرة والنصف من قبل ظهر اليوم في بلدته. 
 

مقتل الضابط الفرنسي

واستهدفت الاعتداءات الاسرائيلية سيارة تابعة لقوات الطوارئ الدولية التي تقوم وحداتها يوميا بدوريات عسكرية على طريق مزرعة بسطرا المحررة منذ اربعة اعوام، إذ اطلقت قوات الاحتلال من موقعي زبدين والرمتا نيران رشاشاتها على السيارة التي كانت ترفع علم الامم المتحدة، مما ادى الى مقتل الضابط الفرنسي الرائد جان لوي فاليه وإصابة رفيقه الرائد السويدي ميلكا دنيز بجروح. 

وقد اجرت قوات الطوارئ الدولية اتصالا بالقيادة العسكرية الاسرائيلية لوقف اطلاق النار على الدورية، لتتمكن من الانتقال الى المكان وإخلاء الضابط القتيل والجريح، حيث تولى فريق طبي من الكتيبة الهندية نقلهما في وقت لاحق من قرب مزرعة بسطرة الى مقرّ ضبّاط الهدنة في الخيام الواقع جنوبي معتقل الخيام، وما لبثت ان قامت مروحية دولية بنقل الضابط القتيل الى مستشفى الناقورة بحضور قائد الكتيبة الهندية الكولونيل تي سامبايا ورئيس المراقبين الدوليين. ولوحظ أن تايلندية برتبة ضابط من الفريق الفرنسي رافقت الجثمان، فيما لازم طبيب قوات الطوارئ الجريح السويدي الذي جلس في مقصورة الطائرة. 

وعلم أن دبابة إسرائيلية من موقع مغر زبدين أطلقت قذيفة مسمارية محرمة دولية باتجاه سيارة فريق المراقبين الدوليين التي كان فيها الضابطان ومترجم لبناني يدعى نهاد راشد من مرجعيون، بينما كانوا يراقبون عملية تبادل القصف من مكان يعتمده الفريق بشكل روتيني. 

واعلن الناطق باسم القوات الدولية ميلوش شتوتغر ان مراقباً فرنسياً من لجنة مراقبي الهدنة في لبنان قتل وجرح مراقب سويدي عندما كانا يقومان بأعمال الدورية جنوب كفرشوبا. واضاف: وفق التقارير الاولية فإن دوريتهما تعرضت للنار من الجانب الاسرائيلي للخط الازرق، وقد فتحت القوات الدولية تحقيقا في الحادثة. وقال: “هذا الحادث المأساوي كان قد سبقه هجوم على دورية اسرائيلية في مزارع شبعا جنوب الخط الازرق والذي اعلن حزب الله مسؤوليته عنه”. 

وكان شتدوغر قد أعلن في وقت سابق ان “اليونيفل” في مرحلة تقصي الحقائق بخصوص ما جرى يوم الجمعة على الخط الازرق في منطقة ميس الجبل قضاء مرجعيون حيث فتحت قوات الاحتلال الاسرائيلية نيران أسلحتها الثقيلة باتجاه الأراضي اللبنانية، مستهدفة مواطنين كانا يقومان بجمع الخردة في محاذاة الأسلاك الشائكة قرب “بوابة ميس” من الجهة اللبنانية في منطقة الطهرة؛ فأصابت سيارتهما التي يملكها ويقودها علي ضاهر مسعود، وهي من نوع “تويوتا فان” معدة للنقل، وإلى جانبه حسين دولاني.
 

قاووق

واجرى مسؤول منطقة الجنوب في “حزب الله” الشيخ نبيل قاووق اتصالا مع قائد الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان الان بيلغريني، وقدّم له التعازي بمصرع المراقب الدولي الذي قضى من جراء استهداف العدو الاسرائيلي لسيارة تابعة للامم المتحدة، واعتبر الشيخ قاووق “ان الجريمة الاسرائيلية تؤكد انتهاك العدو مجددا للقوانين والاعراف الدولية، وأنّ هذا الاعتداء هو تحد جديد تمارسه اسرائيل للمجتمع الدولي بأسره”. 
 

إسرائيل

وفي تل أبيب، اعتبرت العملية بمثابة “تذكير من “حزب الله” بوجوده في المناسبات الهامة وهذه المرة في يوم الانتخابات الفلسطينية”. وقالت محطات الاذاعة والتلفزة نقلا عن مراسلين عسكريين ان القافلة وقعت في كمين محكم ما ادى الى مقتل الضابط واصابة الجنود الثلاثة وان الجيش رد بقصف اوقع قتيلا فرنسيا يعمل ضابطا في قوة مراقبة الهدنة. واعلن الجيش الاسرائيلي اسفه لمقتل الضابط واعلن ان التحقيق يجري لمعرفة اسباب الخلل الذي اودى بحياته. وقال ديفيد سارانجا المتحدث باسم وزارة الخارجية الاسرائيلية ل”رويترز”: “لا نعرف مصدر النيران التي قتلته”، مضيفا ان اسرائيل ستحتج لدى الامم المتحدة ضد لبنان بسبب عملية “حزب الله”. 

وفي ما خص العملية، نقل عن ضباط كبار في الجيش الاسرائيلي انه لم يكن معلوما متى وكيف افلح رجال “حزب الله” في زرع العبوة. واعترف هؤلاء بأن منظومة الرصد العسكري والامني لم تلحظ تسلل رجال المقاومة وقيامهم بزرع العبوة كما لم تتوفر لجهات الاستخبارات انذارات حول العملية. واستخلص مراسل عسكري مما حصل: “رغم الهدوء فعندما ينوي “حزب الله” تنفيذ عملية فإن شيئا لا يقف في طريقه”. ونقل عن وزير الدفاع شاوول موفاز قوله ان الحزب ينوي تخريب الانتخابات الفلسطينية، وان “حزب الله” مسؤول بالارشاد والتمويل عن عملية وقعت قبل الانتخابات وأودت بحياة جندي في الضفة الغربية. كما قال المراسلون العسكريون نقلا عن ضباط في القيادة الشمالية “ان هناك اعتقادا بان ما حصل لن يتوقف عند هذا الحد، وإلا فإن “حزب الله” يكون مرة جديدة قد نجح في تحديد جدول الاعمال وشن عملية في الوقت الذي يراه مناسبا”. 

من جانبه، حمّل رئيس حزب العمل الاسرائيلي شيمون بيريز سوريا مسؤولية العملية وقال “انه حادث خطير جدا واستفزاز خطير واسرائيل تبدي الكثير من ضبط النفس. ان مسؤولية هذا الهجوم تقع على “حزب الله” ولبنان وسوريا”. واضاف بيريز الذي سيتسلم منصب نائب رئيس الحكومة الاسرائيلية الاسبوع المقبل “عليهم في “حزب الله” والحكومتين السورية واللبنانية ان يقرروا اذا كانوا يريدون ان يكونوا مثلث السلام او مثلث الاستفزازات والارهاب”.

§ وصـلات: