متمسك بالنير والسكة لأنهما أفضل للحرث
الحاج اسماعيل يعشق الأرض ويكره الجرّارات
المستقبل -- (الأربعاء، 12 كانون ثاني «يناير» 2005)
رأفت نعيم
الحاج اسماعيل وراء "نجيمة" و"عروس"
لا يختلف اثنان في أن التطور المتسارع في مختلف قطاعات الحياة ومرافقها، اجتاح في طريقه وسائل وطرائق بدائية في العمل، ولا سيما في القطاع الزراعي. لكن لا يزال كثير من المزارعين ولا سيما المسنون، يتمسك بالوسائل التقليدية في الزراعة وفي حراثة الأرض على الرغم من أن أسنان الجرارات ومماشطها الحديثة تستعرض عضلاتها في أراض محاذية لأراضيهم.

والأمر عند الحاج اسماعيل عيسى ابن بلدة القنيطرة (الزهراني) مسألة مبدأ. فهو يكره الجرارات وسيرتها، ويعشق الأرض ويعاملها كأنها واحدة من أبنائه، ويخاف على ترابها وجذوع أشجارها من قسوة الجرارات الزراعية وخشونتها.

واللافت أن الحاج اسماعيل يحرث ببقرتين أطلق عليهما إسمين "نجيمة" و"عروس" تحبباً، لأنه يعدهما المعيل الوحيد للعائلة، لأنهما تمدانه بالحليب ومشتقاته وبالعجول التي تلدانها، وتنوءان تحت ثقل نير المحراث التقليدي. لذلك فهو يعتني بهما ويأتي لهما بطبيب بيطري إذا ما أصيبتا بعارض. ويعلّق في رقبة كل منهما جرساً ليبقى على معرفة بالمكان الذي تذهبان إليه إذا ابتعدتا عن البيت.

ويتحكم الحاج اسماعيل بقيادة المحراث الخشب خلف البقرتين بواسطة المسّاس، وهو عصا طويلة تنتهي الى رأس ينغز به البقرة لتتحرك عندما يأمرها، ويوقظها ساعة يشاء، فيخاطبها بلغة خاصة بها، وكثيراً ما يسلي نفسه "فيرندح" المواويل ويتردد صدى صوته في أرجاء البلدة..

مع بزوغ فجر كل يوم خلال هذه المرحلة من السنة، يمضي الحاج اسماعيل الى أرضه أو الى حيث يطلب منه أن يحرث بالأجرة، جارّاً حماره وعلى متنه النير الذي يركّب على ظهر الدواب يتصل به عود من خشب ملتوٍ ينتهي الى سكة حديد تغرز في الأرض، ويضغط عليها بالكابوس، وهو مقبض كبير يمكنه من التحكم بالسكة.

ويُعرف الحاج اسماعيل أنه يكاد أن يكون الوحيد في بلدته القنيطرة في الزهراني، بل في المنطقة كلها، الذي لا يزال يعتمد الوسيلة البدائية في حرث الأرض. ويقول إنه أمسك بالمحراث التقليدي منذ أن كان في الثامنة ولا يزال وهو على عتبة السبعين. لا لأنه لا يملك ثمن شراء جرار زراعي وسكة للحراثة، وإنما لأنه يرى في هذه الطريقة المبتكرة خطراً على الأرض وعلى الرزق ولا سيما شجر الزيتون والأحماض التي تبقى جذوعها الضاربة في الأرض عرضة لأسنان الجرار الزراعي، بينما يبقى المحراث الخشب التقليدي أشد مرونة في يدي صاحبه الذي يستطيع التحكم به فلا يؤذي جذور الشجر. ويقول: "حتى لو عُرض عليّ أن أمتلك جراراً زراعياً، فلن أحرث الأرض إلا بالعود".

ويضيف: "تمتد مدة الحراثة عادة من مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر حتى أواخر آذار/ مارس. وأنا أعمل في أرضي، وفي أراض يطلبني أصحابها لأحرث لهم في محيط القنيطرة مثل المعمرية وعقتنيت وبنعفول. وأعمل كل يوم ست ساعات من السادسة صباحاً حتى الثانية عشرة ظهراً، وأتقاضى الأجرة اليومية وهي 50 ألف ليرة، ومعدل ما أحرثه في اليوم 3 دونمات (3000 متر مربع).

ويتابع: "تعلمت هذه المهنة من والدي منذ أن كنت في الثامنة وما زلت أعمل وأنا على أبواب السبعين، ولديّ ثمانية أولاد و22 حفيداً.. وواحد فقط من أبنائي أخذ عنّي هذه المهنة الشاقة".
§ وصـلات: