الباعة المتجولون في نيويورك
نصف مغتربين
السفير -- (الخميس، 13 كانون ثاني «يناير» 2005)
علي الصغير
يعمم اللبنانيون المقيمون فكرة غير صحيحة عن المغتربين، تقول بأنهم أناس ميسورون يجنون أموالهم بسهولة ويعيشون حياة مترفة. هذا القول يصح في بعض جوانبه، إلا انه غير شامل، فحياة عدد من المغتربين، تنقسم إلى نصفين يعيشنوها بين حضن الوطن البارد والتجول في أزقة الغربة المرة. 

فمهنة البائع الجوال وحامل “الشنطة” ليست حكرا على من ضاقت به سبل العيش في وطنه، بل تنتقل به إلى بلاد الاغتراب لتزيد من غربته ومن الخطر على حياته. 

في هذه الأيام يعود عدد كبير من هؤلاء الباعة المغتربين إلى قراهم، بسبب الشتاء القاسي الذي يحل على مدينة نيويورك في هذه الفترة؛ وهي المركز الرئيسي لتجارتهم المتواضعة، ضمن هجرة سنوية نصفية تتناقلهم ما بين لبنان وأميركا. 

يقول عاطف ضاهر، احد أولئك البائعين، “نعمل لفترة تتراوح بين خمسة وستة اشهر في السنة فقط، هي المدة التي يسمح بها الطقس، بينما يحل الشتاء في الفترة المتبقية، حيث تنخفض درجة الحرارة ويصبح معها التجول مستحيلا”. ويتابع “لذلك وتخفيفا للمصاريف من جهة ولرؤية عائلاتنا من جهة أخرى، فإننا نترك الشقق المستأجرة ونعود في هذه الفترة إلى وطننا”. 

يشرح فؤاد شري طريقة عيشهم قائلا: “يتفق عدد من الشباب مع بعضهم للسكن في شقة واحدة. ويتكفل واحد منهم يوميا بتحضير الطعام للجميع وتنظيف الشقة، اما غسيل الملابس فيتم نهار الأحد. ويتقاسم الجميع المصاريف العامة للشقة”. 

عن ظروف العمل يقول علي عفيف: “يمتد ميدان عملنا إلى أي مكان تقودنا إليه أقدامنا، مع ما تسمح به الظروف الأمنية، خاصة في الأحياء التي يقطنها السود، حيث ترتفع نسبة الجريمة، المرتفعة اصلا في نيويورك بشكل عام. لذلك تبقى أرواحنا على اكفنا طوال اليوم حتى نعود إلى البيت”. وعن ساعات العمل يقول عفيف أنها “تمتد إلى أكثر من 15 ساعة يوميا، تبدأ من الصباح الباكر وتنتهي عندما لا تعود أقدامنا قادرة على حملنا”. 

يطول حديث هؤلاء المغتربين عن المضايقات التي يتعرضون لها من الشرطة والأجهزة الأمنية هناك. وتتنوع بين عذابهم لتجديد إجازات العمل وصولا الى منعهم أحيانا من البيع في أماكن معينة، لأسباب لا يعرفونها قد ترتبط باليهود المتنفذين في تلك المدينة المالية؛ والى تعرضهم الدائم للاشتباه بهم خاصة بعد أحداث 11 أيلول. لذلك يعود هؤلاء المغتربون بشكل فصلي إلى قراهم، حيث تشهد هذه البلدات بعض النشاط، نتيجة ما يحمله المغتربون “الشتويون” من أموال يصرفونها في انتظار صيف جديد. ولا يخفي هؤلاء رغبتهم في العودة والاستقرار في بلادهم، خاصة أن ما يبذلونه من مجهود في سبيل عيشهم لا يدل على أنهم يعيشون حياة مترفة، إلا أن المردود الذي يحصلون عليه مقابل مجهودهم هو الفيصل في تحديد وجهة سيرهم، لتأمين مستقبل من يرتبطون بهم من أهل وأولاد. لذا يعرب اغلبهم عن أمله في إيجاد مورد دخل في وطنه يؤمن له كفافه، حتى لو كان الآمر يتطلب مجهودا اكبر.
§ وصـلات: