حرفة “الجلاّل” للزينة
بعد تراجع الطلب و”التهريب”
السفير -- (الخميس، 13 كانون ثاني «يناير» 2005)
كامل جابر
أشمر يصنع جلالاً
يدور أرباب بعض الحرف، التي كانت رائجة بامتياز، إلى مطلع العقد الأخير من القرن المنصرم، في فلك البحث عن بديل يعوّض مصادر معايشهم وعيالهم؛ بعدما توقفت هذه الحرف، أو تتجه نحو انقراض. وظل “الجليلاتي” صانع البردعة والجلال، إلى سنوات خلت يدبّر معيشته وقُوته مما تيسر؛ في وقت لم تتخل القرى، بعد، عن وسائل النقل البدائية والدواب المساعدة في الزراعة والحراثة وغيرها. أما في المنطقة الحدودية؛ ومع رواج التهريب على البغال، في زمن الاحتلال، فقد نال “الجليلاتي” قسطه من الشهرة و”الإبداع” في صناعة الجلال، “بأثمان وأسعار لم يكن يحلم بها؛ وقد لا تتكرر ثانية” بحسب “الجلاّل” حسين أشمر، من عديسة، الذي ورث الحرفة (المهنة) عن والده الذي تلقّاها بدوره من والده يوسف أشمر. 

لم يكن أشمر وحده الذي ورث “مجد” هذه الحرفة عن والده، بل إن أربعة أشقاء له عملوا فيها، إلى جانبه أو منفصلين. وهو بدأ يتعلمها يوم كان عمره سبع سنوات؛ وامتدت حتى سن الخامسة عشرة؛ ولأنه تابع دراسته وتوظف لاحقاً من عام 1965 وحتى مطلع الثمانينيات؛ “إذ أصبح الراتب لا يكفي لأعالة الأولاد، عدت إليها بما أحمله من ذكريات المصلحة. وتحولت إلى هواية استخدمت فيها فن الصناعة والابتكار، حتى ذاع صيتي ووصل اسمي إلى سوريا”. 

كانت صنعة “الجليلاتي” مهمة ومنتشرة، إذ أن معظم الأراضي الزراعية كانت من دون طرقات؛ والمزراعون يستخدمون الدواب في تنقلهم، “لكن معظمهم اليوم تخلى عنها؛ وبالتالي توقف عملنا”. ويضيف: “أيام التهريب على البغال في مرتفعات شبعا تراوح ثمن “الجلال” بين 250 ألف و300 ألف ليرة. وكانت تتراوح التكلفة ما بين مئة ألف ومئة وخمسين الفاً؛ في هذا الوقت ظل شقيقي الأصغر أديب يعمل بها؛ ولأنها تراجعت راح يعمل خارجها باليومية. اليوم أبيع الجلال بخمسين ألفاً، غير نوعية. أتعامل معها كتسلية، وتحتاج البردعة إلى عشرة أيام لتتم، بينما التكلفة تراجعت وصارت بين 15 ألف و20 ألف ليرة”. 

عن ذكريات الصنعة يقول: “كان المكاريون يحبون الجلال الخفيفة؛ جلال البغل معدله ثلاثين كيلوغراماً. طلب مني سعد الدين غياض من شبعا واحداً للبغل، شرط ألا يتجاوز 25 كيلوغراماً؛ وإذا زاد عن ذلك فلن يقبله؛ اشتريت ميزاناً لذلك ولما انتهيت منه بلغ وزنه 24 كيلوغراماً، فدفع لي زيادة 25 ألف ليرة وقبضت يومها 275 ألف ليرة. سقا الله تلك الأيام، ايام الشغل وليس أيام الاحتلال. كنا أربعة أشقاء نعمل بهذه الصنعة أنا وشقيقي الصغير هنا، وشقيق آخر في مشغرة، ورابع في الغازية. سيأتي الوقت ونتوقف جميعنا عن العمل”. 

أما عدة الشغل فتتألف من: “المسلّة” وهي من الفولاذ، تستورد من سوريا لأنها لا تلتوي، أصلها من بريطانيا. وقضيب حديدي للقش؛ و”الكف” وهو من نحاس يساعد في دفع المسلة؛ و”المدقّة” الخشبية؛ والمقصات وتنقسم نوعين: واحد للقش وآخر للخيطان. وورث أشمر مقصات من أيام جده، بعضها منذ أكثر من مئة عام. 

ومن العدّة كذلك، “القرن” الذي يستخدم لشدّ الخيطان؛ وهو قرن غزال له عقد. أما القش الذي تحشى به الجلال، فنوعان: قش قمح عادي للحشو من دون سبل؛ و”سعد” ينبت قرب مجاري المياه ومنها قرب الخيام؛ والبوط: وهو غالي الثمن يُشترى من عمّيق ومجدل عنجر في البقاع. 

يبلغ طول جلال البغل 120 سنتيمتراً وعرضه 150 سنتيمتراً؛ وجلال الحمار بين مئة سنتيمتر و120 سنتيمتراً؛ ويستخدم قياس البغل، عينه للحصان، إنما من دون ربطة الذيل. 

ويشير أشمر إلى أنّ “البغّالة تستعمل للجلال جلد البقر من الدباغات؛ ولبّاداً صوفياً من سوريا بعد قفل معمل زحلة. أما الوجه، فمن بساط بدّاوي أو “شق” بدّاوي ويبلغ ثمنه أحياناً أكثر من 25 ألف ليرة. وتستعمل للحمير حرامات وسجاد مستعمل، أو أكياس فراغات البنّ والفستق والحمص والسكّر وهو من “القنّب” (الخيش)؛ وكانت الخيطان مثلها، من القنب وأضحت من النايلون”. 

عمل أشمر أيام عزّ المهنة بجلالات البغال وتخلّى عن جلال الحمير “لأن الأولى أكثر ربحا”؛ وكان ينجز نحو عشرة جلال في الشهر، كان الربح نحو مليون ليرة في وقت كان الراتب نحو 500 ألف ليرة. وقد تخلّى عن الوظيفة بعدما بات الوقت لا يكفي لتلبية الطلبات. يقول: “اليوم، ربما نصنع واحداً أو اثنين في الشهر؛ وأيام القحط أصنع أشكالاً مصغرة عنها، يطلبها بعض سائقي السيارات لتزيين “تابلوهات” سياراتهم، أو هدايا “مزاح” لبعض من يخطئ أحياناً في القيادة أو يرتكب حوادث السير”.
§ وصـلات: