القنطرة بين جرح الاحتلال وتراكم الإهمال “الوطني”
مهنية تكلفت مليارات “يقطنها” 42 تلميذاً و20 أستاذاً
السفير -- (الجمعة، 14 كانون ثاني «يناير» 2005)
كامل جابر
مهنية القنطرة
مدرسة القنطرة “الفخمة”
لم يشفع الصيت الشهير في حكاية التحرير الذي شكّلت القنطرة في قضاء مرجعيون بوابته الأولى في الثاني والعشرين من أيار عام 2000، في دمل جرحها الذي خلّفه الاحتلال الإسرائيلي في تدمير منازلها وتهجير أهلها طوال ربع قرن، بإعادة بناء كلّ ما تهدّم وفي عودة ميمونة لأهلها الذين شتتتهم الغربة في أكثر من مكان ومطرح. وها هم بعد نحو خمس سنوات من التحرير ما زالوا ينتظرون دفع التعويضات الكاملة عن بيوتهم المدمّرة، أو عن البيوت التي بنوها من مالهم الخاص، أسوة بغيرهم من أصحاب المنازل في العديد من القرى التي تمّ التعويض على أهلها، أصلاً وفرعاً، فضلاً عن عدم السماح بالبناء في أراض يملكونها منذ عشرات السنين بالعرف والعلم والخبر الصادر عن المختار، بحجة بعض النزاعات على الملكية. 

وإذ بالأهالي المنتظرين الفرج القادم من الدولة، من الغرب الذي كان معبر التحرير، يتأخر هذا الفرج خمس سنوات عبر طريق لم تعد طريقاً، بسبب رداءتها وحفرها، فيما تتحول الطريق الشرقية الواصلة بينهم وبين جارتهم الطيبة ثم بلدات قضاء مرجعيون، إلى ما يشبه جحيم الطرقات بحفرها وخنادقها، مسافة سبعة كيلومترات، يجتازها يومياً نحو 110 تلاميذ ذهاباً وإياباً بحثاً عن المدرسة بمختلف مراحلها، من الروضة وحتى المتوسط، إذ لا مدرسة “تؤويهم” في البلدة التي بنى فيها مجلس الجنوب مبنى ضخماً من طابقين وأرضي، يعلوه القرميد، كلف مليارات الليرات، تحول مؤخراً لمهنية رسمية لنحو 42 تلميذاً، منهم 13 تلميذاً من القنطرة، يتناوب على تدريسهم ما لا يقل عن عشرين معلماً في قسمي الكهرباء والمعلوماتية، فيما “لم تجد كل محاولات الأهالي والبلدية واتصالاتهم آذاناً صاغية في فتح قسم منها لتلامذة البلدة” بحسب رئيس البلدية حسين حجازي الذي قال ل”السفير”: “قمنا بالعديد من الاتصالات بغية توفير النفقات على مئة وعشرة تلاميذ ينتقلون يومياً إلى الطيبة ليتعلموا في مختلف المراحل ولم نوفق. أجرينا اتصالات مع وزير التربية السابق، قالوا لا يوجد مدير، أمّنا هذا الأمر؛ تحججوا بالتجهيزات فقلنا نحن جاهزون لها؛ ثم قالوا لا يصح مدخل واحد للبناء وملعب وحيد، في استيعاب التلامذة والمهنيين، قلنا هناك حلّ لها؛ ثم كانت الحجة الأخيرة بأنه لا يوجد عدد كاف من التلامذة لمختلف الشعب؛ بالله ما هذه المفارقة؟!”. 

ويشير حجازي إلى أن “مجلس الجنوب بنى مدرسة تشكّل عشرة بالمئة من عوامل عودة الأهالي، فيما هناك 90 بالمئة من أهم أسباب العودة، البيوت التي يجب أن يعود إليها الأهالي وهي غير موجودة ولم تُعط الأهمية الأولى. لو أمّنوا التعويضات الكافية للأهالي وبنوا المدرسة لكان الأمر في غاية الروعة والاهتمام، لكن، لا يمكن العيش من دون طعام، فكيف بالإقامة من دون سكن؟”. 

ويقول مصطفى صبرا: “توقعنا بعد افتتاح رئيس مجلس النواب نبيه برّي المبنى المدرسي في القنطرة، الذي كلّف نحو ملياري ليرة، أكثر أو أقل بقليل (يتردد على لسان العديد من أبناء البلدة أن كلفة بناء مشروع المدرسة بلغت نحو ثلاثة مليارات ونصف المليار) وإذ بعد ثلاث سنوات من بنائها تتحول لمدرسة مهنية لنحو 42 تلميذاً لا يشكّل أبناء البلدة ثلثهم، فيما يتوجه تلامذة البلدة إلى الطيبة متكبّدين أعباء الانتقال اليومي على طريق تشبه كل شيء إلا الطرقات، إذ إن الحفر والخنادق، تتواصل ولا تنتهي، بالرغم من كل الاتصالات والمراجعات التي كان آخرها الأسبوع الفائت لوزير الأشغال العامة ياسين جابر في النبطية، إذ إن الوزراء لا يأتون إلى البلدة، التي وعد بمعالجتها في الربيع المقبل، فهل يجوز بعد خمس سنوات من التحرير الذي كانت القنطرة فاتحته أن تنتظر “زفت” الدولة طوال هذه السنوات؟”. 

يقيم حالياً في القنطرة نحو 500 نسمة من أصل أكثر من ثلاثة آلاف، تنتشر وحدات سكنهم في مختلف أحيائها، فيما يغيب أصحاب بيوت “الضيعة” القديمة، المدمّر معظمها، ولم يعد بناؤها بسبب عدم دفع التعويضات التي كانت تنتظر إزالة الألغام، الأمر الذي تمّ ولم تستكمل التعويضات بتأكيد أكثر من مصدر في البلدة. أما المهنية فيؤكد تلامذتها أنها جهّزت بأربعة أجهزة كمبيوتر “فقط لا غير” لفرع المعلوماتية، من صندوق المدرسة، ولا تستخدم فيها وسائل تدفئة، في منطقة ترتفع أكثر من 550 متراً عن سطح البحر. وتغيب عن البلدة كذلك، “الروح” الاقتصادية وحركتها بسبب اجتماع هذه العوامل، “غير المشجعة” مثلما يُفتقد المستوصف، ويضطر بعضهم في الحالات المرضية إلى قطع مسافة تتجاوز العشرين كيلومتراً نحو أقرب المستشفيات في النبطية، أو في مرجعيون.
§ وصـلات: