رحيل “أبو فهد”
آخر شهود مجزرة حولا
السفير -- (الأربعاء، 2 شباط «فبراير» 2005)
كامل جابر
أبو فهد
للمرة الأولى يغادر “ابو فهد” حسين محمد ظاهر رزق كوفيته التي لم تغادره هي يوماً، إذ لازمته كما ذكرى المجزرة النكراء في حولا (مرجعيون). ربما أراد أن يستريح بعدما تعب من المرض، ومن “الإلحاح” في القصّ، لعل الصوت يلقى صداه، وهو يروي حكاية المجزرة وتفاصيلها، المرة بعد الألف، بعد الألفين، رواها بحجم العتب الذي كان يحمله على الدولة التي لم تشارك في الأمس القريب “بأسبوع المجزرة” الذي نظمته حولا وبلديتها وفاعلياتها؛ ولأن حولا يتيمة من حضن الدولة ورعايتها، حتى في تحصيل حقهم “التاريخي” و”الإنساني” عن “مفاعيل” المجزرة، مشى أهلها مجدداً، أمس، بحزن ويتم آخر في مواراة آخر الشهداء الشاهدين على المجزرة “أبو فهد” بعد معاناة مع المرض والطبابة التي كان أولى بالدولة أن تتحملها، بدل عناء العائلة في البحث عن المستشفى والعلاج والدواء؛ وأي مستشفى وأي علاج؟ 

وظل أبناء حولا يسترشدون قبل أن تأخذ العلّة العضال مداها في جسد أبي فهد، بذكرى المجزرة كما يرويها الناجي الوحيد منها، بتفاصيلها وليس كما يرويها “التاريخ” اللبناني، بل من فِم الناقل للرواية، الذي هو من “اهل البيت” المدمّر على ابنائه، كما شاهدها هو، مثلما شاهد الأسماء تهوي من حوله تحت سيل الرصاص الذي فتك بالأجساد اليانعة والشائخة على حدّ سواء. قصدته وهو على أبواب الكلل من الحديث على المجزرة، فقال: “الدولة منذ المجزرة وحتى اليوم، لم تسألنا عما جرى في بلدتنا. نحكي عن المجزرة لبعضنا البعض، ولم تسألنا الدولة حتى نحكي لها تفصيل ما جرى في ذلك اليوم المشؤوم في حولا، من زمن بعيد هذا الكلام، فربما لا أسم لحولا عند الدولة!”. 

ويقول أبو فهد: “حكيت كل تفاصيل المجزرة حتى غدت رواية، وكل الناس صارت حافظتها، وستظل حديث الناس حتى تفنى الدنيا، وستبقى الاجيال تتذكرها. لو أن هناك دولة وحكومة تحفظ للجنوبيين نضالهم، كان يجب أن أحصل على راتب منها طول عمري، الحمد لله لم نر منها شيئاً، حتى انها لم تطببني يوم أصبت ونجوت، أخذوني لعند الطبيب سعدالله الخليل في صور، شلّي (انتزع) الرصاصة من يدي وقال: خذها لسيدك أحمد بيك (الأسعد)، لكن الرصاصة ضاعت ولم يحصل عليها أحمد بك، ربما احتفظ بها الطبيب للذكرى، لكنها مثل البلوطة”. 

ويعتبر رزق أن “الله وحده هو الذي أنقذني، وليس بمرجلتي، الله موجود، أسقط فوقي خشبة بقيت طوال النهار “خابط” تحتها، حتى تمكنت من سحب نفسي وخرجت، ثم تهت، برغم كل “القواص” الذي دار علي من الضيعة، من الوعر، ومن هون ومن هون، عند مغيب الشمس، وقلت لن أموت، إلى أن “قفّيت” نحو الشمال، وتواريت عن أنظارهم، وأرسل لي الله الحاج يوسف حمود (الله يرحمو) حملني على ظهره إلى خارج البلدة وراح بهالليل، دبّ الصوت على أبي في المجدل (مجدل سلم) المتأهل من خمس نساء وليس له غيري، ثم جرى ما جرى. مجزرة حولا، تشبه مجزرة قانا، وحولا الصامدة لم يتغير بها شيء، عناوين المجزرة فيها هي هي، أتت إسرائيل وحكمتنا مباشرة، و”ما يسترجي الواحد منا يفتح نيعو ويحكي”، هذه إسرائيل”. 

وفي رواية سابقة ل”السفير” ذكر حسين محمد ظاهر رزق بعض تفاصيل مجزرة حولا، فقال: “في ذلك اليوم المشؤوم، ظننت مع كثرة من أبناء البلدة أن الداخلين إلى بلدتنا من شمالها هم من “جيش الإنقاذ” الذي خلف في عصابات “الهاغاناه” خسائر فادحة قرب “العباد”، ولأننا كنا ننتظرهم بفارغ الصبر، خصوصاً وان البلدة كانت تعيش عز انتصارها للقضية الفلسطينية وتدرك خطر التوسع الصهيوني، ركضنا صوبهم، فعدنا أمامهم والبنادق في ظهورنا، ليجمعونا بعدها في الساحة وقرب “البركة” وقسمونا فرقاً ثلاثة، أنا ورفاقي أخذونا إلى بيت فارس حسين مصطفى، بعد نحو عشر دقائق أتى أحدهم وقال: “ديروا وجوهكم صوب الحيط، ورشنا. كنا 18 شاباً، أصبت في فخذي ثم بيدي ووقعت مع الجميع على الأرض. بعدما ذهبوا فتحت عيني ولم أر غير الظلمة. بعد قليل “طبقت الأوضة (الغرفة) علينا فجروها ونزل علي جسر خشبي، ولما استفقت وجدت، إلى جانبي، محمد الشيخ عبد سليمان، ساعدني وساعدته، كان هو الآخر مصاباً، وبصعوبة كبيرة استطعنا الهروب من الرصاص الذي أطلق علينا في أكثر من مكان وكرم، حتى وصلنا إلى خراج البلدة، ومنه نقلنا إلى المستشفى حيث استشهد زميلي متأثراً بجراحه، وعلمت أن الإسرائيليين قتلوا نحو سبعين مواطناً”. 

أبو فهد شيع أمس في جبانة شهداء حولا ، في المقبرة الجماعية التي تضم رفات نحو سبعين من شهدائها صفّتهم عصابات “الهاغانا” بعد تسللها إلى البلدة فجر يوم 31/10/1948. 
 

المجزرة 

هاجم العدو الإسرائيلي بلدة حولا فجر 31/10/1948، بقيادة مناحيم بيغن على رأس فرقة من “الهاغانا” قامت باعتقال جميع من صادفته في طريقها، رجالاً ونساءً، ثم قامت لاحقاً بإطلاق سراح النسوة وعمدت إلى إعدام الرجال والمسنين بتدمير المنازل التي جمعتهم فيها، فوق رؤوسهم أو رميهم بالرصاص. وقد بلغوا أكثر من ستين شهيداً، أو سبعين، دفنوا في قبور جماعية حيث قتلوا، ثم نقلت جثثهم إلى مقبرة خصصت لها يطلق عليها اليوم اسم “تربة الشهداء”. وتسببت المجزرة بنزوح معظم الأهالي باتجاه بيروت حيث أقامت لهم الدولة بيوتاً من صفيح في مخيم ضبيه مكثوا فيها نحو ستة أشهر، ثم عادوا إلى حولا في أوائل أيار العام 1949، بعد فترة من توقيع اتفاق الهدنة بين لبنان وإسرائيل.

§ وصـلات: