قراءة لبلقيس حوماني وحنان الشيخ وعلوية صبح
المناخ الجنوبي في روايات ثلاث
السفير -- (الخميس، 3 شباط «فبراير» 2005)
قاسم قاسم
بين حنان الشيخ في آخر رواية لها، (حكايتي شرح يطول)، و(مريم الحكايا) لعلوية صبح، و(حي اللجا) ل بلقيس حوماني، المناخ الجنوبي واحد، بينما الروي يختلف بين روائية واخرى. 

بلقيس حوماني الصامتة، الغائبة، رمت (حي اللجا) بين يدي القارئ، وغادرت الى اين؟ في حين حطّ اهلها رحالهم في (حي اللجا)، بعد نزوحهم بسبب العوز والفقر ولقمة العيش الى منطقة لا كهرباء فيها، حي كان خارج المدينة، وقريب من المدينة مكان العمل. 

بلقيس حوماني صوّرت بدقة متناهية، أحوال أهلها، ورصدت العادات والتقاليد بدهشة، وأدخلت القارئ معها في تلك المعاناة، وجعلته شاهداً، كما ارادت ان تكون الرواية شاهدا على احداث العائلة وانفلاشها في الحي المذكور. 

بينما تفاعلت علوية صبح مع (مريم الحكايا)، وقدمت من خلال شخصياتها، التحول الاجتماعي الذي رافقهم، لم تكن رواية ذاتية، او سيرة للمؤلفة، انها عالم تداخلت فيه الاقدار مع العادات والتقاليد، عالم قاسٍ موحش، مستهلِك للمرأة. تعاملت علوية صبح مع الوقائع بجرأة الادب، فكشفت عن وجع المرأة، وبالتالي إحساسها بإطار مرافق للتحول الذي رسمت خيطه من اول الرواية نزوحاً الى اول محطة في بيروت. 

وما تختلف به عن بلقيس حوماني، انها استطاعت ان تقدم ملحمة اجتماعية عبر شخصياتها المتعددة. 

ولا تبدو حنان الشيخ بعيدة عن بلقيس حوماني، لقد حكت بابتكار وتخيّل عن شخصية عانت طلاق زوجها في القرية، ولما ضاقت بها سبل الحياة حملت اولادها الى المدينة، وهنا تبدو المفارقة واضحة عند ابنتها الصغيرة التي بدأت تتفتح كجسد وروح على حياة جديدة من خلال فيلم الوردة البيضاء، التي حاولت أن تنشر حياتها على منوال بطلة الفيلم، او هكذا خيّل لها، وتتوالى الأحداث، من فتاة صغيرة إلى زواج قسري، الى حب وزواج بعد طلاق الى محمد، مروراً بقفشات جنوبية متنوّعة، بينما مكان الهجرة هو خندق الغميق، حيث دلّت ايضا على الزمان حين تمّ اعتقال رؤساء البلد المطالبين بالاستقلال. 

حكاية طفلة، تكاد تحسس العلاقة البريئة مع الطبيعة الجنوبية، حتى وجدت في دار السينما تفتحاً آخر، عشقته، حتى أنها عاشته واقعاً. حنان الشيخ، تروي من خلال الطفلة، نموذجاً كان سائداً في بيروت، أو ربما أرادت أن تدلّل على السائد فيها في تلك الفترة الزمنية. 
 

العمل الروائي 

ربما أرادت حنان الشيخ، أن تقدّم الرواية بشكل محايد وان تفاعلت مع الشخصية الرئيسية وأمدّتها بالصور والوصف والتفاصيل والحنان أيضاً، فبدت نبض الرواية ونسيجها، ومع ذلك جاء الروي مشغولاً كرواية، اي كان همها واضحاً من البداية فلم تترك للقارئ فسحة التأمل، كانت تقبض على كل شاردة وواردة، فالروي في الرواية، ابتعد قليلاً عن الدراما على الرغم من عبقها بأجواء درامية شديدة التوتر، الا أن النبض جاء قليلاً في بعض المقاطع، بينما الحرارة تشتعل في مقاطع أخرى دخول السينما، العلاقة مع محمد، الهروب من السطح، هذه اللهفة مدهشة، لكنها وحيدة احياناً بالنظر الى علاقتها بباقي العائلة. ربما لم تدرك بعد إحساسها بالحياة، او ربما تعرّفت على إحساسها من خلال الفيلم. اشارت حنان الشيخ مرارا الى ذلك، لقد أيقظت مشاعر الفتاة نحو ذاتها وهي الضائعة وسط العائلة، قدرها انها وقعت في مصيدة العادات والتقاليد لكنها أفلتت وبين ذراعي محمد تحرّرت.

ولا تبدو حنان الشيخ بعيدة عن بلقيس حوماني، ولكنها بعيدة عن علوية صبح في بوح شخصياتها وعالمهم الغريب وغرابته، تلك الصور عن العادات في الزواج، وكيف أن الحب كان مراً وحلواً، وكم حاولت الروائية علوية صبح أن تفضح شرقية المجتمع الذي ينحر الفتاة في ظلامية مرّة، لقد عبرت الى داخل الانسان في تلك الفترة. هي صرخة موجهة عن مجتمع عانى نصفه وقاحة الجهل والتخلّف. 

بينما تمسّكت بلقيس حوماني بالوجه البريء للشخصيات، وعلى الرغم من رسمها لهم ودخولها الى عالمهم ومرارته، قدّمت لوحة اجتماعية شيقة بوصفها. ولجأت حنان الشيخ الى السيرة لتروي حكاية طفلة، في حين ابتعدت علوية صبح عن السيرة لتؤلف عالماً، لتبتكر مجتمعاً من خلاله تكشف وتواكب تحوّلاته وتبيّن شخصياته.

§ وصـلات: