ابرهيم باز ابن بنت جبيل
يتألّق باحثاً ومؤرّخاً في بلاد الأمازون
النهار -- (الأحد، 13 شباط «فبراير» 2005)
د. شارل رزق الله
في ولاية الأمازون البرازيلية طاقات لبنانية يجهلها أبناء الوطن. آباء هاجروا قبل أكثر من مئة سنة في ظروف معيشية صعبة وأحوال سياسية مضطربة، متحدّين مشقّات الغربة ووحشتها، أملا في تأسيس مستقبل ضاع في بلادهم. ومن الذين لمعوا ابرهيم باز، الذي يعدّ من أبرز الناشطين الثقافيين في جنوب لبنان. 

هاجر عقيل أيوب باز، ابن بنت جبيل، في اوائل القرن العشرين، كمعظم المهاجرين اللبنانيين الى القارة الاميركية. ولما وصل الى البرازيل توجّه الى ولاية الامازون حيث تنقل في أرجائها الواسعة ردحاً من الزمن، قبل ان يستقر نهائياً في عاصمتها مناوس. 

وصل عقيل الى ديار الغربة وهو دون العشرين من عمره، فتزوج في سن مبكرة من برازيلية تدعى جنديرا سينا، رغم جهله لغة البلاد وعادات ابنائها وتقاليدهم. لكنه، وكجميع المهاجرين اللبنانيين، ما لبث ان تأقلم سريعاً في الارض التي اختارها للعيش فيها. 

حينذاك كانت ولاية الامازون تعيش مرحلة ركود اقتصادي سببه تراجع تجارة الكاوتشوك التي كانت مزدهرة سابقاً. غير أن عقيل باز أقام علاقات صداقة مع بعض المهاجرين اللبنانيين مما سمح له بتجاوز الصعاب ليبدأ كفاحه المضني بائع "كشّة" سعياً وراء حياة أفضل. تقدم تدريجاً في عمله حتى صار يتاجر عبر الأنهر بواسطة مركب يشحنه بكل انواع البضائع التي كانت تلاقي رواجاً في مناطق الامازون الداخلية. ولم يطل الأمر حتى سمحت له عائداته بفتح محل تجاري في مناوس. 

رزق عقيل بأربعة اولاد: نيلو وأمين وابرهيم وعلي. 

يقول ابنه ابرهيم: "ولدت عام 1949 في عائلة متواضعة، وانطلقت الى العمل باكراً لمساعدة والدي في إعالة العائلة ولاسيما إثر اصابته بمرض عضال أقعده عن العمل. بدأت في سن الرابعة عشرة كبائع كشة وبائع صحف وعامل في المؤسسات التجارية وسائق تاكسي. ثم انتقلت الى العمل في بيع الادوية وترويجها، وبعدما انضمّ إليّ إخوتي أسسنا شركة في هذا المجال". 

ويضيف: "رغم الصعوبات، كنت أتابع دروسي في مدارس مناوس حيث حصّلت علوماً عالية. كنت أهوى التاريخ منذ حداثتي، لذلك كنت على اطلاع دائم على كل الموضوعات والاحداث من خلال المطالعة والابحاث، مما ساعدني في تكوين شخصيتي الثقافية والفكرية. اما في النّظم، فتبوأت عام 1996 المركز الأول في مباراة شعرية أقيمت على صعيد البرازيل، على قصيدتي "حزن القمر". 

بعد هذا النجاح عملت في جريدة "A Noticia" و"Jornal do Comércio"، وكنت أنشر يومياً مواد في التاريخ. وساهمت عند ترؤسي إحدى الجمعيات في بناء مدرسة "Rodolpho Valle" التي تضم اليوم اكثر من 2500 طالب وطالبة. وبدعوة من مدير الثقافة الأمازوني عملت مساعداً لمركز الثقافة "Palلcio Rio Negro" مدة سنتين، انتقلت بعدها لادارة القسم الثقافي في مؤسسة الـ"Rede Amazônica" التي يملكها ويديرها الصحافي فيليب ضو، فوضعت برنامج "Literatura em Foco" بدأ بثه قبل أربع سنوات ويساهم في ترويج الأدب الامازوني والتعريف به، كما قمت بوضع برنامج ثقافي على شبكة الانترنت على عنوان مؤسسة الـ"Rede Amazônica" نفسها". 

هكذا، ملأ ابرهيم باز حياته بسلسلة من الاعمال الريّادية، فشارك في الكثير من النشاطات الثقافية في ولاية الامازون، منها تأسيس "جمعية الكتّاب في الأمازون"، ويشغل مركز المدير فيها. وهو عضو في هيئات ومؤسسات عدة منها: مؤسسة الجغرافيا والتاريخ الامازونية التي تولى رئاستها، "اكاديمية التاريخ الامازوني" وترأسها لفترتين، "الاكاديمية الادبية والفنية والعلوم الامازونية"، "الجمعية الوطنية للكتّاب" في العاصمة برازيليا. كذلك هو عضو في مؤسسات اخرى في سان باولو وبرازيليا والارجنتين. حاز أوسمة وتنويهات مختلفة نظراً لنشاطاته في مختلف المجالات الثقافية. 

أسس ابرهيم باز بعد جهد كبير أربعة متاحف في مناوس هي: "Rubens Samuel Benzecry" 1991، "Fernando Ferrira Da Cruz" 1997، "Ivan Ferrira Valent" 2000-، "Rede Amazônica" 2002. والّف 12 كتاباً تناولت تاريخ شخصيات بارزة في المجتمع الامازوني ونشاطاتها، ومؤسسات قامت بنشاطات مميزة في المنطقة الامازونية. ومن مؤلفاته: "Alvaro Maia" ذاكرة شاعر". و"Mirando Corrêa تاريخ وذاكرة و"Historia Do Amazonas"، ويعمل حالياً على نشر كتابين في البرتغال. 

يقول السيناتور الأمازوني برناردو كابرال: "ان ما يميز كتابات ابرهيم باز ليس محتواها فحسب بل مقدرة الكاتب على جعل القارىء مشدوداً ومتعلقاً في العمق. يتمتع بعمله لأنه يملك طريقة خاصة في التعبير وشرح الامور". 

ويقول جاك مناسا الذي تولى ترجمة المعلومات والحوار مع ابرهيم باز: "تعرّفت اليه عام 1984 في منزل أقربائي في مناوس الذين تربطهم به صداقة قديمة. لفتني فيه حماسه وميله الى البحث في الأمور التاريخية. وشاءت الظروف ان اتابع بداية نشاطاته الثقافية في اوائل التسعينات من خلال افتتاحيات المتاحف وانطلاقات كتبه. وقد تميز ابرهيم باز في مناوس بأنه تطرّق الى مواضيع لم تلفت انظار أحد قبله رغم أهميتها. فهو يعمل جاهداً لإبراز جزء مهم من تاريخ الامازون ومناوس إن في كتبه أو في مقالاته او من خلال المتاحف التي أنشأها مما أثار أعجاب الجميع هناك. وهكذا نفتخر نحن اللبنانيين بأن يكون أحد المتحدرين من بلاد الارز هو الذي يبرز ويوثق وينشر ويعرض نتاج كبار مفكري الامازون وتاريخها المتشعب". 

ابرهيم باز وجه من الوجوه الثقافية التي تألّقت في بلاد الاغتراب، فتركت أثراً في المجالات الثقافية في البرازيل والبلدان الناطقة باللغة البرتغالية، فالى متى سنظل نتجاهل طاقاتنا الاغترابية؟ 
§ وصـلات: