عمال بنت جبيل في عيدهم
يعيشون من دون عمل
السفير -- (الجمعة، 6 أيار «مايو» 2005)
علي الصغير
يحل عيد العمال، منذ خمس سنوات، على عمال بنت جبيل بالتزامن مع أيام التحرير، وإذا كان ذلك مجرد صدفة إلا أن تأثيره على حياة ومعيشة أهالي المنطقة بشكل أو بآخر لا يخلو من الشبه. فالعمال منذ ما بعد التحرير ينتظرون من الدولة ومؤسساتها المبادرة إلى خلق فرص عمل جديدة والتوجه بمؤسساتها إلى هذه المنطقة لرفع مستوى معيشتهم على الأقل من أجل إيجاد بدائل عن الأعمال التي خسروها والتي كانت متوافرة إبان فترة الاحتلال. 
 

أشغال قليلة 

يعد قضاء بنت جبيل من أفقر أقضية لبنان وأقلها نمواً. وتتركز الأعمال التي يمارسها المقيمون في القطاع الزراعي، حيث أن أكثر من 50 بالمئة منهم يعتمدون بشكل كلي أو جزئي على هذا القطاع وخاصة زراعة التبغ التي يعمل فيها حوالى عشرة آلاف عامل، فيما يعمل آلاف آخرون في الزراعات الموسمية كالزيتون والقمح والشمام وبعض الخضار. يقول مصطفى حجازي الذي يعمل مياوماً في أي مهنة تعرض عليه زراعية كانت أو خدماتية “ان السعي وراء لقمة العيش أصبح صعباً، وفيما الحالة تزداد سوء يوماً بعد يوم، فإن الحاجات المعيشية الضرورية تزداد أيضا”، ولا ينسى حجازي في النهاية أن يرمي حمله على الله آملا أن يأتيه فرج من السماء. 

أما باقي القطاعات فهي على قدر الحاجة لكل ضيعة، اذ ان القطاع التجاري، حيث تتركز الأسواق الرئيسية في بنت جبيل، رميش، عيتا الشعب وشقراء، شهد انخفاضاً كبيراً في حركته بعيد التحرير، بينما يكاد قطاعا السياحة والصناعة أن يكونا غائبين تماما عن هذه المنطقة إلا من بعض المطاعم المتفرقة وبعض الحرف الصغيرة المنتشرة. ويكشف عدد المسجلين في مركز ضمان بنت جبيل الذين لا يتجاوزون 1500 مضمون مدى محدودية انتشار الوظيفة في المنطقة، علما أن أعداداً لا بأس بها من هؤلاء المضمونين هم من أصحاب السيارات العمومية والمخاتير. 

وللاطفال نصيبهم ايضا من هذه المرارة، حيث ان نسبة كبيرة من عمال التبغ هم ممن دون الرابعة عشرة (30 بالمئة) وهم في الغالب يعملون بصورة مجانية أو شبه مجانية، ويتمنى علي بزي ابن الحادية عشرة أن يعود الى مدرسته التي تركها منذ سنتين حيث يعمل حاليا في الميكانيك بأجر يبلغ عشرة آلاف ليرة لبنانية في الاسبوع، وهو يشتكي من سوء معاملة معلمه له. 
 

بمرارة... كان للاحتلال فوائده 

على أن الاحتلال شكل في إحدى مراحله سبباً لمصدر دخل عدد كبير من العمال إن عبر العمل مباشرة داخل الأراضي المحتلة أو مع قوات الطوارئ الدولية التي كانت منتشرة في المنطقة والتي أوجدت حركة تجارية أيضا أو عبر مداخيل مختلفة من تبادل سلع وخدمات، وقد تجاوز عدد من عمل مع تلك القوات ألف شخص تميزوا بارتفاع أجورهم التي ساهمت الى حد كبير بتحسين مستوى معيشتهم. 

يقول أحد العمال الذين عملوا داخل إسرائيل إبان فترة الاحتلال ان “عددهم كان يتأرجح بين ثلاثة وأربعة آلاف عامل، كان معظمهم يدخلون يومياً إلى داخل الحدود، وكان هذا العدد يزيد أو ينقص بحسب مواسم العمل، وقد تنوعت الأعمال التي كانوا يقومون بها بين زراعية وإدارية وحرفية أو صناعية”، ويضيف هذا الجنوبي العاطل عن العمل حاليا “أن الأجور كانت تتراوح بين 350 و 700 دولار أميركي شهريا”، إلا انه يستطرد أن معظم من عملوا داخل إسرائيل اضطرتهم الظروف الصعبة يومها لذلك وهم الآن بمعظمهم أيضا عاطلون عن العمل. 

إن خسارة هؤلاء لأعمالهم ألحق أضراراً مباشرة بالقطاعات التجارية لم تستطع ان تعوضها الأعداد القليلة من أهالي المنطقة الذين عادوا للسكن في قراهم بعد التحرير، حتى ان سوق بنت جبيل المعروف بسوق الخميس كان يعمل يومين في الأسبوع نهار الخميس لأهالي المنطقة ونهار السبت وهو الإجازة الأسبوعية للعمال الذين كانوا يعملون في إسرائيل. لكن أحداً لم يظهر أسفه على رحيل تلك الأيام إلا أنهم يجاهرون بشعورهم بتقصير الدولة تجاههم. 

لذلك تبقى الكلمة الأخيرة للقمة العيش التي ما تنفك تركض أمام العامل فيما هو في سعي دائم لإدراكها وهو يعلم أن هذا السعي في ظل الوضع الراهن كمن يسبح ضد التيار.

§ وصـلات: