خمس سنوات على الانسحاب الإسرائيلي من لبنان
اللّحديون لا يزالون يحلمون بالعودة
المستقبل -- (السبت، 21 أيار «مايو» 2005)
عباس اسماعيل
خصصت صحيفة "معاريف" حلقتها الثالثة من سلسلة الحلقات التي تنشرها في مناسبة ذكرى الانسحاب من لبنان للحديث عن عملاء جيش لبنان الجنوبي المتواجدين داخل إسرائيل وعن أوضاعهم. وهنا النص الكامل للتحقيق الذي نشرته الصحيفة حول الموضوع:

بحسب التقديرات فانه يوجد في إسرائيل، قرابة 3500 عنصر لحدي فروا الى إسرائيل. واعتقد هؤلاء المقاتلون، الذين كانوا طوال خمسة عشر عاما جزءاً لا يتجزأ من جهاز الدفاع التابع لإسرائيل على الجبهة الشمالية، انهم سيعودون خلال أسابيع عدة الى موطنهم، ولكن يبدو انه بعد خمس سنوات من انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان ان مشاريع عناصر جيش لحد بعيدة عن التحقق.

لا يزال قرابة 2500 لبناني من المعروفين بـ"اللحديين" يقطنون في إسرائيل، فيما حصلت البقية على تعويضات من حكومة إسرائيل واستقرت في الخارج، خصوصا في الولايات المتحدة، فرنسا، وكندا. وعاد آخرون الى لبنان حيث قدموا التعويضات التي تلقوها، وهي عبارة عن عشرة الاف دولار، كفدية لعناصر حزب الله.

وفي الوقت الحاضر، فإن هؤلاء المقاتلين السابقين وافراد عائلاتهم اندمجوا في إسرائيل، ويظهرون كأنهم تماما مثل عرب إسرائيل. فهم يتحدثون العبرية، العربية والانجليزية بمستوى عال جدا، ويتابعون باهتمام كل نشرة اخبار تلفزيونية ومواقع الانترنت. وعلى الرغم من ذلك، فانهم لا يتوقفون عن الحلم باللحظة التي سوف يطرق فيها مندوبو الامم المتحدة والصليب الاحمر ابوابهم ليقولوا لهم "ان هذا الكابوس قد زال"، وان باستطاعتهم العودة الى البيت في لبنان.

ومع ذلك، لا يزال الشارع الإسرائيلي يجد صعوبة في تقبّل عناصر جيش لحد الذين يعتبرون خونة في اوساط عرب إسرائيل، وفي اوساط يهودية غير قليلة يعتبرون ضيوفاً مؤقتين.
 

عائلات فقيرة

يقطن يوسف كريم الحاج في الطبقة الثالثة من مبنى تابع لبلدية نهاريا. وفي هذه المدينة يعيش 1100 جندي لحدي، اي اكثر من اي مدينة اخرى. وكان الحاج، 41 عاما، وهو والد لثلاث بنات ولدت اثنتان منهن في إسرائيل، احد المسؤولين الكبار في جيش لحد في ايامه الاخيرة. وهو تواجد في جلسات سرية جدا مع قائد جيش لبنان الجنوبي، الجنرال انطوان لحد، والضباط الإسرائيليين. عرف وسمع كل شيء، واعتُبر شخصاً استثنائياً. وهو يُعتبر في إسرائيل من اللحديين الذين تم استيعابهم بشكل افضل من الجميع.

ان مهمة الحاج الجديدة هي الاهتمام طيلة الـ24 ساعة بعناصر "جيش لحد" القاطنين في نهاريا، لكنه يهتم ايضا بهؤلاء الذين يسكنون في مدن اخرى ويوظف علاقاته لصالح الجميع. انه والد "جيش لبنان الجنوبي". والجميع في المجلس البلدي لنهاريا يعرفونه. ولا يوجد في غرفته كومبيوتر ولا فاكس، وبالكاد يوجد لديه خط تلفون وتلفون خليوي، لا يتوقف عن الرنين.

وقبل ان يجيب على مكالمة هاتفية فانه ينظر لبضع ثوان بالشاشة ويتمعن بها. يفحص الرقم جيدا وعندها فقط يرد. خمس سنوات بعد الانسحاب، الاشتياق الى البيت يتزايد. يأمل يوسف في كل مرة من جديد بان تكون المكالمة القادمة من العائلة التي بقيت خلف الحدود.

يوضح الحاج "أنا اعمل مقابل وزارة الاستيعاب. ويساعدنا رئيس المدينة، رون فرومر، بعدم إقالة افرادنا من المصانع، وهو يهتم بتشغيلنا. ولا توجد مشاكل في نهاريا. يوجد تسع عائلات من معوقي "الجيش الجنوبي" وانا اهتم بان يحصلوا على تخفيض في الارنونا (ضريبة أملاك في دولة إسرائيل)".

وفي لحظة معينة يتوقف عن التحدث، ينتقل للتحدث بالانكليزية ويبدأ بالكلام من انه ليس كل شيء وردياً كما يبدو لنا بالعبرية. ويقول "يوجد لنا 40 عائلة فقيرة في نهاريا"، ويقصد ما يطلق عليهم في إسرائيل بالفقراء. ويتابع "يوجد لنا عائلات تديرها أرامل، أو أحد الوالدين، ومرضى. ويجب تقديم المساعدة لكل هؤلاء يومياً ونحن نهتم بالجميع. ولا نُبقي احداً لوحده".
 

"باراك تخلى عنا"

المشكلة الرئيسية لعناصر جيش لحد ليست اقتصادية، انما، الاشتياق الى البيت والسؤال عمّا يتعلق بالمستقبل. يتنهد الحاج ويقول "يوجد لنا تواصل مع العائلة فقط في اوقات متباعدة. وهذا يحدث فقط عبر التلفون وبوسائل مساعدة من طرف يخص العائلة بقي في الخارج ويجعلنا على تواصُل مع بعض. فمن الصعب جدا التحدث معهم، كما لا يزال لديهم قليل من الخوف".

ويتابع: "يوجد لنا كاهن لبناني يدعى بولس صياح. يأتي الى إسرائيل كل عدة اسابيع، وتقريبا كل شهر. ونعطيه أدوية، مالاً وأشياء صغيرة لكي ينقلها الى العائلات. اذ انه يقوم بجولة على كل اللحديين".
 

أموال وأدوية

"وضع عائلاتنا في لبنان صعب جداً، ولا يوجد بحوزتهم الادوية الحديثة كالموجودة في إسرائيل. كما ان لا مال لديهم، حيث ان الادوية غالية جدا هناك. والوضع الاقتصادي صعب جدا، فلا يوجد عمل والحكومة هناك لا تمنح عملاً للمواطنين. وفي كل شهر ارسل لوالدتي ادوية بمرض السكري الذي تعانيه. كما نرسل مالاً بحسب استطاعتنا".

ويقول طوني، وهو عنصر لحدي يدير محل خضر عند مدخل نهاريا إن "هذا الوضع يجب ان ينتهي". لم يكن طوني عنصراً عسكرياً، لكن كان متعاوناً مع إسرائيل. عمره 46 سنة، وهو مثل الجميع ترك وراءه عائلة والكثير من الاثاث.

ويضيف "تركت بيوتاً وأرضاً وأثاثاً خاصاً عملت كل حياتي من اجله ويجب على حكومة إسرائيل عمل اي شيء وبذل جهد اكبر من اجل ان ينتهي هذا الوضع وان نعرف ماذا يجري معنا. ومن الممكن ان ينتهي هذا الامر".

وعندما يبدأ جنود لبنان الجنوبي باليأس من وضعهم، فانهم يوجهون اصبع الاتهام تجاه رئيس الحكومة السابق ايهود باراك، الذي وقّع على الانسحاب من لبنان. وقد حظي باراك من جانب "الجنوبيين" بالكثير من اللعنات والشتائم. ويقول طوني: "من اجل ان لا يأتي الى هنا، اذ اننا نعلم انه يريد العودة (الى رئاسة الحكومة)، أخبره انه لن يحصل من عناصر جيش لبنان على اصوات. فليبحث في مكان آخر".

اما مارون، وهو عنصر استخباراتي سابق ويدير في الوقت الحاضر كشك مناقيش زعتر عند مدخل محطة القطار في نهاريا، فإن سخريته من باراك شخصية. فهو يقول ويضحك عالياً: "ان شخصاً تخلت عنه زوجته ليس برجل. لقد انسحب بشكل سريع وابقانا هناك. لقد كنا حلفاء ومحبين لإسرائيل، ولم نحسب ان يعمل بنا ذلك".

ويضيف الحاج: "لقد ارتكبت إسرائيل خلال فترة ولاية باراك الكثير من الاخطاء مع "جيش لبنان الجنوبي". فلقد تخلى عنا باراك وذهب، رمانا كالكلاب، لم يمنحنا شرفاً ولم يحافظ على اخوتنا. ابداً، لذلك لن ننتخب باراك طالما نحن احياء".

ويضيف: "انني وجميع افراد جيش لبنان الجنوبي غاضبون عليه. هل تعرف لماذا؟ لان والدتي، المصابة بالسكري، تسكن هناك ولم ارها منذ خمس سنوات. كما ان ابنتي الصغيرتين ولدتا في إسرائيل ولا تعرفان جدتهما واعمامهما. لقد تركت هناك ثلاث شقيقات واخوين في لبنان والكثير من الاحفاد وابناء الاعمام. وبسبب ذلك انا غاضب. كان على باراك ان ينسحب، ولكن باتفاق وتسوية تكون جيدة لصالح "جيش لبنان الجنوبي". نحن حلفاء، كان ينبغي عليه احراز اتفاق وتسوية تدافع ايضاً عنا".
 

لحد أيضاً تركنا

شكاوى عناصر الجيش الجنوبي ليست تجاه باراك وحده، فحتى مكانة الجنرال الاسطوري لحد، الذي يعتبر الاب الروحي لهم، تضعضعت. وبغضب يقول عنصر من "جيش لبنان الجنوبي" طلب عدم الكشف عن اسمه: "لحد تخلى عنا وذهب".

§ وصـلات: