منطقة بنت جبيل:
قرى شبه فارغة والدولة حاضرة عبر الفواتير
السفير -- (الأربعاء، 25 أيار «مايو» 2005)
علي الصغير
بعد الخامس والعشرين من أيار العام ألفين تحررت سبع عشرة بلدة من قرى قضاء بنت جبيل كانت محتلة بشكل كلي، بينما كانت هناك ثماني قرى محتلة بشكل جزئي، أي إن أكثر من ثلثي قرى القضاء البالغ عددها 36 قرية وبلدة كانت تعاني من آثار مباشرة للاحتلال في حين كانت القرى الأخرى والتي تقع على تخوم ما كان يعرف بالشريط المحتل تعاني من الآثار غير المباشرة والمتمثلة بالقصف والقنص اليومي على الأحياء السكنية والأراضي الزراعية. 

بعد تلك السنوات الخمس على التحرير، أين أهل تلك القرى وسكانها؟ أي مسافة قطعتها تلك القرى في تعويض ما فاتها من إنماء طوال حوالى اثنين وعشرين عاما من الاحتلال؟، أين الدولة من هذا الإنماء؟ 
 

قرى شبه فارغة إلا من الفقر 

تعاني القرى المحررة بشكل رئيسي من غياب أعداد كبيرة من أهلها حيث من اصل حوالى 160 ألف نسمة تقريبا مسجلين في تلك القرى لا يتجاوز عدد من يقيمون فيها في أحسن الأحوال أربعين ألفا صيفا، بينما ينخفض هذا العدد شتاءً إلى اقل من ثلاثين ألفا. ويشكل المغتربون من الأهالي، الذين غادروا قراهم لأسباب مختلفة، المعيشية منها أو الأمنية (وتتجاوز نسبة هؤلاء الستين بالمئة في بعض القرى)، مصدر الدخل الرئيسي لأهلهم في لبنان وفي بعض الحالات المصدر الوحيد. وتعتبر 40 بالمئة من مساكن المقيمين غير صالحة للسكان وترتفع نسبة غير الصالح من الطرقات إلى خمسين بالمئة منها، بينما تبلغ نسبة الحرمان المعيشي 52 بالمئة، منهم 29 بالمئة من المحرومين جدا وتصل نسبة الحرمان العام إلى ستة وخمسين بالمئة في حين أن النسبة لا تتجاوز خمسة وثلاثين بالمئة على مستوى لبنان مما يجعل قضاء بنت جبيل من أكثر المناطق فقرا حسب دراسة عرضت العام الماضي، علما بأن بعض القرى لا يتجاوز عدد قاطنيها مئات قليلة معظمهم من كبار السن، كبلدات حانين، بيت ياحون، الطيري، القوزح، مارون ورشاف. 
 

بطالة وغياب مصادر الدخل 

يجمع المطلعون على سير الأمور في تلك القرى على أن المنطقة لم تلق الفورة الإنمائية المتوقعة بعد كل تلك السنوات وإن شهدت في أماكن متفرقة منها بعض المبادرات الخاصة من جمعيات أهلية ومنظمات دولية أدت إلى تحسن محدود هنا وهناك إلا أنها لم تشكل برنامجا واحدا ومتكاملا من شأنه رفع نسبة المقيمين من السكان أو تحسين الوضع الاقتصادي العام لهم. 

يقول مصطفى توبة “كان أكثر سلبيات الاحتلال هو التأثير على التركيبة الديمغرافية لقرى المنطقة والتي أدت إلى إخلاء قرى بأكملها من سكانها وانقطاعهم عن قراهم لسنوات طويلة وبالتالي فقد كوّنوا حياتهم الخاصة بعيدا عن مسقط رأسهم حيث أصبح من العسير أن يعودوا إلى قراهم عمليا وإن توافرت النية لذلك”، وعليه وبعد التحرير، يتابع توبة “فإن ضعف وجود السكان ومن ضمنه اليد العاملة أدى إلى شبه جمود في الحركة الإنمائية على الصعيدين الفردي والمحلي”. 

لذلك فقد شلت جميع القطاعات الإنتاجية التي كانت تؤمن مصادر رزق للسكان حيث يقتصر الأمر في الوقت الحاضر على نسب قليلة من العاملين في بعض القطاعات وخاصة زراعة التبغ. 

يضيف إبراهيم عبد الله “تعرف المنطقة تاريخيا بأنها منطقة زراعية تفترض الارتباط بين الأرض والمزارع بينما لم يعرف فيها أي نشاط صناعي بالمعنى الحديث للكلمة، لذلك وطول عقدين من الاحتلال نشأت غربة بين الأرض وأصحابها بالإضافة إلى غياب الجيل الذي عاش فيها”، كما أن البلديات التي عرفت تجربتها حديثا لم تكن بالمستوى المأمول منها بسبب غياب الخبرة من جهة وضعف الامكانات مع كثرة الحاجات من جهة أخرى”. 
 

حضور محلي محدود ودولي مقبول 

وعلى الصعيد الرسمي فقد تناقص مبلغ الخمسمئة مليار الذي خصصه مجلس النواب في جلسته الشهيرة التي عقدها في ثانوية بنت جبيل بتاريخ 31 أيار العام ألفين للمنطقة المحررة، إلى ثلاثمئة مليار ومن ثم إلى تسعين مليارا، لم تدفع بعد، لذلك فقد اقتصر حضورها على مجلس الجنوب فقط وضمن إمكانياته المحدودة، حيث شملت أعماله بناء المدارس (حوالى 25 مدرسة بين بناء وترميم) وبعض الخزانات والقصور المائية (25 خزاناً) في القرى إضافة إلى شق بعض الطرقات ومد شبكات مياه وكهرباء وقسم من تعويضات الأضرار والترميم في بعض القرى، كذلك كان لمجلس الإنماء والإعمار بعض المشاريع بتمويل خارجي توزعت على القطاع الصحي وشبكات الري وبعض المدارس، وعلى أهمية هذه المشاريع جميعها إلا أنها ضاعت وسط الحاجات الكثيرة للمنطقة كما أنها لم تؤدّ إلى زيادة سكان القرى أو وقف الهجرة الداخلية والخارجية لأنها لم ترتبط بتوفير فرص عمل حتى الآن. 

يقول رئيس تجمع بلديات بنت جبيل علي بزي إن عوائق كثيرة تحول دون قيام البلديات بدورها كاملا ليس اقلها ضعف الإمكانيات المادية وقلة اليد العاملة المحلية في قرى كثيرة إضافة إلى غياب المسح العقارية وعدم توفير فرص استثمار نتيجة غياب سياسات جدية ومدروسة لتعويض الحرمان الفائت، ويتابع بزي “إن جميع البلديات عندما انتخبت للمرة الأولى العام 2001 لم يكن هناك لا بنى تحتية ولا حتى فوقية فيما الدولة ما زالت تعتمد أسلوب التقسيط في دفع المخصصات السنوية على قلتها للبلديات”، وبالنسبة لتوفير اليد العاملة يضيف بزي “أن البلديات يمكنها توفير الوظائف في الأعمال والمشاريع المرتبطة بها إضافة إلى كادرها الإداري فيما يقع على الدولة العمل على خلق فرص العمل بشكل أوسع”. 

لذلك ركزت هبة المفوضية الأوروبية على تمويل مشاريع إنتاجية في المناطق التي أنشأت فيها تجمعات بلدية طلب منها دراسة مشاريع يمكن أن يستفيد منها العدد الأكبر من سكان تلك البلدات. وعلى صعيد دولي آخر فقد برزت بعض المشاريع التي كان لها تأثيرها الايجابي على حياة المواطنين بشكل خاص لا سيما في موضوع الألغام حيث تم، ضمن عملية التضامن الإماراتي لنزع الألغام، تنظيف ستين ألف لغم من أكثر من خمسة ملايين متر مربع من الأراضي التي كانت بمعظمها زراعية وبكلفة قدرت بحوالى 50 مليون دولار، كما برزت بعض الهبات الأوروبية بملايين الدولارات التي ركزت على التعاون مع البلديات إضافة إلى هبات لإنشاء مراكز فرز للنفايات التي ما زالت من أهم المشاكل التي تواجه العمل البلدي، وكذلك الهبة الكويتية التي ساهمت بشكل أساسي في إعادة إعمار بلدة حانين التي دمرت تماما إبان فترة الاحتلال. 

ورغم ذلك كله يبقى “البنت جبيلي” تواقا للتعرف على دولته التي سمع عنها لكنه لم يتسنّ له أن يعرفها عن كثب إلا عبر فواتير الكهرباء والماء التي عاجلته بها قبل أن يجف حبر قرار إعفائه منها.

§ وصـلات: