أبناء القرى المحررة لم يعودوا إليها برغم الحنين:
أضحوا مدينيين يعيشون حيث فرص العمل
السفير -- (الأربعاء، 25 أيار «مايو» 2005)
مادونا سمعان
زحمة العودة في أيار 2000 تلاشت اليوم
الخامس والعشرون من ايار العام 2000: بلدة دير ميماس الجنوبية تحتفل. أجواء انتصار حل وحقبة تاريخية تنتهي... 

في التاريخ نفسه. سكان بلدة الزوق في كسروان يتابعون الحدث عبر وسائل الإعلام وداخلهم تساؤلات حول صانع الحدث. 

كان ربيع غنطوس ابن الحادية والعشرين، حينها، يعمل في مطعم للوجبات السريعة في جونية، وقد حاول استراق النظر من الجهاز المعلق على الحائط لكي يكتشف، للمرة الأولى، بلدته التي ينتمي إليها “عبر الهوية فقط” دير ميماس. “لم أكن اعرف عن بلدتي سوى ما كان يرويه لنا ابي الذي غادرها منذ طفولته من اخبار وحكايات ورثها عن جدتي، وقد اخذتني بيئتي صوب هموم جديدة وحروب من نوع آخر، ايضا اتذكر منها القليل” يقول ربيع. 

في ذاك اليوم، كان جهاز التلفزيون صلة الوصل بينه وبين بلدته. عبره كان يرى صورها ويفتش عن معالم تذكرها قصص الاهل، “دير ميماس اذاً، موجودة في الحقيقة، وقد رأيت بعضا من وجوه ابنائها”. 

في ذاك اليوم ذهب ربيع الى ابعد من الصور “ماذا لو كنت اعيش في دير ميماس؟ ماذا لو كنت مقاوما؟ ماذا لو كنت سهى بشارة؟” هو يوم تحولت فيه القصص والروايات الى حقيقة، بالنسبة له، دير ميماس “موجودة واليوم محررة. شعرت كأن احدا كتب قطعة ارض باسمي، فأضحت ملكي”. 

بعد اسابيع زار ربيع بلدته وتعرف على الاقارب “غير أن الزيارة لم تتكرر سوى ثلاث مرات، حتى انني لم اشارك في اي انتخابات لا بلدية ولا نيابية”. 

مرت الذكرى الاولى على التحرير وها هي الخامسة تمرّ، وربيع على حدّ تعبيره “ما زال يعتبر دير ميماس ارضا من الخيال تحولت الى حقيقة، وكأنها ارض السعادة بالنسبة لي. فهنا (اي في الزوق) محاولة لنسج مستقبل يكفل الاستمرار في هذا الوطن مثل سائر المناطق”. مضيفا “لا أستطيع ان اكثر من زياراتي الى دير ميماس ولا اريد، كي يبقى لي مكان في هذه الدنيا يعني الراحة والسعادة. وكأنها قطعة من الشوكولا نبطئ في التهامها كي يطول تذوق طعمها”. 

ولكن ماذا عن الاحتلال وماذا عن العودة؟ بالنسبة لربيع كانت اسرائيل وما زالت “خطرا كبيرا على لبنان، يأتينا من الشرق والغرب اي من دول القرار الكبرى التي تؤثر عليها وأعني اميركا. انا لم اقاوم اسرائيل ولكن كنا نتحدث عنها ورفاقي. فجميعهم يعتبرونها عدّواً، منهم من منطلق وطني ومنهم من منطلق ديني (اليهودي عدو المسيحي). كنا مأخوذين اكثر بمقاومة السوري ربما بفعل الجغرافيا وربما لأن اذهاننا تفتحت على “حرب التحرير”. انا لا اقبل رهن لبنان لا الى اسرائيل ولا الى سوريا وأنزعج كثيرا من اعتبار المسيحي حليفا لإسرائيل”. 

مسألة العودة الى دير ميماس “امر غير مطروح” بالنسبة الى ربيع، لأن فرص العمل معدومة هناك. بالنسبة لي الارض التي انتمي اليها هي التي ترعرت فيها، اما دير ميماس فهي مكان جميل ربحته، كنت اعرف انه من حقي ولكن لم يعلمني أحد كيف استعيده”. 

الذكرى الخامسة للتحرير لبنان اجمل من سابقاتها هذه السنة “لأن التحرير اكتمل بخروج سوريا من لبنان”. 
 

عودة من حياة مؤجلة

في عين ابل ايام الاحتلال كانت حياة ديمة صادر “مؤجلة” كما كتبت يوما، وهي تعي فعليا ماذا يعني العيش في ظلّ محتل لأنها عاشت في بلدتها قبل ان تغادرها للدخول الى الجامعة ومن ثمّ العمل، وهي تشغل اليوم منصبا في مجلس الانماء والاعمار في مجال التنمية الاجتماعية. 

عاشت ديمة “الحصار وتحملنا الذل من عناصر لحد، وكانت ايامنا اشبه بحياة مؤجلة في انتظار حياة طبيعية غير مقيدة بنظام الاحتلال”. حتى عندما غادرت الى بيروت، كان للاحتلال اثره السلبي في فصلها عن اهلها وانتظار العطل الطويلة للقائهم، فكانت امام واقعين: إما الاحتلال والقمع والذل او الانفصال عن الاهل نحو حياة جديدة ترسمها بعيدا عن مسقط رأسها. 

بعد التحرير لاحظت ديمة أن الحياة الاجتماعية تبدلت “لا سيما تلك الادارة المدنية التي كان قوامها اشخاصاً ينتقيهم جيش لحد، وهم في معظمهم من غير المتعلمين او المثقفين او “اصحاب سوابق، أما اليوم فميزان القوى يميل في معظم القرى المحررة صوب حركة امل وحزب الله”. 

لكن الاهم بالنسبة لها اليوم هو “الاستفادة من خطوة الوصول الى التحرير، وقد اصبح التحدي على مستوى الوطن، وباتت القرى تشبه غيرها من القرى اللبنانية. من هنا يجب ايصال ممثلين عنا يعملون على انماء المنطقة لأنه ما من عذر اليوم لإهمالها”. 

لولا فرص العمل “أحب ان اعود واعمل في بلدتي” تقول ديمة مؤكدة ان “هذه الحالة لم تعد خاصة بالقرى المحررة بل بكل المناطق البعيدة عن بيروت”. 
 

انشغالات أبعدتني عن بنت جبيل

انفصل والد رغيد شرارة عن عائلته في بنت جبيل ليعيش في بيروت، فكان الصيف موعدا مع البلدة والاقارب رغم كل الصعوبات التي كان يواجهها بدءا من طلب تصريح الزيارة مرورا بالتوقف ساعات على المعابر. “لكننا كنا نسعد بالزيارة” يقول رغيد “لأنها كانت تعني اولا البقاء على تواصل مع ارضنا على الرغم من الاجواء الصعبة. وثانيا تحدي هذه الظروف وتأمين استمرارية البقاء. وقد رسخت في ذهني صورة طفل يرمي حجرا علقها والدي خلف مكتبه كتب عليها “الوطن باق والاحتلال الى زوال”. 

بالنسبة لرغيد، الذي يعمل في شركة اتصالات، سمح التحرير بزيارة قرى وبلدات اخرى مما كان يسمى الشريط الحدودي، وقد بقي على تواصل مع بلدته “ولكن بوتيرة أقل بسبب انشغالات الحياة والاعمال”. لكن الشعور اليوم اختلف، اذ ازيلت كل القيود التي كانت مفروضة و”بنت جبيل مثلها مثل اي قرية لبنانية محررة يمكن التجول فيها ليلا والانطلاق منها نحو قرى محررة أخرى دون اذن مسبق. فمع تحرير بلدتي شعرت كأن قيودا زالت بين نفسي وبيني”. 

اليوم لبست بنت جبيل حلة جديدة وتحولت الى مدينة مزدهرة. لكن رغيد سيتابع حياته في بيروت حيث فرص العمل. 
 

لا يعيش فيها سوى الملل

حسين ناصر مثل رغيد، كان يزور شبعا في ايام الصيف “اذ كانت خدمة الوالد في الجيش تفرض عطلا قصيرة على العائلة”. لكن حسين، الذي تخصص في الهندسة المعمارية وهو مسعف في الصليب الاحمر اللبناني، يبدو اكثر نقمة على وضع القرى المحررة “فالاهمال يعمّ المنطقة ومن المؤسف القول إن الوضع كان افضل خلال الاحتلال. الناس غادروا إما الى بيروت وإما الى بلاد الاغتراب طلبا للعمل، البساتين اهملت، والقرى اشبه بأماكن مهجورة لا يعيش فيها سوى الملل. والسبب إهمال الدولة وعدم معالجة جسم كان سقيما، اضافة الى التمييز في التقديمات لا سيما مجلس الجنوب الذي يوزع الحصص حسب السياسة لا الانماء. في حين كان الوضع مختلفا ايام الاحتلال الذي ربما جعل الناس اقرب بعضهم الى بعض وأكثر لحمة”. 

اذا اختلفت شبعا بعد التحرير، كما يشير حسين “ولكن بطريقة سلبية، اذ يغزوها البناء العشوائي وقد تركها معظم اهلها بسبب ضيق سبل العيش فيها”. لكن حسين غير متفائل بالقدرة على تطوير المناطق المحررة “واذا اعفيت من إعطاء رأيي يكون افضل”. 

من ناحية اخرى يعتبر حسين أن “ العودة الى شبعا ستكون اشبه بالعودة من بلاد الاغتراب، لذلك ارى العودة والاقامة في البلدة ليس فقط من ناحية فرص العمل بل من ناحية طريقة الحياة عموما، امرا مستحيلا حتى انني لن اشارك في العملية الانتخابية المقبلة خصوصا ان النواب مفروضون علينا”. 
 

لا فرص عمل لحملة الشهادات

عاش المهندس المدني ربيع يعقوب في بلدته حولا حتى سنة 1987، ليغادرها الى بيروت “وكان الامر اشبه بالهرب اذ انقطعت عنها وقتا طويلا ولم اقم بزيارتها سوى ثلاث مرات عند وفاة والدي وجدي بسبب ممارسات ما كان يعرف بالسلطة المدنية هناك... لأعود اليها بعد التحرير وقد خلت من الناس واختلف نمط حياتهم لأن الحياة اختلفت اينما كان بفرض من وتيرة الحياة الجديدة”. كذلك يعتبر ربيع ان مسألة نمو بلدته مرهون بالعشوائية وعدم اهتمام الدولة لجهة إرشاد المزارعين “اذ معظم اهلها يعتمدون على الزراعات الخفيفة مثل الزيتون والدخان والحبوب، او صناعة البناء كخيار آخر. بل حتى إن عمل البلدية مقتصر على شق طريق او بناء جدران دعم”. 

على الرغم من ذلك يبقى لربيع الحنين الاكبر صوب حولا حيث قضى طفولته، لكن انشغالاته الحياتية تفصله عنها، وهو غير متفائل بتطورها السريع “بسبب الذهنية السياسية السائدة، وعلنا نصل يوما الى حرية وسيادة واستقلال حقيقي”، متمنيا التخلص من عقلية الوراثة السياسية. 

اليوم يثابر ربيع على زيارة بلدته مرة على الاقل اسبوعيا، لذلك يعتبر انه عاد الى حولا “لكنني لا استطيع العمل فيها كمهندس خصوصا انه في تلك القرى لا يوجد فرص عمل لحملة الشهادات الجامعية”. 
 

لا انتمي إلى بلدتي

ولدت وترعرت مهى ابراهيم المتخصصة في الصيدلة، في بيروت ولم تزر بلدتها يارين خلال الاحتلال سوى مرة بسبب وفاة جدتها “يومها عانينا كثيرا من الوقوف على المعبر وما يرافقه من شعور بالأذى لأن اذن الدخول إلى قريتنا مرهون بمحتل”. 

هناك وجدت مهى بلدة مهملة “وعيشة صعبة لا سيما في حالات المرض”، وهي لم تزرها بعد الاحتلال إلا مرتين لتلحظ ايضا اعمال عمران تنمو كالفطر وعشوائيا. 

فرحت مهى لتحرير ارضها الا انها لا تعتبر انها تنتمي الى تلك البلدة بل لبيروت التي تربت وعملت وتزوجت فيها “لذلك الرجوع الى البلدة امر مستحيل”.

§ وصـلات: