الساحل الجنوبي من الجية إلى الزهراني مروراً بصيدا:
مشكلات بيئية متفاقمة والشباك تصطاد النفايات
المستقبل -- (الإثنين، 27 حزيران «يونيو» 2005)
رأفت نعيم
الصرف الصحي على الشاطئ جبل مكب النفايات
قد يكون من الصعب الحديث عن واقع الساحل الجنوبي الممتد من الجية مروراً بصيدا وصولاً إلى الزهراني من دون الأخذ بعين الاعتبار المشكلات التي يعاني منها الساحل اللبناني عموماً وفي مقدمتها مشكلتا الصرف الصحي والنفايات، فضلاً عما تلقي فيه المصانع من مواد مختلفة، القاسم المشترك بينها هو الضرر المباشر وغير المباشر الذي تلحقه بالبيئة البحرية وبالسلامة العامة على طول الشاطىء، هذا بالاضافة إلى التعديات الكثيرة على الأملاك البحرية العمومية. 

لكن للساحل ـ موضوع متابعتنا ـ خصوصية ليس فقط بجغرافيته القريبة من الجبل، وإنما أيضاً بكثرة المنشآت السياحية والصناعية والزراعية والنفطية المنتشرة عليه بشكل عشوائي، وبما ينجم عن هذا الواقع من مشاكل بيئية وصحية، ومن صعوبات ومعوقات تعترض معالجة هذا الواقع ليس أقلها تداخل الصلاحيات بين الوزارات المختصة والبلديات وأصحاب الأملاك الخاصة. 
 

ساحل الشوف الجنوبي

ونبدأ من شمال الساحل الجنوبي وتحديداً من منطقة الجية ـ ساحل الشوف الجنوبي ـ والتي وان كان ساحلها في قسم منه يتمتع بشاطئ رملي وصخري نظيف نسبياً يجذب رواد ومحبي البحر وهواة الصيد وقبلهم مستثمري المسابح والمؤسسات السياحية، فانه في الوقت نفسه يتحمل عبئاً بيئياً ثقيلاً ويعاني تشوهات ناجمة اما عن الفوضى التي شهدها الساحل اللبناني على مدى عقود من الزمن واما عن تعديات لا تزال قائمة عليه، فضلاً عن وجود منشآت للطاقة مثل شركتي النفط والغاز ومعمل الجية الحراري في تلك المنطقة، وتجمّع ما تبقى من آليات وعربات وخردة سكة الحديد إلى جانب المعمل المذكور.

ويمكن لمن يقصد شاطىء الجية أيضاً أن يلاحظ انفلات مصبات الصرف الصحي على غاربها، ولا سيما تلك التي تصب من التجمعات السكنية القريبة من الشاطىء أو من المؤسسات السياحية الملاصقة له.. فيما تطل بارقة أمل وحيدة للخروج من هذا الواقع من خلال ورشة أشغال تقوم إلى جانب معمل الجية أُبلغنا بعد الاستفسار أنها مشروع معمل لمعالجة مياه الصرف الصحي لمنطقة اقليم الخروب ينفذه الفرنسيون. ولعله من قبيل المفارقة ونحن نسأل عن هذا المشروع أن يقال لنا أيضاً أنه اثناء عملية حفر الأرض التي سيشاد عليها، ظهرت ترسبات نفطية بكميات كبيرة في المكان، ربما تسربت من معمل الكهرباء!!!. 

وليس بعيداً عن المكان نفسه، تطالعنا المنشآت والمؤسسات السياحية من فنادق ومطاعم ومسابح بتأثيراتها السلبية المباشرة على الشاطىء وعلى البيئة البحرية المحيطة.. ونتابع خط سيرنا البحري إلى الرميلة حيث المشهد البحري نفسه وصورةٌ للشاطئ أقل تشوهاً وأقل تلوثاً نظراً لغياب الكتل الاسمنتية والصناعية العملاقة وتوزع المؤسسات السياحية بشكل أفقي وليس عمودي فيما شاطئها الرملي أكثر رحابةً.. لكنها تعاني كما الجية من مشكلة صرف صحي. 

وقبل أن نصل إلى عاصمة الجنوب صيدا، نعبر الشاطىء الرملي الممتد بين الجارتين والذي تشوبه حيناً نفايات واطارات يلفظها البحر عند اشتداد الرياح، وأحياناً قنوات ومصبات متفرقة لمجاري الصرف الصحي.. وكذلك ما تبقى من حديد وأخشاب سكة الحديد التي كانت تمرّ في المكان. ويخترق الشاطىء الرملي هذا مصب نهر الأولي معلناً انتقالنا جغرافياً إلى صيدا وادارياً إلى محافظة الجنوب حيث نعبر إلى الضفة الأخرى للنهر عند مصبه. 
 

صيدا

بمجرد وصولك إلى مشارف صيدا ساحلاً من جهتها الشمالية، تصبح أمام واقع آخر للشاطىء، له خصوصيته وله مشاكله، ولا سيما البيئية منها وفي مقدمها مشكلتا النفايات والصرف الصحي.

ونسير مع الشاطىء الرملي من المدينة الرياضية مروراً بدار المعلمين ووصولاً إلى المسبح الشعبي الذي يخضع لعملية تقليص جزئية لعرض الشاطىء يفرضها مشروع تأهيل وتوسيع البولفار البحري الشمالي للمدينة. ومن هناك إلى الحمام العسكري الذي تصب عنده احدى قنوات الصرف الصحي وسط مكعبات اسمنتية اتخذت شكل لسان على الشاطىء. ونمضي جنوباً بموازاة الشاطىء الرملي والكورنيش البحري الذي يشهد إعادة تأهيل حيث تطالعنا أيضاً مصبات للصرف الصحي تصبغ مياه البحر بلونها قبل أن تختفي فيه.. ومن هناك إلى استراحة صيدا السياحية والقلعة البحرية التي يصب تحت مدخلها مجرور كبير للصرف الصحي، ومن هناك تمتد الواجهة البحرية للمدينة القديمة بما فيها حوض الصيادين الذي فقد عمقه بفعل الأوحال المترسبة فيه، ومرفأ المدينة التجاري المحاط بالصخور العملاقة من جهة البحر حماية له من الأنواء المرتفعة، وقبالته جزيرة صيدا "الزيرة" التي تلقى في مياهها فضلات الأطعمة والنفايات التي يخلفها روادها لا سيما في فصل الصيف. 

وعند خليج اسكندر بعد المرفأ مباشرة، يمتد الكورنيش البحري الجديد والذي يقوم عليه عدد كبير من المقاهي الشعبية التي رخصت لها البلدية بشكل عشوائي وغير منظم، إلى نهاية الخليج حيث تتكوم تلة من الصخور يستغلها هواة صيد السمك لممارسة هوايتهم. 

ثم نصل إلى جبل النفايات المتضخم والمرتفع صعوداً على الشاطىء الجنوبي للمدينة، وهو بمثابة كارثة بيئية تعاني منها المدينة منذ ما يزيد على ربع قرن، حيث يزيد حجم المكب عاماً بعد عام وتزيد معه أخطاره وآثاره السلبية المباشرة ليس فقط على المدينة وأهلها، بل وعلى البيئة البحرية المحيطة بما فيها الثروة السمكية مصدر رزق صيادي الأسماك الذين غالباً ما امتلأت شباكهم بالنفايات بدلاً من السمك أو تمزقت بفعل ما يعلق بها من نفايات وأوساخ مصدرها المكب. 

وإلى جانب المكب من الجهة الشمالية أرض تتكوم عليها تلال من الأتربة والردميات، ومن الجهة الجنوبية أشغال تمهيد للأرض التي ستقوم عليها ورشة معالجة جبل النفايات، وتحتها قناة كبيرة تصب فيها مياه الصرف الصحي.. وليس بعيداً عن جبل النفايات، ورشة اشغال من نوع آخر لكن للغاية نفسها وهي معالجة النفايات المنزلية الصلبة من خلال بناء معمل خاص للمعالجة تم ردم مساحة من البحر لتشييده عليها. وبمحاذاة المكان نفسه، اكتملت مراحل انشاء معمل تكرير المياه المبتذلة الذي ستنتهي اليه مياه الصرف الصحي لصيدا ومنطقتها بعد ربط قنواتها ومصباتها بمحول رئيسي يصب مباشرة في المعمل المذكور. 

وعند الحدود الجغرافية الجنوبية لمدينة صيدا يقع مصب نهر سينيق "الجاف" صيفاً والذي يتحول مصبه كما مجراه إلى ساقية لمياه المجارير وزريبة للماشية. 
 

الغازية والزهراني

يعتبر الشاطىء المحاذي لساحل بلدة الغازية ـ جنوب صيدا بدءاً من المدينة الصناعية مروراً بمعمل صفا للحمضيات ووصولاً إلى المسبح الشعبي، منطقة ملوثة بيئياً ومشوهة من حيث عدم التنظيم وعشوائية البناء. ففي هذه المنطقة التي تعتبر مركز الحركة الصناعية في منطقة صيدا تنتشر المصانع والمعامل ومدابغ الجلود، وجميعها تصب نفاياتها السائلة والصلبة في البحر وهي في معظمها نفايات تحتوي على مواد ضارة وخطيرة. 

ويكفي أن يسلك المرء الطريق البحرية الرديفة لطريق الغازية خلف معمل صفا ليلاحظ مدى الاهمال الذي تعانيه تلك المنطقة التي يفترض أنها تطل على المتوسط كواجهة للساحل اللبناني، فاذ بها تطل عليه بمصبات المجارير ومكبات النفايات والردميات العشوائية التي تلوث البر والبحر في آن.

ونختتم جولتنا البحرية في منطقة الزهراني التي يبدو واقع شاطئها إلى حد ما شبيهاً بالواقع في منطقة الجية: شاطىء رملي صغير، منشآت نفطية، شركة الغاز، منشآت مصب النفط، معمل كهرباء الزهراني والمصفاة مع ما يستتبع ذلك من آثار سلبية مباشرة على البيئة البحرية والشاطىء عموماً.

§ وصـلات: