مطالبة حزب الله بالقرى السبع
تثير سجالاً إسرائيلياً
السفير -- (الإثنين، 4 تموز «يوليو» 2005)
حلمي موسى
عندما اعلن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أن مساحة لبنان المعروفة تشمل أيضا القرى السبع، لم يثر التصريح على الصعيد الرسمي الإسرائيلي سوى التجاهل. ورأى بعض الإسرائيليين في هذا التصريح تأكيدا على حقيقة أن حزب الله لا يحتاج إلى مزارع شبعا لمواصلة قتاله لإسرائيل، كما ذهب آخرون إلى أن الحزب قادر على اختراع الذرائع كما يشاء. 

ومع ذلك فإن مواقع الحوار الإسرائيلية على شبكة الإنترنت شهدت نقاشات واسعة حول هذا التصريح. ويوم أمس نشرت صحيفة “هآرتس” مقالة تستعرض فيها تاريخ الحدود اللبنانية الفلسطينية وموقع “القرى السبع” فيها. 

ومن المعروف أن القوات الإسرائيلية نفذت، في حرب العام 1948، عملية إبعاد منظمة لسكان القرى السبع في إطار تفريغ الجليل من سكانه العرب. وجرى ذلك في نطاق عمليتين عسكريتين للهاغاناه، الأولى في نيسان 48 والثانية في تشرين الثاني 48 تنفيذا لأوامر قائد الجبهة الإسرائيلية آنذاك موشيه كرميل بإفراغ كل القرى العربية الواقعة على الحدود من سكانها. 

وجرى نقاش في هيئة أركان الجيش الإسرائيلي آنذاك حول ما إذا كان من الأفضل التمييز في المعاملة بين القرى الشيعية وغيرها من أجل كسب ود الشيعة في لبنان. ولكن القرار اتخذ لمصلحة طردهم مثل العرب الآخرين، بل إن مذكرة للصندوق القومي اليهودي تشير 

إلى وجوب تفريغ قريتي النبي يوشع والمالكية مثلا، من أجل السيطرة على 55,219 دونما من الأرض. بل إن سكان هونين الذين بقوا في قريتهم ولم يفروا منها بعد الحرب، طردوا منها في وقت متأخر. 

وأقيمت على أراضي القرى السبع كيبوتسات وموشافات عديدة. ويقع على أراضي هونين، موشاف مرغليت الذي يسكنه عضو الكنيست يوسي ساريد. ومن الجائز أن الطبيعة اليسارية لغالبية سكان الكيبوتسات والموشافات هي ما ألهبت النقاش بين اليمين واليسار حول تصريحات نصر الله وفي ظل خطة الفصل. وذكّر البعض بتصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون حول أن ما ينطبق على تل أبيب هو ما ينطبق على نيتساريم، ورأوا ساخرين أن اليسار سيوافق على ترك كيبوتساته والهجرة إلى أوروبا. 

وتنقل “هآرتس”، في مقالة ليوآف شتيرن، عن الخبير في الشؤون اللبنانية في الجامعة العبرية الدكتور آشر كاوفمان قوله إن “حزب الله يطرح هذا المطلب منذ التسعينيات”. 

وعشية الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني في العام 2000، أعلن حزب الله انه سيعترف بالانسحاب الإسرائيلي فقط إن تضمن القرى السبع المذكورة. وترى إسرائيل في هذا المطلب هذيانا. وتشير “هآرتس” إلى أن الأمم المتحدة تعترف من دون تحفظات بالخط الحدودي الموجود في المنطقة. 

وأشارت “هآرتس” إلى أن خط الحدود الدولي القائم اليوم بين إسرائيل ولبنان يرتكز على الاتفاق البريطاني الفرنسي لعام 1920. وقالت إن البريطانيين كانوا يخضعون لتأثير ضغوط الحركة الصهيونية لزحزحة الحدود شمالا لتشمل المطلة وأكبر قدر ممكن من المصادر المائية في المنطقة. الفرنسيون بدورهم طلبوا تضمين المناطق الخصبة في سهل الحولة وطبريا ضمن المساحة الخاضعة لهم. 

وفي العام 1921، أجرت فرنسا في لبنان إحصاء سكانيا حصل بموجبه سكان القرى السبع على الجنسية اللبنانية مثلهم مثل سكان قرى أخرى في المنطقة والتي تقع ضمن مساحتها المطلة وكفار جلعادي اليهوديتان. 

وأشار كاوفمان إلى أن ترسيم خط الحدود كان مثيرا للإشكال، بصورة خاصة لأنه كان موجودا في إطار المفاوضات بين فرنسا وبريطانيا. ومع ذلك تسبب تحديد الحدود داخل المناطق الخاضعة لسيطرة دولة عظمى واحدة، بمصاعب كثيرة. وأوضح كاوفمان “في مناطق أخرى مثلا كان على الفرنسيين أن يقرروا وحدهم مثل ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا”، مضيفا “هذا كان مصدرا لغموض كبير نرى نتائجه اليوم في الصراعات الحدودية كما يحدث مع مزارع شبعا مثلا”. 

ويعتقد كاوفمان أن هناك اعتبارا آخر في ترسيم الحدود بين فلسطين ولبنان، وهو الانتشار السكاني. المندوب السامي الفرنسي الأول في لبنان هنري غورو أمر ممثله المسؤول عن ترسيم الحدود بإدخال القرى الشيعية ضمن الحدود اللبنانية لأنها تنتمي للبنان بصورة طبيعية. وأضاف غورو انه إذا لم يتمكن من إدخال القرى الشيعية كلها ضمن لبنان، فمن الأفضل إبقاء بعض القرى داخل المساحة البريطانية وذلك حتى لا تبقى قرية أو اثنتان وحدهما. 

بين آذار 1921 وشباط 1922 بدأت لجنة ترسيم الحدود عملها برئاسة بافلا الفرنسي ونيوكمب البريطاني. كما يحدث في اتفاقات الحدود، كثيرا ما ينفذ الترسيم الحدودي بصورة مغايرة للاتفاق الأصلي. لجنة بافلا نيوكمب تجاوزت الاتفاق الأصلي وزحزحت الحدود شمالا. ومن خلال ذلك انتقلت أكثر من عشرين قرية من الحدود اللبنانية إلى الجانب الفلسطيني. سبع من هذه القرى كانت شيعية: تربيخا، هونين، النبي يوشع، صلحا، قدس، المالكية، إبل القمح. 

وفي النقاشات على مواقع الانترنت برز واضحا مقدار اختلاط الجهل بسوء النية. فقد أشار بعض المناقشين إلى أن تصريحات نصر الله تأكيد على وجوب عدم الثقة بالعرب. فإن أعطيتهم إصبعا طلبوا اليد كلها. ورأى آخرون أن هذا التصريح يفتح الباب أمام إسرائيل لإعادة رسم حدودها وفق “حقوقها” التي تضمن لها السيطرة على مياه نهر الليطاني. وتساجل عدد من المشاركين مع أصحاب المواقف المتشددة، حول معنى الحقوق التاريخية ومن الذي يملك الحسم بأولويات هذا الحق.
§ وصـلات: