رذاذ الوزاني لا ينعش ولا يغني عن عطش!
عجز لبنان المائي يناهز 300 مليون متر مكعب سنوياً

لبنان يكتفي بستة ملايين م3 من الوزاني من أصل55 مليوناً
المستقبل -- (الأربعاء، 28 أيلول «سبتمبر» 2005)
إبراهيم هاشم
الدكتور بسام همدر النائب ناصر نصرالله أنبوب مضخة نبع الوزاني
على أعتاب الذكرى الثالثة لافتتاح مشروع الوزاني ما زالت رمزية المنشآت القائمة تحت الفوهات الإسرائيلية وطعم الدماء "اللي صارت ميْ" المعلم الأكثر وضوحاً وإثارة للفضول، خصوصاً وأن البحث في الخطوات المنطقية التي يفترض أن تلي هكذا نوع من المشاريع السيادية لا مكان له، إذ لا خطوات ولا من يشربون!

عندما دُشّن المشروع رسمياً في تشرين الأول 2002 قامت الدنيا ولم تقعد في كل من لبنان وإسرائيل. الأول استكمل التحرير وأثبت أن ما بعد أيار 2000 غير ما بعد أيلول 1965 عندما استفردت الطائرات الإسرائيلية بالمنشآت اللبنانية على النهر وأحالتها حطاماً، وأن هدير الآليات اللبنانية أكثر علواً من الغارات الإسرائيلية حتى في أقصى بقعة جنوبية، أما الثانية فرأت في المشروع استفزازاً صارخاً وهزة ارتدادية لزلزال الاندحار عن الأراضي اللبنانية، تنبئ بهزات أكثر إيلاماً إذا لم تتم مواجهتها.

وتيرة الأمور اليوم باتت ثابتة. لبنان يكتفي بنحو 10 ملايين م3 سنوياً من أصل 55 مليون م3 هي حقه الطبيعي في مياه حوض الحاصباني الوزاني، ما يعني أنه يأخذ سدس حصته صارفاً النظر عن خمسة أسداس، بينما لا تفوت إسرائيل مناسبة لتشيع في المحافل الدولية أن مياه لبنان تذهب باتجاه البحر فيما تعاني الدولة العبرية نقصاً حاداً في مواردها المائية.

لا شك أن شكل المنشآت اللبنانية، بصرف النظر عن مضمونها، قاب قوسين أو أدنى من الخط الأزرق تشكل إنجازاً قومياً بالغ الدلالات عميقها، إلا أن اسطوانة التغني به والتغاضي عما يجب أن يليه، وزجّه في قاموس العلاقات اللبنانية الأميركية المتشعب من خلال تصريح رئيس مجلس الجنوب في آب الماضي حول دور السفير الأميركي جيفري فيلتمان في إذكاء المطالبة بإلغاء المجلس لأنه نفذ المشروع، يبدو أمراً سوريالياً لا يمكن قبوله في بلدٍ تهدر أنهاره على الضفة الشرقية للمتوسط ويشتري 80 في المئة من شعبه مياه الشفة. 

حيثيات هذا الواقع الملتبس عرضها رئيس قسم الاقتصاد في جامعة TSUA الدكتور بسام همدر الذي أثار جملة تساؤلات حول غياب الرؤية المتكاملة في إدارة الملف المائي اللبناني، ليس في مسألة حوض الحاصباني الوزاني فحسب، وإنما في معالجة الموارد المائية على صعيد الوطن ككل، وأجاب عنها النائب ناصر نصرالله الذي أوضح أن مشروع الوزاني لن يكون يتيماً، ونافياً أي خوف يعيق المضي قدماً في إنجاز المشاريع، واعداً بإطلاق المرحلة الأولى من مشروع الليطاني في الربيع المقبل.
 

همدر

ينطلق الدكتور بسام همدر في مقاربة الموضوع من أن مقولة "لبنان قصر المياه" لم تعد متطابقة فعلياً مع أرض الواقع، إذ أن جملة ما يتحصل عليه سنوياً لا يتعدى ثلاثة مليارات م3 من المياه، يروي اثنان منها الأراضي الزراعية، ويستهلك السكان المليار الثالث، فيما ينال القطاع الصناعي 300 مليون م3، ما يعني أن لبنان يعاني عجزاً مائياً سنوياً يناهز 300 مليون م3، وهو أمر مرشح للتزايد مع الزمن ليصبح مشكلة حقيقية، خصوصاً في ظل عدم استكمال المشاريع الاقتصادية التنموية.

ويوضح أن حصة الفرد في لبنان من المياه نحو 1400 م3 سنوياً، وهو معدل لا يسمح بالحديث عن بيع مياه او ما شابه لأن استمرار الوضع على ما هو عليه سيؤدي إلى انخفاض حتمي لحصة الفرد إلى 700 م3 عام 2025 علماً أن المعدل المقبول دولياً هو 1000 م3 سنوياً.

على خلفية العجز المائي اللبناني يرى همدر أن مقاربة الوزاني بمعزل عن حوض الحاصباني هي فلسفة إسرائيلية تهدف إلى تشتيت الأمور وتحقيق مكاسب مائية إضافية على حساب لبنان، شارحاً أن حصة بلاد الشام من الحاصباني وحده بحسب اتفاقيات عام 1923 التي قسمت المياه بين سلطتي الانتداب الفرنسية والإنكليزية هي "بقدر ما تحتاج"، وهو تعبير مطاط جداً يعني تلبية احتياجات لبنان السكانية والزراعية والصناعية وحتى الترفيهية من مياه النهر والسماح بجريان الفائض نحو الأراضي المحتلة.

اما بحسب مشروع المندوب الإميركي إريك جونستون الذي وُضع عام 1955 فإن حصة لبنان من النهر تبلغ 35 مليون م3 سنوياً، وهو اتفاق رُفض لبنانياً وعربياً لأنه يتضمن اعترافاً ضمنياً بالكيان الصهيوني.

ولكن مع تغير الأحوال والأزمان وبطلان الأسباب الموجبة للرفض، بدا جلياً أن مشروع جونستون معمول به ضمنياً، إلا أن أرقام الواقع المرير تقول إن لبنان لا يحصل اليوم سوى على ما بين 6 و7 ملايين م3 سنوياً ما يعني انه يضحي بنحو 29 مليون م3 سنوياً عن طيب خاطر!

والأمر نفسه ينسحب، يقول همدر، على وضع نبع الوزاني الذي يتراوح حجم تصريفه السنوي بين 40 و60 مليون م3 ولا يخضع لأي اتفاقية دولية، معتبراً أن حصة لبنان في مياهه لا يمكن ان تقل عن 20 مليون م3 سنوياً، يحصل منها بموجب المشروع الشهير على حوالى أربعة ملايين لا أكثر!

وفي هذا الإطار تفيد دراسة أعدها الدكتور طارق المجذوب وصدرت عن وزارة الإعلام عام 2001 أنه "مع عودة أبناء المنطقة (المحررة) إلى بلداتهم وقراهم ومزارعهم ... فإن قطاع الزراعة يستلزم ري 4250 هكتاراً. وبعملية حسابية بسيطة، فإن كل هكتار مروي يحتاج، بمعدل وسطي، إلى نحو 9000 م3، وهكذا يكون إجمالي ما تحتاج إليه الأراضي الزراعية نحو 38.250 مليون م3/سنة... ويتوجب علينا توفير 5124 م3 في السنة.. وهكذا فإن الاحتياجات السنوية لعام 2001 تقدر بـ 43.37 مليون م3 في السنة على الأقل، بينما لا يتعدى الاستعمال الحالي لمياه الحاصباني 6.8 مليون م3 سنوياً".

هذا الواقع يدفع إلى التساؤل عن السبب الحقيقي الكامن وراء الاكتفاء بالإشادة بالوضع الحالي وعدم تحريك ساكن لاستيفاء حقوق الشعب اللبناني المائية، لا سيما أن حجج انعدام التمويل غير منطقية لأن الهيئات الداعمة التي مولت مشروع الليطاني بمئات ملايين الدولارات مستعدة لتمويل مشاريع أصغر حجماً وأقل تكلفة. 

ورغم أهمية المشروع بأبعاده السياسية والسيادية، فإن النظر إليه لا يمكن أن يتم إلا من زاوية الخطوة الأولى، لذلك يرى أن التوقف عند سقف المشروع والإحجام عن استتباعه بمشاريع أكبر وأضخم يندرج في خانة أولويات الدولة التي منحت الاهتمام لملفات أخرى على حساب الملف المائي، معتبراً "أننا إذا لم نحافظ على مواردنا المائية يوماً ما سنعطش"!

ويحذر من أن سوء إدارة الملف المائي وإهدار الثروة المائية اللبنانية مجاناً، سيدفع إسرائيل عاجلاً أم آجلاً إلى المطالبة أمام المجتمع الدولي بتكريس أسس جديدة للمياه في المنطقة تسمح لها باستغلال المياه اللبنانية المهدورة لتلبية عجزها المائي البالغ ملياري م3 سنوياً، خصوصاً وأنها صرحت بذلك مراراً وتكراراً في المؤتمرات المائية العالمية.

ومن هذا المنطلق يتساءل عن سبب التأخير في مشروع الليطاني "ثاني مشروع عربي قومي دفاعي بعد السد العالي"، والذي تبلغ عائداته السنوية 62 مليون دولار أميركي، داعياً إلى عقد مؤتمر مائي وطني للتوافق على سياسات عامة تتبناها الدولة. 
 

نصرالله

النائب ناصر نصرالله يرى أن احتساب حق لبنان في حوض الحاصباني الوزاني ينبغي أن ينطلق من حقه الطبيعي في الانتفاع من المياه التي تجري على أرضه بشكل منصف، لتلبية حاجة السكان والأراضي والمؤسسات الموجودة ضمن هذا الحوض وتأمين اكتفائهم مائياً، ما يعني بلغة الأرقام أن حصة لبنان من مياه الحوض تبلغ 55 مليون م3 كحد أدنى، مؤكداً عدالة هذا الرقم "لأننا نريد حقنا وحقنا فقط ولا نرمي أرقاماً فضفاضة لنثير حولها جدالاً".

ويلفت إلى أن عدم تنفيذ مشروع الاستفادة من مياه الحاصباني الوزاني قبل 40 عاماً بسبب الاعتداء الإسرائيلي السافر كبّد لبنان خسائر بمليارات الدولارات التي تراكمت عبر السنين لأن عائدات الأرض المروية تتجاوز عائدات نظيرتها غير المروية بستة أو سبعة أضعاف وتساعد على دوران الحركة الاقتصادية وتوسعها من خلال تثبيت الناس بأرضهم. 

إلا أن هذا الواقع لا يتناسب تماماً مع التهليل لتسعة أو أحد عشر مليوناً من الأمتار المكعبة وغض الطرف عن أضعاف هذا الرقم، لا بل إنه يشكّل دافعاً إضافياً للسؤال عن مصير هذه المليارات وسر اقتصار المشروع على هذه "العينة" من المياه اللبنانية والقعود عن متابعة ما كان يفترض أن يكون خطوة أولى على سبيل إعادة الأمور إلى نصابها، ما يطرح علامات استفهام حول جدية المشروع ويشكك بجرأة الدولة في تكراره!

نصر الله يرفض هذا المنطق، مؤكداً أن المقاومة أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن عقدة الخوف من إسرائيل قد انفكّت إلى غير رجعة، بدليل أن الطائرات التي دمرت المنشآت منتصف ستينيات القرن الماضي لم تجرؤ على تكرار الأمر اليوم. وإذ يرفض في الوقت نفسه "تخويف النفس" من العدوانية الإسرائيلية، يوضح أن المشروع نُفذ ضمن موازنة معينة لتأمين مياه الشفة، وليس لغايات زراعية أو صناعية، وهي حاجة أساسية تنبثق من الحفاظ على حياة الإنسان، ما ينفي أي طابع للتحدي قد يراه البعض في سحب المياه من على بُعد أمتار من الحدود مع العدو الإسرائيلي، لافتاً إلى أن هناك رؤية مستقبلية لاستعمال هذا الحق والاستفادة منه.

أما بالنسبة لما يُشاع عن الخوف من الإقدام على تنفيذ مشاريع جديدة تحسباً لرد الفعل الإسرائيلي، فيوضح أنه لا وجود للخوف في إدارة هذا الملف بدليل تنفيذ المشروع رغم كل ما أثير حوله، "ولكن هناك تروياً ووعياً في التعامل مع الظروف، ولا ريب أنه عندما تتغير هذه الأخيرة سيتم العمل على استغلال المياه المهدورة"، معتبراً أنه من الخطأ التوهم برد فعل إسرائيلي تعسفي، داعياً إلى الإقدام على تنفيذ المشاريع وتكريس حقوق لبنان ثم التعامل مع ما سيكون وبناء على الشيء مقتضاه.

ولكن كيف يفسر هذا الكلام على أرض الواقع، وهل يعقل أن تستمر المياه العذبة اللبنانية بتحلية البحر المتوسط (!) فيما معظم الشعب يشتري مياه الشفة من الأسواق؟

يرى نصرالله أن مشاريع المياه عموماً تعاني نقصاً في التمويل وهو أمر ينبغي إيجاد حل له كي لا يبقى مشروع الوزاني يتيماً، ولكنه يؤكد في المقابل أن الادّعاءات الإسرائيلية حول هدر المياه اللبنانية ليست سوى النتيجة الطبيعية لصنيعها على مدى عقود، فهي التي قصفت منشآت الوزاني، وأعاقت تنفيذ حلم مشروع الليطاني عشرات السنين، واعداً بإطلاق المرحلة الأولى من هذا الأخير في الربيع المقبل "حين ستبدأ الآليات بالهدير لإنجاز هذه المرحلة التي تؤمن مياه الري لـ 15 ألف هكتار، وتزود 90 قرية بمياه الاستعمال". 

بين عناد الأرقام وتصميمها المتشائم من جهة، وشرعية الآمال وتفاؤلها المدهش من جهة ثانية تتسرب المياه نحو البحر حيناً والجوار حيناً آخر، شأنها في ذلك شأن معظم مقومات الوطن التي يتفنن صناع القرار في تبذيرها، سهواً أوعمداً، من دون حسيب ولا رقيب.

§ وصـلات: