برك الجنوب
تراث وحاجة الى البشر والزراعة
المستقبل -- (الأحد، 18 كانون أول «ديسمبر» 2005)
بسام فقيه
بركة بنت جبيل
ظاهرة البرك من المعالم المعروفة في القرى والبلدات الجنوبية، ولا سيما في قضاءالنبطية و بنت جبيل. وهي تلعب دوراً مهماً في تلبية حاجة السكان إلى الماء للشرب أو الري والمواشي.

والبرك نوعان: برية تنشأ في خراج البلدات، مثل بركة الحافور في طرف مارون الراس الجنوبي، بالقرب من الحدود مع فلسطين، وداخلية في وسط القرى، تقام بعد اختيار أماكن مناسبة لها، لحبس مياه المطر بالأقنية. 

أما البرك البعيدة عن القرى فكانت مخصصة لشرب المواشي والخيل، وكانت البرك في خمسينيّات القرن الماضي مقصد الأهالي يغسلون فيها ثيابهم وأوعيتهم، وفي أحيان يسبحون فيها، ويروون الزرع أيضا.

وللدلالة على قدم برك القرى والبلدات، يشير المؤرخ مصطفى الحاج علي إلى أن في معظمها معالم أثرية، وتأكيداً لذلك تحدث أن الرحالة عن برك المياه، ومنهم روبنسون الذي خيم في محيط بركة بنت جبيل بين الثلاثينيّات والخمسينيّات من القرن التاسع عشر.

ويضيف: "إن معظم المسنين في عيترون يعرفون هذه الخبرية، ويروون الكثير عن بركة بلدتهم، التي تعني لهم الحياة، وهي أن مجموعة من الشبان من أبناء بلدة عيترون استخدموا الحيلة للتهرب من دفع الضرائب الواجبة عليهم للعثمانيين. وكانت الوسيلة التي استخدمها هؤلاء الشبان بركة هار، التي بنيت على أنقاضها حسينية البلدة، وهي في موقع قريب من بركة عيترون. انتعلوا مداسات (أحذية) حمرا وشبكوا بعضها بالبعض في البركة، وعند وصول الدورية التركية بدأ الشبان بالصراخ مطالبين بفك أرجلهم، عندئذ تركهم عناصر الدورية ظناً منهم أن هؤلاء مجموعة مجانين".

ولأن الحكايات كثيرة في القرى والبلدات عن هذه البرك، يروي الحاج علي أن "أحد المطلوبين عند الجيش العثماني، وهو من بنت جبيل، ويدعى عبد الحميد بزي، توجه مع فدانه إلى البركة لحراثتها، للإيحاء بأنه مجنون، ليتخلص من الخدمة في الجندرمة. لكن الإهمال الذي عانته القرى خلال الاحتلال الإسرائيلي، كانت نتيجته أن البرك القديمة أصيبت بضرر، ففي كونين ثقب كبير في بركة البلدة يؤدي إلى تسرب المياه منه بغزارة. وتعد بركة كونين من أقدم البرك، ويشير المواطن حسين عطوي إلى أن عمر البركة مئات السنين، ويحكى أنها من العهد الروماني، وهي تتسع لأربعة وعشرين ألف متر مكعب، وتسد بركة كونين حاجة البلدة، وعدد من القرى المجاورة، لا سيما في موسم التبغ. ويشير أستاذ العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية ناهض قديح إلى أن برك المياه في البلدات والقرى، مظهر تراثي وحاجة اقتصادية، إذ تعد مشكلة المياه من المشكلات الأساسية التي عانتها المنطقة منذ القدم حتى اليوم، وأزمة المياه مزمنة.

واعتمد السكان على مياه المطر في مياه الشفة، والحاجات الأخرى النظافة والزراعة وغير ذلك. وقد حدت الحاجة إلى المياه أحد نواب الجنوب عام 1947 على القول عن السكان "إنهم راحوا يتيممون بالتراب بدل الوضوء بالمياه، ويشترون صفيحة الماء بخمسين قرشاً وأكثر، ويسقون دوابهم من الماء الذي يشربون. ويضيف قديح: "كان يمكن لأزمة المياه أن تكون أحدّ لولا البرك في البلدات والقرى، إذ لا بلدة ولا قرية في المنطقة إلا فيها بركة أو بركتان تتجمع فيها المياه في الشتاء من الشوارع. وكان الأهالي يستعملون مياه هذه البرك لغسل الأواني والثياب والصوف وتصويل الحبوب وسقي المواشي، وأهم من ذلك سقي مشاتل التبغ، وري الشتول أثناء زرعها.

ويذكر المسنون في بنت جبيل أن البركة المعروفة بالحوارة، كانت أصلاً معدة للشرب، حيطانها مكلسة منذ أيام العشائر، وتتلقى مياهها من عين الصاعين. وقد حفر رئيس البلدية آنذاك الحاج عبد الحسين بزي قناة وصبها، لتصل المياه إلى الحوارة. وكانت البركة بالقرب من الجبانة، ومساحتها نحو دونمين، وعمقها نحو خمسة أمتار أو أكثر، إلا أنها ردمت وبقيت كذلك حتى العام 1994، حين بوشر تشييد بناء عليها، هو اليوم مركز شرارة ومركز بلدية بنت جبيل والقائمقامية ودوائر رسمية أخرى.

وهناك بركة كبيرة في بنت جبيل في الطرف الجنوبي الغربي، مساحتها أكثر من ستة دونمات، ومعدل عمقها أربعة أمتار، وفي وسطها بركة صغيرة تسمى القصعة، وكان المسنون يقدّرون عمقها بأن الخيال يقف فيها على فرسه ولا يظهر، وكان فيها حجر كبير يسمى المصلى، كان الرجال يصلون عليه، ولا يزال جزء منه موجوداً بعدما كسرته إحدى الجرافات. أما تعزيل البركة فكانت تتولاه كل عائلات البلدة، ولا سيما العائلتين الكبريين بزي وبيضون، وكان زعماء العائلتين يتقدمون الأهالي في العمل. ومن الأمور المعروفة أن أي شخص كان يتأخر عن المشاركة، كان ينقل حمل دابة أو أقل لرميها أمام بيته عقاباً له على فعله.

لكن البركة الكبيرة اصطادت عدداً من أبناء البلدة الذين كانوا يسبحون في مياهها، وسمي محيطها بصياد البركة، ربما بسبب ذلك. ويذكر المسنون أيضا أن أحد الخيالة من الجوار غرق مع فرسه في بركة بنت جبيل، التي مازالت من معالم التراث، لكن استخدامها تغير.
§ وصـلات: