مطالب مزارعي التبغ

تقابل بـ”تطنيش” رسمي
عدد العائلات العاملة يتناقض وأرقام “الريجي” 

السفير -- (الإثنين، 19 كانون أول «ديسمبر» 2005)
علي الصغير
حقول ومسابك التبغ على مد النظر “عونة” على شك الدخان
يتهيأ مزارعو التبغ في الجنوب لتوديع موسم والتحضير لبدء موسم جديد في دورة حياتية يومية تبدو أنها مستمرة أزلياً، دورة رسم “المنطاع” (أداة تستعمل لغرس شتلة الدخان في التراب)، خطوط يومياتها تشققات تميز أيادي أصحابها، فتصبح بصمتهم الشخصية، بحيث لا ينفصلان حتى بالموت. 

للجنوبي وشتلة الدخان قصة حياة شُكت يومياتها “بالميبر” (أداة حادة تستعمل لشك أوراق الدخان الخضراء كالمسلة الكبيرة) يوماً اثر يوم، ونُشرت على جدران الزمن المرّ، ومن ثم “نضدت” (تصفيف الأوراق بعد تجفيفها) في صناديق النسيان، ولتستمر حكايتها منذ الأيام الأولى لإنشاء شركة الاحتكار الفرنسية وحتى اليوم، حيث رغم تغير جنسية الشركة فقد بقيت صفتها الاحتكارية. 

وقد ساهمت فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان في زيادة هذا الترابط والتلاحم بينهما، حتى أصبحا يقرنان ببعضهما، فأينما ذكر الأول كان الثاني الحاضر الأكيد، لذلك فقد تحول هذا الارتباط خلال أكثر من عقدين من الاحتلال إلى كلمات للتغني وأفكار للإلهام لإنشاد أغاني الصمود وعزف ألحان التضحية. 
 

بين أرقام رسمية وحقيقة 

رسمياً، تشير أرقام شركة الريجي إلى أن 25 ألف عائلة يعملون في زراعة التبغ، حيث ينتجون حوالى ثمانية ملايين كيلو من التبغ سنوياً بمبلغ إجمالي يصل إلى 90 مليار ليرة، أي ان المعدل الوسطي لدخل كل عائلة من هذه الزراعة يبلغ 2400 دولار كل سنة. 

إلا أن الواقع رغم أنه يشير إلى صحة الرقمين الأخيرين لكمية الإنتاج والدخل الإجمالي، يظهر أن الرقم الأول هو أقل مما هو على الأرض، ففي بنت جبيل وحدها على سبيل المثال هناك حوالى عشرة آلاف عائلة يعملون بهذه الزراعة، فيما المسجلون هم حوالى 3300 عائلة فقط، ويزرعون حوالى 20 ألف دونم، بحيث يعتمدون عليها بشكل كلي أو جزئي، أي ان معدل الدخل السنوي لكل عائلة لا يزيد عن ألف ومئتي دولار، أي نصف معدل الدخل العام، وتنعكس هذه الأحوال في المناطق الأخرى بشكل أو بآخر. 

تجدر الإشارة هنا إلى أن كل دونم من الأرض حددت الشركة إنتاجه بمئة كيلو من التبغ، تستلمه من المزارع بمعدل عشرة آلاف ليرة للكيلو الواحد (معدل الأسعار للكيلو الواحد بين الصفر و12 ألف ليرة)، وكل رخصة هي عبارة عن إنتاج أربعة دونمات. 

يشرح المزارع عبد فرحات أسباب هذا الفرق، حيث يشير إلى “أن كثيرين من أصحاب الرخص لا يقومون بزرعها بأنفسهم لاعتبارات متنوعة، فيلجأون إلى تأجيرها لمن يزرعها بحيث قد تتوزع كل رخصة، والتي هي عبارة عن إنتاج أربعة دونمات، إلى أربع عائلات وببدل يتراوح بين 400 ألف و400 دولار للرخصة، تبعاً لحالة العرض والطلب”، وبذلك يتابع فرحات “فإن صاحب الرخصة يتحول إلى شريك للمزارع في إنتاجه دون تعبه، في حين أن الشركة تمتنع عن إعطاء رخص جديدة”. 
 

مطالب في مهب “التطنيش” 

ولا تقتصر مطالب المزارعين على موضوع الرخص، فهم يطالبون منذ فترة طويلة بجملة من التقديمات التي يرون أن من واجب الدولة منحهم إياها، ويلخصها رضا عطوي ب”تسجيلنا في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، رفع سقف الإنتاج المحدد بخمسة آلاف طن إلى سبعة آلاف، إضافة إلى تحسين سعر الكيلو وحصر الرخص بمن يزرعها فقط، إلى جانب إعادة العمل بالرخص القديمة، لا سيما أن قرى بأكملها خسرت تلك الأذونات بعد التهجير، كبلدات بيت ياحون وحانين، وأخيراً ان تستلم الشركة المحصول الفائض من التبغ المكدس في المخازن منذ سنوات، إذ يحدث كثيراً أن يزيد إنتاج الدونم الواحد عن المئة كيلو، بينما ترفض الشركة شراء هذه الزيادة”. 

وعن مصير هذه المطالب، يشير رئيس نقابة العاملين في هذا القطاع حسن فقيه الى أن “الدولة بوضعها الحالي بالكاد تستطيع تأمين ما هو مطلوب منها، فكيف إذا طلب منها أعباء إضافية؟”. 

أما الحقيقة المرة، فإن نتيجة تلك المطالب لم تتعد يوماً حدود الوعود وتكرير هذه الوعود مع كل إشراقة صبح وغروب شمس، حتى ملّ المزارعون أنفسهم من المطالبة، كي لا تُعاد على أسماعهم أهزوجة “صمود وعنفوان المزارع الجنوبي”، بحيث أصبحت كلماتها سمجة ووقعها ثقيلاً على أسماعهم في حين أنها لا تغني عن جوع ولا تشفي من مرض. 

§ وصـلات: