سراي صور
تشتت سكانها في سبعة أحياء
السفير -- (الثلاثاء، 20 كانون أول «ديسمبر» 2005)
ثناء عطوي
سراي صور، آيل للسقوط
يستلزم إجراء أبسط المعاملات الرسمية في مدينة صور، ساعات وأياما يتكبد خلالها المواطنون عذابا مضاعفا، جراء تشتت الدوائر الإدارية وتوزعها على أكثر من سبعة مبان، في سبعة مناطق وأحياء، بدل اجتماعها في إطار مبنى رسمي واحد هو السراي الحكومي، الذي لم تنعم به المدينة منذ أن أخليت السراي القديمة قبل ثلاث سنوات وتحديداً أوائل شهر حزيران 2002، بعد تأكيد التقارير الهندسية، التي رفعها مهندسو وزارة المباني التابعة لوزارة الأشغال حينها، وجود تصدعات وتشققات عميقة في أجزاء من السراي تهدد بسقوطها، ما دفع القيمين على تلك المؤسسات إلى اتخاذ إجراءات عاجلة كنقل مقر القائمقامية إلى شقة خاصة داخل المدينة، ونقل المفرزة البحرية إلى أحد المسابح الخاصة، ونقل المساجين وغيرهم، على أمل أن تبدأ ورشة الترميم، بحسب مدير المباني في ذلك الوقت المهندس محمد عبد اللطيف، بعد حجز نفقة لتحضير ملف التلزيم وحجز الاعتمادات اللازمة في غضون ثلاثة أشهر. 

إلا أن وعود المباشرة بالترميم لم تتحقق. كما لم تبصر النور السراي، التي وضع لها وزير الأشغال الأسبق نجيب ميقاتي الحجر الأساس، في السنة نفسها في احتفال حاشد. لا بل إن الحجر المذكور سرق من قبل مجهولين وضاع حلم السراي الذي صار أثرا بعد عين. وازدادت معاناة المواطنين مع انتقال مقر الأمن العام، قبل أشهر، من السراي المهدد إلى شقة مستأجرة، مع قدوم الشتاء. فيما بقيت دائرة النفوس والدائرة العقارية تشغلان السراي، ريثما يتم إيجاد مبنى مؤقت لهما. 

ويعتبر عذاب المواطنين اليومي، سببا لطرح موضوع السراي الحكومي في صور من جديد. وهو يترافق مع استياء من الأكلاف الطائلة لإيجارات المباني السنوية، التي تدفعها الدولة والتي تناهز مئات الملايين. إضافة إلى الكلام عن استئجار مبنى جديد يقع في نطاق العباسية العقاري، ستشغله القائمقامية والنفوس. وهو ما نفاه مصدر مسؤول في قائمقامية صور، الذي أكد أنها فكرة قديمة “ولم نعرف اين اصبحت اليوم”، لافتا إلى أن أحدا لم يبلغ قائمقامية صور قرار استئجار مبنى جديد، أو الانتقال من المقر الحالي، “الذي تأوينا فيه البلدية”، بعد أن أخذت على عاتقها استئجار المبنى ودفع نفقاته، بما يقارب أحد عشر مليون ليرة سنويا. ويلفت إلى استياء القائمقامية وأهالي المدينة وكل البلدات الواقعة في قضاء صور، التي تستفيد من هذه المؤسسات، “من إهمال المسؤولين وتمثيلياتهم”، التي كان آخرها وضع الوزير ميقاتي الحجر الأساس لسراي جديد، ظل حجرا حتى اليوم، لافتا إلى أن الدولة تتكبد أكثر من مليون دولار إيجارات سنوية، للدوائر الموزعة على ابنية وشقق سكنية هنا وهناك، معتبرا أن السبب الرئيسي في عدم حسم هذه المشكلة على الرغم من وجود أراض وملكيات كبيرة، تعود للدولة في مدينة صور، يمكن لها أن تضم كل المؤسسات الرسمية في مبنى واحد وجامع هو التنفيعات والحسابات الخاصة، التي تأتي في إطار الهدر والفساد والمحسوبيات. 

ويقول مأمور نفوس صور علي درباع “إننا نعمل عشر ساعات يوميا في مبنى السراي القديم ونحن على أعصابنا، نتوقع في كل لحظة أن ينهار البناء على رؤوسنا”. ويلفت إلى أنه منذ أن أخليت السراي قبل سنوات “ونحن ننتظر قرار نقلنا إلى مبنى آخر. وأن الجميع استبشر خيرا بعد تلزيم الأعمال قبل فترة، لكن حصلت مشكلات وألغي المشروع. وأعيد تلزيمها إلى متعهد جديد لا نعرف عنه شيئا بعد. ويدعو إلى حل هذه المشكلة في اسرع وقت، نظرا للأخطار المحدقة بالمبنى وشاغليه والناس الذين يرتادونه يوميا لإنجاز معاملاتهم. ويشير إلى أن وزارة الداخلية قدمت منذ فترة، عرضا يتعلق بمناقصة من أجل استئجار مبنى جديد مساحته مئة وعشرون مترا، لتشغله دائرة نفوس صور. وقد أقفلت المناقصة الشهر الماضي ولم نعرف اية تفاصيل عن المركز الجديد. 

مصادر الأمن العام في صور، الذي انتقل مركزه إلى مقر جديد قبل اشهر، أوضحت أن قرار الإخلاء جاء من قبل مدير عام الأمن العام، بعد اطلاعه على التقارير الهندسية الأخيرة، التي قامت بها مديرية المباني وأكدت فيها الخطر الذي يتهدد المبنى وكل من يرتاده. وتلفت المصادر إلى أنه فور وصول نسخة من التقرير إلى المدير العام، أمرنا بالإخلاء في غضون أسبوع. ولما كانت الإجراءات الروتينية تحول دون أن نخلي السراي بالسرعة اللازمة، إذ يتطلب استئجار مبنى جديد رأي المالية، التي سترسل بدورها لجنة للكشف ومن ثم إبداء الرأي بصلاحية المبنى أو عدمها، لنصل إلى حجز النفقات والاعتمادات وغيرها من الأمور التي تؤخر خطوة الإخلاء. وقد تدبرنا المقر الحالي على عجل وتكفلت بلدية صور بدفع الإيجار السنوي، الذي يبلغ عشرة ملايين ونصف مليون ليرة بمبادرة منها. وتشير المصادر إلى أن القيمين على مركز أمن عام صور، رفضوا منذ البداية إستئجار مبنى آخر، حفاظا على المال العام، فلا يجوز أن تتكبد الدولة ملايين الليرات، كإيجارات للمباني المشتتة خارج إطار المبنى الرسمي، كمباني المحكمة المدنية التي تستأجر جناحين والمالية والتنظيم المدني والأمن العام وغدا النفوس وغيرها. وتلفت إلى أنه مضى على وجود الأمن العام في المقر الجديد عدة أشهر، من دون أن تبدأ أي ورشة ترميم في السراي، علما أن المدة التي كان يفترض أن تستغرقها أعمال الترميم تصل إلى ستة اشهر “كما أبلغونا”، على أن نعود بعدها إلى مراكزنا في السراي كالسابق. 

ويوضح رئيس بلدية صور عبد المحسن الحسيني، أن البلدية تتكفل منذ سنوات بدفع أجرة مبنى قائمقامية صور، لتسهيل أمور المواطنين، على اعتبار أن صور تعد مركزا اساسيا لكل القضاء. ويضيف: إن البلدية تتكبد ايضا إيجارات المقر البلدي المستأجر حاليا. وتدفع واحدا وأربعين مليون ليرة سنويا، بدل إيجار طابقين للبلدية وطابق للقائمقامية وطابق جديد لمقر إتحاد بلديات صور. ويلفت إلى عجز البلدية عن إنشاء قصر بلدي، لان كلفته تبلغ 300 ألف دولار، بحسب الدراسة التي أجريناها، ما يعني تجميد 500 مليون ليرة تقريبا بدل استثمارها في مشروعات للمدينة. 

ويطالب أهالي المدينة، المستاؤون من تشتت المباني، الذي ينعكس تشتتا وعبئا عليهم، بضرورة الإسراع في ترميم السراي الحكومي. يقول محمد بيطار: لو صرفت المبالغ التي أنفقوها منذ إخلاء السراي عام 2002 حتى اليوم في مكانها، اي في ترميم السراي المتصدعة، لكانوا وفروا على خزينة الدولة وعلى المواطنين الكثير. واشار الى إن أي معاملة رسمية تتطلب منا تعطيل يوم كامل حتى ننجزها، فالورقة التي نحصل عليها من دائرة معينة ينبغي أن ندفع فاتورتها في مكان آخر. ويعتبر أن التواطؤ بين بعض المؤسسات والمتعهدين أخر العمل في السراي. وأن الهدر المستشري في المؤسسات هو الذي دفع بالمعنيين إلى وضع ملف السراي على الرف حتى أجل غير مسمى. 

ويعتبر أحمد خالد أن تشتيت الدوائر يضاعف أعباء المواطن. وأن لبنان يتراجع كل يوم في مجال الخدمات، في وقت تتطور البلدان الأخرى بسرعة قياسية. وبدل أن تستغرق معاملات جواز السفر في اي بلد نصف ساعة، تستغرق في صور يومين وكذلك المعاملات الشخصية كلها، ناهيك عن الأعباء المادية التي يتكبدها المواطن، نتيجة اضطراره إلى دفع كلفة مواقف السيارات أو التأخر في زحمة السير، خاصة أن الدوائر الجديدة موزعة داخل أحياء صور السكنية المكتظة.
§ وصـلات: