جزين تقاطع القانون “الجائر”
وإغراقها بالمدّ الجنوبي
السفير -- (الجمعة، 3 حزيران «يونيو» 2005)
كامل جابر
حركة خفيفة في سوق جزين
تتقدم وعورة الطريق وحفرها، من مختلف الجهات، إلى عاصمة الاصطياف جنوباً، مدينة جزين، على الفتور الخامد تحت رماد الاحتجاج و”االغيظ” تجاه الانتخابات النيابية المقررة الأحد المقبل، ليستقبلها أكثر “الجزينيين” بالمقاطعة العلانية، التي استبقت كذلك هذه الانتخابات، بمقاطعة المرشحين التقليديين و”الواعدين”؛ ما كرّس تزكية مرشّحي القضاء الثلاثة، على لائحة “التنمية والتحرير”، النائبين سمير عازار وأنطوان خوري والمرشح الجديد الدكتور بيارو فريد سرحال بدلاً من النائب جورج نجم. 

كثيرون من الوسط العام المقيم في جزين، يتفوقون على العازفين عن الاقتراع، بالعزوف حتى عن الكلام، وكذلك عن أسباب هذا “الصوم” وتلك المقاطعة. قد تكون التزكية بحد ذاتها قد اجترحت هذا الاستخفاف “الجزيني”؛ وأيضاً الموقف من القانون الانتخابي الذي ينعته أكثر من واحد ب”الجائر”، المكرس للنائبين المارونيين والآخر الكاثوليكي من قبل أكثرية انتخابية “شيعية” وربما من أكثرية مطلقة، غيّرت النمط السائد في انتخابات جزين، منذ عهد الاستقلال، الذي كان يتيح للمرجعيات الجزينية، وعائلاتها “التقليدية” الإتيان بالمرشح الثالث الكاثوليكي، حتى من خارج الجنوب، على نحو ما جرى في انتخابات عام 1964 إذ جيء بالمرشح الكاثوليكي البيروتي، السوري الأصل، رجل الأعمال سيمون صحناوي؛ وفي عام 1968 بالمرشح الكاثوليكي البيروتي، رجل الأعمال بيار فرعون؛ وفي عام 1972 بالمرشح الكاثوليكي البيروتي، رجل الأعمال جورج أبو عضل الذي لم يوفق بالنجاح. وكان من أهم اللاعبين على المسرح الجزيني، في الحقبة الممتدة من عام 1943 مارون كنعان وجان عزيز، ثم لاحقاً، ادمون رزق. كل ذلك كان يتم على قانون “القضاء” الذي يطلق للجزينيين، دون سواهم، اليد الطولى في اختيار نواب القضاء. 

ثم جاء قانون الألفين، المتطوّر عن القانون الذي ساد طوال ثلاث دورات انتخابية، 1992 و1996، و2000، الذي جعل من جزين قضاءً انتخابياً ضمن دائرة جنوبية واحدة، من محافظتين، تشارك في اختيار مرشحي جزين ومنطقتها، إن لم نقل تحدد اختيار هؤلاء المرشحين. وربما يكون القانون الحالي قد خفّف عن جزين ومنطقتها، ذات الأكثرية المسيحية، “وطأة” التعميم الجنوبي الشامل، بضمّها إلى قضاءي النبطية ومرجعيون حاصبيا، بيد أنه حرمها من سند مسيحي في قضاءي صيدا الزهراني، وصور؛ وآخر سنّي، يرجّحان كفة “الاعتدال” إلى حدّ ما. 

في جزين، همس، عن مصير نيابي يقرره الناخب الشيعي “من دون جميل الناخب الجزيني”. ولذلك هم “براء” من هذا الاختيار، “ليس اعتراضاً على المرشحين، إنما على القانون والشكل”، على حدّ قول صاحبة أحد المحال التجارية، التي امتنعت عن ذكر اسمها، مثلما كانت ممتنعة في البداية، حتى عن الكلام. 

وفي المقابل، تبدي ماكينة النائب سمير عازار، ارتياحاً تجاه وضع “المؤيدين” الذين “خفّفت التزكية بعض حماستهم، لكنهم سيتوجهون يوم الاقتراع إلى الصناديق للإدلاء بأصواتهم إلى اللائحة”؛ والكلام لأحد العاملين في ماكينة عازار نبيل رحيّم الذي يردف: “التحضيرات تتم على أكمل وجه كأن التزكية لم تحصل؛ وواجب الاقتراع مقدس، سواء في جزين أو في كل أقضية الدائرة. وسيتوجّه المؤيدون لخط سمير عازار ليقترعوا بكثافة ويمطروا بأصواتهم صناديق الاقتراع”. 

في سوق جزين لا تغيب “الوشوشات” المتعلقة بالانتخابات، وإن كانت تميل في معظمها نحو المقاطعة؛ لماذا؟ “لأن البعض حاكمينا والمرشحون مفروضون علينا”؛ بحسب بولس خوري الذي يضيف: “منذ سنة 1992 والغبن يلحق بجزين؛ ربما من الممكن أن ننتخب المرشحين الحاليين، لكن ذلك يجب أن يتم باختيارنا وليس بما يُفرض علينا، فرضاً. الوحدة الوطنية بالتكافؤ وليس بالفرض”. 

ويسأل ميلاد رزق عن موقع الانتخابات “وين، وبأي لبنان؟”. ويتابع مارون الحايك: “اثنان عيّنهما الرئيس برّي وآخر السيد حسن نصرالله، ويقولون شركاء في الوطن. عملوا انتخابات واللي بيطلع يطلع، صحتين على قلوبهم”. 

أما المقاطع الأبرز منذ عام 1992، إدمون رزق، الذي تربع على المقعد الماروني في جزين منذ انتخابات عام 1968، مروراً بانتخابات 1972، في المرة الأولى إلى جانب جان عزيز وبيار فرعون، وفي الثانية مع فريد سرحال ابن شقيقة مارون كنعان ونديم سالم، الذي استمر بعده في دورتين متتاليتين، فتحلو له الإقامة “على أبواب الصيف” في البيت التراثي الجزيني، المبني عام 1780؛ ويلفت إلى أن “جزين غير مهتمة أو مكترثة، وتحتقر المهزلة المبرمجة المتسترة زوراً بمقولة الانتخابات. تقف موقف الازدراء أمام ما يجري وتترفع عن أن تكون معنية بهذا الإخراج التافه. جزين متضامنة إلى ما لا نهاية مع روحية شعب الجنوب وترفض أي تصنيف مذهبي أو طائفي لأنها تتشبث بانتمائها الجنوبي اللبناني، ولعلها تشعر بمسؤولية أكبر في التعبير عن معاناة الجنوبيين؛ وخصوصاً الفئات المستضعفة والمقموعة والرازحة تحت ثنائية المصادرة، المتمثلة بتحالف هجين بين حركة أمل وحزب الله؛ وتشعر بمرارة لكون حزب الله يتصرّف بطريقة تفقده حصانته الوطنية، لأنه يتحول إلى شريك في محاصصة وصولية... ثمة ظاهرة مؤلمة في توسل الأساليب المذهبية والطائفية الدينية تبرز من خلال التكليف الشرعي، أي إقحام المرجعية الدينية مباشرة في تصنيف اللوائح. مما يعني خفض مستوى الشأن العبادي إلى البازار الانتخابي وبالطبع هذا يتنافى عضوياً مع مفهوم الديموقراطية التي تفرض تكافؤ الفرص وحرية الفرد في أخذ قراره وتحديد خياراته؛ والحالة القمعية عامة ولا تقتصر على جزين”. 

ويحمل رزق على الرئيس برّي، فيقول: “بأي حق يقول (الرئيس) نبيه بري أن فلاناً أو فلاناً من المرشحين هو خط أحمر؟ وبأي عين يجاهر بأن فلاناً من المرشحين قد اختاره حزب الله بدلاً من آخر، ثم يصنف المرشحين على أساس العائلات، في حين أنه لا يفتأ يناصب العائلات الجنوبية ذات التاريخ العريق العداء ويدّعي محاربة الإقطاع، بينما ينحو نحو إقطاعية مستحدثة، بمظاهرها الفاقعة، بحيث يمكن مثلاً، وبالعين المجردة، رؤية قصره في المصيلح الذي تتسع قاعة واحدة منه لداري الطيبة وكفررمان مجتمعتين، فضلاً عن المجمعات المسماة ثقافية ومبنية على أرض الغير”. 

وعما يلامس شعور أهالي جزين، يقول: “المسألة ليست مسألة أهالي جزين، فهم لا يريدون معاملة خاصة، لكنهم يرفضون هذا التمييز العنصري الذي يمنع الناخب من تحديد خياراته. والواقع إن جزين تشكو إغراقها بالمد الجنوبي، سواء على مستوى المحافظتين المدموجتين في قوانين 1992 و1996 و2000، حيث يبلغ تعداد الناخبين نيفاً وستمئة ألف، أو على مستوى التقسيمات الغريبة العجيبة حيث تنتزع جزين من محافظة الجنوب لتضم إلى محافظة النبطية. وكيف يمكن التحدث عن تكافؤ الفرص وحزب الله مسلح ومرشح ويصدر فتاوى وتكليفات شرعية و(الرئيس) نبيه بري موجود على رأس سلطة تشريعية يختزلها ويحتكرها ويبتزها ويستغل قيام الدولة بمشاريع لينسبها إلى نفسه ويقوم بتدشينها في موسم الانتخابات ويتصرف بمجلس الجنوب ويجمع الأموال من مصادر معلومة ومجهولة ويستخدم الأجهزة والإدارات لإحكام قبضته على الساحة الانتخابية دون أن يسأله أحد من أين له هذا وكيف يجيز لنفسه هذا الاستئثار؟”. 

وكرّر رزق ما أعلنه عشية انتخابات عام 2000 “من عدم الاعتراف بالانتخابات وإعلان بطلانها سلفاً وبالتالي لا شرعية السلطة المنبثقة منها بمختلف مستوياتها ولن يكون النائب نائباً ولا الوزير وزيراً ولا الحكومة حكومة ولا أي رئيس رئيساً. وستبقى السلطة سلطة أمر واقع بينما السلطة الحقيقية قد انتقلت إلى الشارع منذ 14 آذار وستظل في الشارع إلى أن يستعيد الشعب إنتاج سلطته الوطنية”. ولن ننسى أن (الرئيس) إميل لحود هو من وقع قانون الألفين مشروعاً وأصدره قانوناً؛ وأن (الرئيس) نبيه بري يترأس المجلس النيابي منذ 13 سنة ولم يقم بأي بادرة تنم عن حسن نية وقد اعترف هو بذلك، كما اعترف إميل لحود في رسالة رفع العتب التي بعث بها إلى المجلس بأن القانون جائر ولم يقم بأي خطوة لتغييره. إن هذا القانون بحد ذاته إدانة لكل هؤلاء ويشكل وصمة عار ستلازمهم، وعيباً متمادياً ينتقص شرعيتهم”. 

وعلى خط آخر، يمتد نحو جزين، يسود نمط “مسيحي” مشابه في المقاطعة واللا إكتراث، يبدأ من الجرمق، مروراً بالعيشية، وبكفرحونة، ونزولاً نحو إقليم التفاح، بحيطورة وزحلتي، وغيرها، صور يتيمة لبعض المرشحين عن قضاء النبطية، لا غير. 

في العيشية يجاهر رئيس بلديتها مرسيل عون، بموضوع المقاطعة “وللناس والمقاطعين أسبابهم” يقول، ويردف: “لا بصمات إنمائية على العيشية وتعاني البلدة من حرمان متعمّد، من القيّمين على الجنوب، هناك تعاطٍ باستخفاف، لن يعطي اليوم حماسة لأحد، فالناخب يعرف مصلحته ويقدر اختياره. الناس هنا استبعدت عن الاستشارات والإطلاع على آرائها في الحدّ الأدنى، خصوصاً في اختيار المرشح المسيحي. وعتبنا على حزب الله الناقد باستمرار للفساد ومعروف بنزاهته، فإنه يوافق أخيراً على أن يكون رافعة للمفسدين من المرشحين؛ وكأن المطلوب من الناس مشاركة الحزب حتى في القرار الخاطئ، مع العلم أن المرشح الفاسد لن يشكل ضمانة للمقاومة أو لسلاحها، بل سيكون أول من يوجه حربته إلى صدرها. لذلك، على الحزب الذي نحترم ونجل أن يحافظ على نسيج علاقته من الناس في القرى المسيحية وغير المسيحية، خصوصاً العيشية. المقاومة يحفظها التنوع مع إصرارنا على علاقتنا بها وبممثليها، ولن نستبدلها بأحد، لا اليوم ولا غداً”. 
§ وصـلات: