النشاط الحزبي في القرى المسيحية
من قضاء بنت جبيل
عودة عون وإطلاق جعجع حرّكا الوضع المجمّد
النهار -- (السبت، 22 نيسان «أبريل» 2006)
هند خريش
لقاء جمع مناصري أحزاب عدة في عين إبل (صيف 2005)
تجدد نشاط بعض الاحزاب في القرى المسيحية من قضاء بنت جبيل ليس ظاهرة جديدة، فنشاطها يعود الى العام 1950 تاريخ تأسيس اقيلم بنت الجبيل الكتائبي. أما الاحزاب الاخرى ومنها "القوات اللبنانية" و"الوطنيون الاحرار" و"حراس الارز" و"التيار الوطني الحر" فقد نشط مناصروها ابان الحوادث اللبنانية ولكن نشاطاتهم اقتصرت على مدة زمنية محدودة. 


يروي الكتائبيون المخضرمون ان اقليم بنت جبيل الكتائبي كان من أهم الاقاليم في محافظة الجنوب التي ضمت أقاليم الزهراني – صور – حاصبيا ومرجعيون، من حيث عدد المنضمين اليه من كل الطوائف، وكان له أقسام في برعشيت وصفد البطيخ وبلغ ذروته في السبعينات. وكان الكتائبيون رغم انتمائهم الحزبي، يمارسون الديموقراطية بحرية في علاقاتهم السياسية والاجتماعية الخاصة. عام 1975 قوي الوجود الكتائبي في المنطقة على اثر اندلاع الحرب اللبنانية وأدى وجود عدة أحزاب في قرى المنطقة كالفصائل الفلسطينية والحزب الشيوعي والحزب التقدمي الاشتراكي ومنظمة العمل الشيوعي و"جيش لبنان الجنوبي" والانصار وغيرها من الاحزاب الى ارتفاع عدد المنتسبين الى الحزب. 

عام 1976 حصلت أحداث أمنية فخاضت المنطقة المواجهات مع الفصائل الفلسطينية تحت "لواء الكتائب". 

أقفلت الطرقات وتمركز الكتائبيون في محيط القرى، ولا سيما عين ابل وكانوا في المواجهة مع الفلسطينيين في منطقة صف الهوا وجوارها. في هذه الفترة دخلت المنطقة في دوامة الحوادث اللبنانية تحت شعار الكتائب "الله – الوطن والعائلة" وتحول الكتائبيون من العمل الحزبي الى العمل العسكري. 

عام 1978 تاريخ الدخول الفعلي لقوات الاحتلال الاسرائيلية الى المنطقة توقف العمل العسكري للكتائب وبقي النشاط الحزبي محصورا داخل الاقليم وأقسامه. 

عام 1980، وبالتعاون مع "جيش لبنان الحر" الذي عرف بجيش سعد حداد، تصادمت القوات الاسرائيلية مع الكتائبيين وهاجمت مراكزهم في محاولة لانزال الاعلام الكتائبية واللبنانية عنها بغية قمع نشاطاتهم واقفال الاقاليم والمراكز. فكانت مشادة كلامية فعراك أنزلت القوات الاسرائيلية على أثره الاعلام الحزبية وبقيت الاعلام اللبنانية وحدها وبالقوة مرفوعة بعد سلسلة اتصالات من بيروت ومساع لتهدئة الوضع. 

رويدا رويدا مارست القوات الاسرائيلية قمعا منظما ضد الكتائبيين الى ان أصدرت قرارا منعت على اثره كل الاحزاب في المنطقة من ممارسة اي نشاط حزبي. الى جانب حزب الكتائب نشط في المنطقة بين 1978 و1980 مناصرون للوطنيين الاحرار نشطوا على نطاق ضيق، وخصوصا في بلدات رميش ودبل وعين ابل. 

أما "القوات اللبنانية" فقد نشط عناصرها في منطقة بنت جبيل في اواخر السبعينات تحت "لواء الكتائب" فيما كان نشاطها الحزبي الابرز في القطاع الشرقي وشرقي صيدا حتى ايار 1985 فترة التهجير من شرق صيدا والاقليم، حيث برز عملها تحت اسم "التجمع المسيحي الحر" الذي نشأ شتاء 1984 وترأسه قائد القطاع الجنوبي في "القوات اللبنانية" نزار نجاريان المعروف بـ"نازو" والذي نشط بعد التهجير في عقد اللقاءات والاجتماعات في قرى القضاء المسيحية وضم التجمع ناشطين من كل الالوان وترك أثره في التحركات واللجان التي شكلت عقب التهجير. ولكن عمله انتهى في ايلول 1985 بقمع منظم مع تسيير دوريات أمنية لقوات الامر الواقع بهدف قمع التظاهرات والنشاطات الحزبية حفاظا على الامن. 

مناصرو حزب "حراس الارز" نشطوا في عين ابل، حيث كان للحزب مقر موقت كون ئيسه اتيان صقر ابن البلدة فتقرب منه اقاربه وأصحابه ولكنه سرعان ما انتقل الى منطقة مرجعيون ابان "حرب التحرير". وقد نشط مناصروه بين مرجعيون وجزين وتحديدا في محلة صباح حيث اصدر الحزب منها لفترة البيانات الاسبوعية وعقد عددا من اللقاءات والاجتماعات. 

عام 1990 عاد النشاط الحزبي الى المنطقة مع انصار "التيار الوطني الحر". برز العونيون في جزين ومرجعيون والقليعة وعين ابل ورميش بشكل علني مع تشكيل "المكتب المركزي للتنسيق الوطني" تعبيرا عن تأييدهم العماد ميشال عون مع تشكيل الحكومة الانتقالية برئاسته و"حرب التحرير" وما رافقها في تلك الفترة... وأطلقوا عبر المركز عددا من التظاهرات والبيانات والاعتصامات التي واجهها الاسرائيليون ايضا بالقمع رافضين اي تنظيم حزبي او سياسي في المنطقة. 

منذ 1992 غابت القرى المسيحية عن النشاط الفعلي للأحزاب اللبنانية، وغادرها معظم الناشطين الحزبيين الى الداخل اللبناني او الى المهجر. 
 

بعد التحرير 

بعد التحرير وزوال الاحتلال الاسرائيلي لم يكن العمل الحزبي سهلا على المسيحيين الخارجين من الاحتلال بملفات مثقلة بتهمة العمالة ودخول بلاد العدو وغيرها من الامور التي يقاضي عليها القانون اللبناني... 

ولم يكن سهلا على الحزبيين مع مراقبات أمنية وعسكرية معاودة نشاطاتهم داخل قراهم. لكن ذلك لم يمنع عناصر "القوات اللبنانية" من التواصل في ما بينهم داخل الخلايا الطالبية في الجامعات حيث عملوا على اعادة تنظيم تجمعاتهم بطريقة سرية. وأدت مشاركتهم في 7 آب 2001 الى توقيف عدد منهم بتهمة اثارة النعرات الطائفية. بعد أشهر إتهم عدد منهم بإلقاء مناشير تحريضية داخل عين إبل، واقتيد 16 الى التحقيق وتمّ سجن 3 منهم. بعد هذه الفترة توقف عملهم داخل قراهم بناء على توجيهات مسؤولة من القياديين واقتصر نشاطهم على نشاطات اجتماعية – طالبية في بيروت حتى اواخر 2002، عندما عاودوا نشاطهم السياسي بطريقة سرية حتى صيف 2004 حيث نشطوا في رميش ودبل ولم تخل نشاطاتهم من مضايقات متقطعة. 

الى جانب الشبيبة نشط أواخر 2003 القواتيون المخضرمون وأعادوا ترميم علاقاتهم مع المسؤولين عن الحزب. هكذا نمت علاقة خجولة كانت المراقبة الامنية والعسكرية لها بالمرصاد. واستمر الوضع على ما هو عليه حتى 14 آذار 2005 عندما تحرك مناصرو القوات والعونيون في جامعة الكسليك – فرع رميش وبعض الثانويات معبرين عن رغبتهم في المشاركة في التظاهرة فاصطدم تحركهم بمنع "مؤدب" تحت شعار "وضع المنطقة الجغرافي والوجودي لا يسمح بتعكير العلاقات مع الجوار وخلق أجواء من الحساسية"... 

التحرك الثاني العلني كان مع مشاركة المحامي سامي الجميل بقداس عيد الشهداء في ايار من العام ذاته في كنيسة السيدة في عين ابل بحضور كتائبي وقواتي بارز. 

التحرك الثالث جاء بمسيرات عمت القرى المسيحية مع عودة العماد ميشال عون من منفاه الباريسي. أما التحرك الرابع الذي كرّت معه السبحة فكان اطلاق سراح قائد القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع حيث عمت المهرجانات والمسيرات السيارة قريتي عين ابل ورميش بمشاركة جميع الناشطين في القرى المجاورة. 

عقب هذه التحركات كانت لقاءات مع وزراء قواتيين ونواب عونيين للناشطين انعقدت في بلدتي رميش وعين ابل.
 

"القوات اللبنانية" 

عن العودة الخجولة للنشاط الحزبي لـ"القوات اللبنانية" في منطقة بنت جبيل، حدثنا المسؤول عن القوات في المنطقة المهندس جان العلم فقال ان زوال الاحتلال "سمح لناشطي القوات اللبنانية" بالتحرك واصبح بامكانهم المجيء الى قراهم، ولكن هذا التحرك اقتصر في البدء على الطلاب الجامعيين نظرا الى خصوصية المنطقة من جهة ووجود قائد القوات في السجن في ظل عهد الوصاية من جهة اخرى، مما أبقى نشاطنا في المنطقة محصورا في ما بيننا وغير معلن. وشكل 14 آذار يوما تاريخيا ومفصليا لنا كحزبيين. فقد أعطى هذا التاريخ دفعا كبرا لناشطي "القوات اللبنانية" اسوة ببقية قوى 14 آذار. بعد هذا التاريخ انطلقنا رويدا رويدا الى العلن عبر نشاطات واجتماعات في بلدات رميش وعين ابل ودبل والقوزح. وبعد الافراج عن الدكتور سمير جعجع نشطنا عبر لقاءات في قرانا مع الوزراء والنواب القواتيين، وكان خيارنا في هذه المنطقة كـ"قوات لبنانية" التواصل والحوار مع كل الافرقاء على الساحة الجنوبية والعمل من أجل الوحدة الوطنية الحقيقية والحفاظ على التفاعل وتعزيز العلاقات مع الجوار في القرى المجاورة، مع اعادة الترخيص لـ"القوات اللبنانية" واعادة تنظيم هيكلية الحزب. ننتظر القرار المركزي لاتخاذ الموقف المناسب في شأن اقامة مركز للقوات في منطقتنا، خصوصا ان للحزب حضورا قويا هنا. 

في الوقت الحالي تقتصر نشاطاتنا على لقاءات فكرية ونشاطات تربوية وثقافية وأنشطة رياضية. نأمل كفريق حزبي هنا ان تتطور الاوضاع في لبنان الى الافضل بشكل يسمح لنا بالتحرك بارتياح اسوة ببقية الاحزاب الموجودة في هذه المنطقة، لاننا جزء من نسيج المجتمع الحدودي وعلينا الوقوف عند تطلعات شريحة من مناصرينا والاهتمام بمواقفهم وخطهم السياسي والحزبي واحتياجاتهم ومساعدتهم". 
 

الكتائب اللبنانية 

عن حزب "الكتائب اللبنانية" حدثنا مخضرم عايش مراحل نمو الحزب قبل الحوادث وبعدها، فقال انه كان "لحزب الكتائب دور أساسي في حقبة مهمة من تاريخ المنطقة". 

تأسس الحزب في المنطقة عام 1950. والزيارة الشهيرة لمؤسس الكتائب الشيخ بيار الجميل الى عين ابل عام 1952، جمعت مناصرين من كل الطوائف التي يتألف منها المجتمع الحدودي من أبناء حداثا وبرعشيت وصفد البطيخ وعين ابل ورميش ودبل وبنت جبيل والقوزح ويارون، وقد انتسب عدد كبير منهم في السبعينات حيث ارتفع العدد من خمسماية الى سبعماية وخمسين، ولعب هؤلاء دورا عسكريا مع بدء الحوادث الامنية التي شهدتها المنطقة. ولكن بعد 1978 توقف العمل العسكري للحزب وبدأ يضيق عليه الخناق من قوات الاحتلال التي أمرت بتوقف نشاطه اسوة بالاحزاب الاخرى. وبعد التحرير عاد عناصره الى لملمة بعضهم فكان اول لقاء علني في تشرين الاول 2002 خلال جولة لرئيس الحزب آنذاك كريم بقرادوني ونائبيه رشاد سلامة ونادر سكر ووفد مرافق على اقليم بنت جبيل حيث المقر في عين ابل وانعقد لقاء موسع مع المناصرين عقبه مشاورات مع "حزب الله" وحركة "أمل". 

اللقاءات بين مناصري الحزب في المنطقة ومسؤولو البيت المركزي والاقاليم في العاصمة استمرت على نطاق محدود. وأخيرا بعد توحيد الحزب تفقد نائب الامين العام للحزب بيار بعقليني يرافقه رئيس مجلس محافظة الجنوب جورج حداد مقر بيت الكتائب في عين ابل، وقام بعقليني بتسليم رئاسة الاقليم الى ادغار بركات خلفا لجورج شوفاني. واليوم يدرس المنضوون في هذا الاقليم كيفية اعداد هيئة جديدة له كعود على بدء لاحياء اقليم بنت جبيل، مع التركيز على اقامة علاقات جيدة مع الاحزاب المختلفة في المنطقة انطلاقا من التعددية الديموقراطية، ليتسنى للجميع التعبير عن رأيهم من منطلق التحاور في ما بينهم لان على كل فريق ابراز وجوده من منطلق احترام رأي الآخر ووجوده كقوة فاعلة في مجتمع متعدد الطائفة والمذهب، لنشعر اننا فعلا ديموقراطيون في بلد يتغنى بالديموقراطية...!" 
 

"التيار الوطني الحر" 

عن "التيار الوطني الحر" حدثنا المسؤول عن الموارد البشرية والتعبئة في قضاءي صور وبنت جبيل مروان العلم الذي قال ان الحزب "لم يجد صعوبة في التحرك والدخول الى القرى كلها". يعود ذلك الى ان انطلاقته ترتكز على انه تيار وطني جامع لكل اللبنانيين انطلاقا من مبدأ فصل الدين عن الدولة. ولكن برز الخوف عند البعض بفعل بعض الممارسات المخابراتية بعد توقيع وثيقة التفاهم بين العماد ميشال عون والامين العام لحزب الله حسن نصرالله، اذ برز الحزب كعامل توحيد جمع كل اللبنانيين على اختلاف طوائفهم. لكن وثيقة التفاهم مع "حزب الله" سهلت علينا عملية التواصل بسرعة واعطت نتائج فعالة في مدة زمنية محدودة. من هنا انطلقنا في المنطقة بالتركيز على المجموعات الناشطة في كل قرية من حيث التنظيم والانتساب وميثاق التيار لانشاء مركز في كل قرية لاحقا. ولكننا ندرس انشاء مقر مركزي في القضاء في القريب العاجل. لدينا برنامج عمل وفقا لروزنامة نحضرها تشمل نشاطات لكل الاعمار والمناطق اضافة الى تحركات نوعية ونشاطات منوعة ومعارض تهدف الى استكمال أهداف "التيار الوطني الحر" وتنظيم عمله الحزبي. 

يدنا هنا في المنطقة ممدودة للجميع لتحسين واقعها على الصعد كلها بعيدا من سياسة التخوين لبناء وطن للجميع. ونحن كأبناء لهذه المنطقة نشكر العماد ميشال عون على اعتباره هذه المنطقة جزءا لا يتجزأ من لبنان واهتمامه بها في وقت نسيها عدد كبير من المسؤولين". 

تركيبة القرى المسيحية في قضاء بنت جبيل تختلف عن سواها من القرى المسيحية في بقية المناطق اللبنانية. فالاحتلال ترك جرحا عميقا في نفوس الاهالي الذين ذاقوا لوعة ذيوله، كما ان سياسة هز العصا التي طالت فلذات أكبادهم بعد التحرير تركت شرخا بينهم وبين ضابطي الامن من أمنيين وعسكريين وحزبيين وبين تطبيق أحكام القانون اللبناني الذي غابوا عن أحكام تطبيقه مدة ربع قرن. انطلاقا من هذه الهواجس بات عليهم من الصعب تقبل العودة الى الوراء وتحمل مرارة جديدة يتخبطون معها بين ما يسمى الولاء والانتماء، فيما الجيل الشاب لا يستوعب معنى الذل والارتهان ويسير قدما للخروج من سجن الجنوب الذي كان في السبعينات خزانا بشريا صدّر خيرة شبابه الى مؤسسات الوطن، وخصوصا العسكرية والامنية منها. 

الجيل الشاب وبعد ست سنوات من التحرير يرى نفسه محروما هذه الوظائف ومن وظائف رسمية اخرى سعى بعضهم الى الاندماج فيها، وسرعان ما فوجئوا بعدم قبولهم تحت تهم عدة منها "تهمة العمالة". وبرأيهم فان الانتماء الحزبي او الولاء لجماعة نافذة تستوعبهم وتعنى بأمرهم ضرورة للتعبير عن رأيهم غير المسموع والمحجوب كثيرا في هذا الجنوب. 

من هذه النقطة الاخيرة تظهر فجوة عدم اتباع سياسة مرنة بعد التحرير لاستقطاب هؤلاء الشبيبة انطلاقا من الوقوف على آرائهم وتقبلهم لايجاد التوازن في هذا المجتمع الحدودي. 

مع عودة نشاطات الاحزاب المسحية التي شقت طريقها صعودا الى المنطقة الحدودية من قضاء بنت جبيل يرى ناشطون ان الانتماء اليها ضرورة ماسة للتعبير عن الرأي ولإثبات الوجود، ولا سيما ان منطقتهم جزء من لبنان وهم قادرون على الاندماج في تركيبة الوطن ليكونوا جزءا فعالا فيه. 

الى هذه الاحزاب وعناصرها، هناك حزب لم يشأ القدر له ان تكتب ولادته، ولو حصلت لكان الحزب الذي وحّد الشبيبة المسيحية في هذه المنطقة، ألا وهو "حزب النهار" وقد أراده النائب الشهيد جبران تويني الذي تمتع بشعبية قوية وحضور بارز بين شبيبة المنطقة، وكان الصوت المدافع عنهم دائما. وعندما دخل البرلمان طلبوا منه عدة مرات ان ينكب على تأليف الحزب الذي طالما حلم به، ولكن القدر كان أقوى.

§ وصـلات: