"مفاجأة الفجر":
اعتقال أبرز شبكة إسرائيلية في لبنان
اعترافات بجرائم الشقيقين المجذوب وعلي صالح وأعمال إرهابية في العاصمة والجنوب
السفير -- (الإثنين، 12 حزيران «يونيو» 2006)
حسين ايوب وطارق ابوحمدان
محمود قاسم رافع
أمسكت مديرية المخابرات في الجيش اللبناني بما أسمته مصادرها “إحدى ابرز الشبكات في تاريخ لعبة المخابرات الإسرائيلية اللبنانية منذ العام 1990 حتى الآن”. 

وفتحت العملية التي أطلق عليها البعض “مفاجأة الفجر”، الباب أمام محاولة التعرف على ما ارتكبته هذه الشبكة وشبكات أخرى قد تتقاطع معها، من أعمال أمنية واستخباراتية إسرائيلية في الداخل اللبناني قد تتجاوز ساحة الجنوب والمقاومة، لتصل إلى حد طرح اسئلة حول ما إذا كانت هناك صلة بينها وبين بعض الأعمال الإرهابية في الداخل اللبناني. 

واستنادا إلى مصادر أمنية رسمية متطابقة أمكن رسم رواية أولية حول الشبكة التي أقدمت على اغتيال الشهيدين محمود ونضال المجذوب في السادس والعشرين من أيار الماضي في مدينة صيدا وهذه هي ابرز مفاصلها: 

لم تكد تلملم مدينة صيدا آثار التفجير الذي استهدف الشقيقين المجذوب، حتى تحركت الأجهزة الأمنية اللبنانية في محاولة منها للإمساك بخيوط توصل إلى منفذي الجريمة، وخاصة أن الأخوين المجذوب يخضعان تحركاتهما لإجراءات أمنية مشددة، بينها المراقبة بالكاميرات في الأماكن التي يرتادانها بصورة دورية وتبديل المنازل والسيارات الخ... 

تم التركيز على سيارة “المرسيدس” التي استخدمت في التفجير، وخاصة أنها كانت “مألوفة” وموضع “اهتمام” ورصد من قبل جهات أمنية رسمية قبل فترة من التفجير، وأمكن التعرف إلى طريقة التفجير ونوع العبوة المستخدمة وعثر أيضا على جزء من جهاز التفجير المزروع في باب السيارة الخلفي، لتبدأ بعد ذلك محاولة العثور على الجزء الآخر الذي يتم التفجير بواسطته لاسلكيا، والاهم من ذلك محاولة معرفة هوية الشخص الذي أتى بالسيارة الى ساحة الجريمة. 

في مدينة حاصبيا الجنوبية، كان الدركي اللبناني المتقاعد محمود قاسم رافع (59 عاما) قد أنجز المهمة المسندة إليه من قبل المخابرات الإسرائيلية، واستأنف حياته الطبيعية التي لا تشوبها سوى “شوائب غير بسيطة”، جعلته في الآونة الأخيرة تحت مرمى الأمن اللبناني. 

تتمثل هذه “الشوائب” في حالة من الترف المادي استرعت انتباه المحيطين به خاصة مع ارتفاع منسوبها في السنوات الأخيرة، فضلا عن علاقة عاطفية مع سيدة من خارج المنطقة كان يحيل إليها الفضل في حالة البحبوحة التي يعيشها وكذلك المبرر في انقطاعه عن حاصبيا فترات زمنية متكررة. 

تم رصد حركة محمود رافع على مدى عشرة أيام تقريبا (من 27 أيار حتى 6 حزيران)، وأمكن الحصول على معلومات عن حركة سيارة “المرسيدس”، فضلا عن علاقاته واتصالاته الهاتفية. 

وفي الساعة الصفر، تحركت مجموعة “مفاجأة الفجر” من المقهى الذي كان يرتاده رافع في حاصبيا، حتى “الفيلا” التي يقيم فيها عند الطرف الغربي لمدينة حاصبيا ونصبت له كمينا على بعد خمسين مترا من منزله، وكانت الساعة تقارب الخامسة فجرا، ولحظة محاولة إلقاء القبض عليه، حاول مقاومة العناصر الامنية، الا انه سرعان ما استسلم ونقل على وجه السرعة من الجنوب الى مقر مديرية المخابرات في بيروت، لتبدأ بعد ذلك القوى الأمنية من جيش وقوى أمن في منطقة حاصبيا عملية تمويه أمنية، تمثلت في تعميم أوصاف السيارات التي خطفت رافع وإقامة حواجز في المنطقة لهذه الغاية ومداهمة منزل آل رافع من قبل مخابرات الجيش تحت عنوان أخذ بصمات الخاطفين، ليتم العثور في داخله على “كنز” كبير من الأدلة داخل الكومبيوتر فضلا عن وثائق وخرائط وأجهزة اتصال ومعدات اخرى قيل إن بعضها اسرائيلي الصنع. 

وأحيلت كل المصادرات، ومن ضمنها سيارتا محمود رافع وهما من طراز “رانج روفر” و”بونتياك” الى مديرية المخابرات حيث كانت قد انطلقت عملية التحقيق مع المشتبه به بالتزامن مع توقيف ولديه وزوجته التي اعترفت، حسب المصادر الامنية، امام المحققين بأن السيارة التي استخدمت في صيدا “أمضت اياما عدة في منزل العائلة” قبل أن تتوجه الى جهة مجهولة. 

وقالت المصادر الامنية ل”السفير” ان رافع “ادلى امام المحققين باعترافات مهمة للغاية، بينها ارتكابه جريمة صيدا وأعمال تخريبية اخرى في بيروت والضاحية الجنوبية والجنوب تردد ان ابرزها عملية اغتيال القيادي في “حزب الله” علي صالح وكذلك عملية زرع العبوة على جسر الزهراني، فضلا عن عمليات اخرى”، يبدو ان مديرية المخابرات قد قررت التحفظ عليها، نظرا للادوار المسندة الى رافع حيث تبين انه احد “أعمدة” الشبكات الاسرائيلية في لبنان منذ نحو ستة عشر عاما. 

وقد رفضت المصادر الأمنية تاكيد او نفي ما اذا كان رافع قد اعترف بمسؤوليته عن جرائم اغتيال القيادي في “حزب الله” غالب عوالي وجهاد جبريل نجل الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احمد جبريل. 

وأشارت المصادر الى انه بعد نحو سبع ساعات على توقيف رافع، ألقي القبض على شاب آخر من حاصبيا هو س. ق. الذي قام بتأجير محمود سيارة “فان” استخدمت لنقل معدات تردد ان بينها باب سيارة “مرسيدس” تسلمه مفخخا وقام لاحقا بتركيبه بدل الباب الخلفي الاصلي للمرسيدس”. 

وحسب المصادر نفسها، يتركز التحقيق حول معرفة الجهة التي قامت بتسليم العبوة الباب الى رافع، في احدى القرى الحدودية الجنوبية الامامية، فضلا عن آخرين تورطوا معه في هذه العملية وعمليات امنية اخرى. 

وأبدت المصادر الأمنية خشيتها من ان يكون بعض المشتبه بهم قد تمكنوا من الفرار، رافضة الخوض في موضوع عدد افراد الشبكة وما اذا كان بينهم مواطن يحمل الجنسية الفلسطينية، لكنها قالت إن الشبكة فاعلة جدا وقائدها محمود رافع من الضالعين الاساسيين بأعمال تفجير متعددة وربما يكون مفتاحا للكشف عن شبكات بارزة جدا في تاريخ لعبة المخابرات الاسرائيلية على الارض اللبنانية في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الاهلية في لبنان.
 

حاصبيا:
توقيف رافع و4 آخرين ومصادرة سيارات ووثائق وأجهزة

وقع خبر توقيف أحد الضالعين الرئيسيين في عملية التفجير التي أدت الى إستشهاد الأخوين محمود ونضال مجذوب في صيدا المدعو محمود رافع على حاصبيا والجوار، وقع الصاعقة التي هزت الرأي العام الحاصباني وانعكس ذلك في نهاية الأسبوع تراجعا في حركة السير وأقفالا لبعض المحال التجارية. 

وفي التفاصيل الأولية المتوافرة حول كيفية اعتقال رافع، أن مجموعة أمنية لبنانية وضعت منزل المتهم محمود رافع تحت المراقبة الدقيقة منذ أكثر من عشرة أيام. وتم تركيز عناصر أمنية على مدار الساعة قبالة منزله في حاصبيا، بينما تم تكليف عناصر أخرى بملاحقته في تنقلاته. 

وتضيف المعلومات: <ليل الثلاثاء الأربعاء الماضي كان المتهم محمود رافع داخل مقهى في وسط حاصبيا، يلعب الورق مع بعض شبان البلدة، وفي هذه الأثناء، كان قد صدر القرار بتوقيفه وتم تكليف عناصر أمنية رسمية بتطويق المقهى، وعند حوالى الساعة الرابعة وخمسين دقيقة فجرا، ترك المتهم رافع المقهى متجهاً الى منزله عند الطرف الغربي لحاصبيا وذلك بسيارته من نوع <رانج روفر> سوداء اللون رقمها 306195 وبوصوله الى مدخل منزله الذي يبعد عن الطريق العام حوالى 50 مترا، كانت عناصر مخابرات الجيش اللبناني تنصب له كميناً محكماً، وبادرت إلى توقيفه على الفور>. 

وأفاد شهود عيان أن رافع الذي فوجئ بالعناصر الأمنية الرسمية المسلحة حاول الفرار لكنه لم يتمكن، وحصل عراك للحظات بينه وبين العناصر التي تمكنت من سحبه من سيارته الرانج ونقلته إلى سيارة من طراز <جيب شيروكي> فضية اللون إنطلقت الى جهة مجهولة تواكبها سيارة أخرى، وبعد شيوع الخبر، وصلت إلى المكان قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني والأدلة الجنائية حيث تم تطويق المنطقة وأقيمت حواجز ثابتة ومتحركة وتم رفع البصمات عن سيارة محمود رافع التي تم تفتيشها كما منزله وصادروا جهازي كومبيوتر، ألبوم صور عدد ,2 دفتر شيكات، زجاجات عطر، قبعة عائدة لقوى الأمن الداخلي، بندقية قديمة. 

وصودرت سيارة الرانج روفر وسيارة أخرى أميركية الصنع نوع بونتياك كذلك عملت العناصر الأمنية على تفتيش دقيق أستمر حوالى 48 ساعة لمنزله الذي كان قد بناه حديثاً ولحديقة المنزل المجاورة. 

وظهر الأربعاء الماضي، تم اعتقال زوجة رافع المدعوة ه. ح. ش. (40عاما) وأبنه ف. (20 عاما) وأبنته ف. (21 عاما) وذلك رهن التحقيق حتى الآن. 

وعند حوالى الساعة العاشرة والنصف من ليل الخميس الجمعة الفائت، اعتقلت الأجهزة الأمنية اللبنانية المدعو س. م. ق. رهن التحقيق وصودرت سيارة فان خضراء اللون تعود له. 

وتردد أن سبب اعتقال س. ق. وهو صاحب دكان مرده معلومات تفيد بأن المتهم محمود رافع كان قد استأجر من سامر سيارة الفان لمدة يومين مقابل 50 دولاراً أميركياً يوميا. ويسود اعتقاد بأنه تم استعمال الفان لنقل مواد التفجير التي استعملت في مقتل الأخوين مجذوب أو لأغراض أخرى قبل تنفيذ العملية وخلالها وبعدها يعمل التحقيق على كشفها، علماً بأن صاحب الفان لم يسمح له قيادة فانه الذي أقتيد من قبل منفذي العملية ليعاد الى صاحبه بعد ثلاثة أيام. 

وطال مسلسل الإعتقالات مساء يوم السبت الأحد الماضي أربعة مواطنين من حاصبيا هم م. أ. ر. وولده ن. أ.ر. وحفيده ع. أ. ر. والمواطن أ.س. الذين أخضعوا لتحقيقات (على خلفية تلقيهم أتصالات هاتفية حول موضوع أعتقال رافع) قبل ان يفرج عنهم جميعاً بعيد منتصف الليل. 

وقد ختم منزل محمود رافع في حاصبيا بالشمع الاحمر وهو مقفل منذ نهار الأربعاء الماضي ويخضع للمراقبة ويمنع الدخول إليه. 

ويشير جيران محمود رافع الى أن محمود رافع هو معاون أول متقاعد في قوى الأمن ووضعه المادي لافت للانتباه وقد عمل قبل حوالى ثلاث سنوات على بناء منزل جديد انتقل اليه مع عائلته منذ حوالى سنة. 

ويتردد أنه كانت تربط محمود رافع علاقة عاطفية منذ عدة سنوات مع أمرأة وضعها المادي جيد وكانت تشاهد برفقته في حاصبيا وفي بعض المناطق اللبنانية الأخرى ويمكن أن يكون لها ضلع ما في هذه القضية. 

ويعقد صباح اليوم اجتماع موسع لفعاليات حاصبيا الدينية والسياسية والإجتماعية والثقافية بهدف متابعة الوضع وإتخاذ مواقف شاجبة وحادة من المشاركين في هذه الشبكة وكل من يثبت التحقيق تورطه فيها.

§ وصـلات: