المديرون يشمّرون عن سواعدهم وورشة الترميم قائمة على قدم وساق
مدارس بنت جبيل الرسمية:
العام الدراسي في موعده.. لطلاب الشهادات فقط
السفير -- (السبت، 14 تشرين أول «أكتوبر» 2006)
سعدى علوه
مديرة متوسطة البنات الثانية تشير الى الدمار الذي حلّ بمدرستها مدير المهنية يحمل صور تلامذته المقاومين الشهداء مع أستاذهم
تأخذ مدينة بنت جبيل اليوم شكل المناطق الجنوبية بشكل عام، وإن تفاوتت نسب إعادة الإعمار وفقاً لحجم الدمار.

عند تقاطع “صف الهوا” مع منعطفي عيناتا وعيترون يلاقيك صوت ورش البناء وغبار الجرف واستكمال الهدم. تعيش المدينة ورشة ستشكل مفصلاً في تاريخها بعدما نهش الإسرائيليون قلبها: “قد تحتاج بنت جبيل إلى عشر سنوات لتعود”، يشير مدير ثانوية بنت جبيل السابق علي بيضون وهو يقول إن العدوان استهدف “بنت جبيل القديمة، أي المدينة ألأساس”.

من مشهد بنت جبيل المكوّمة على منازلها تبدأ قصة المكان وعلاقته باستئناف الحياة. حياة الذين صمدوا أمام وحشية العدوان أو الذين غادروا وعادوا ولم يجدوا ما تركوه.

بين هذا وذاك يحلّ موعد العودة إلى المدرسة!!

المملكة العربية السعودية تدفع الأقساط المدرسية للعام الدراسي الحالي لطلاب القطاع الرسمي الأكاديمي دون المهني.. دولتا قطر والإمارات العربية المتحدة سارعتا إلى الشروع في ترميم المدارس المتضررة جزئياً، والتحضير لبناء المهدمة كلياً كل في نطاق تعهده. وعبر وزارة التربية اللبنانية أمنت الإمارات الكتب وساهمت اليونيسف في بعض القرى بالقرطاسية.. فقال البعض لم يبق أمام التلامذة اللبنانيين عموماً والجنوبيين خصوصاً سوى السير إلى استئناف حياتهم الدراسية بعيداً عن الضغوط. أما وزارة التربية اللبنانية فحدّدت السادس عشر من تشرين الأول موعداً لبدء العام الدراسي الرسمي. فهل تقتصر المدرسة على القسط والكتاب والقرطاسية والمقعد؟

طبعاً لا. تقول ذلك أم كارمن، زوجة عبد اللطيف بزي، التي كانت تدور في سوق الخميس في بنت جبيل من دون أن تعرف ماذا ستشتري، وما الذي ينقص بناتها الثلاث على أبواب العام الدراسي: “صدّقي الناس متل المضروبة على راسها، كأننا مش عارفين حالنا وين”، تقول المرأة التي أوت في غرفة منزلها السفلية في بنت جبيل أربعة عشر روحاً مع عائلتها “على البرغل مع السكر”، بعدما نفدت المؤن ولمدة ثلاثة وثلاثين يوماً هي عمر العدوان: “بدنا وقت لنطلع من يللي صار”.

في مقابل الخروج من “يللي صار” الذي تعترف بوجوده أم كارمن، وتتلمسه في أحاديث الأهالي وفي تفقدهم اليومي للمدينة ولما كان “مطرحهم”، وتحوّل بنت جبيل إلى “محجة” اللّبنانيين والوفود العربية والدولية للوقوف على همجية العدوان ووحشيته، هناك سؤال يطرح عن الوضع الفعلي لأهل المدينة وتلامذتها وقدرتهم على ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، وهل من الممكن استئناف الحياة من حيث انتهت هكذا وبكل بساطة، وبغض النظر عن كل ما مروا به وكل ما عادوا إليه وما يحدث من حولهم؟

يثلج مشهد المدارس في بنت جبيل قلب القادم إلى المدينة. إلى جانب الورش القائمة على قدم وساق. شمّر مديرو المدارس عن سواعدهم كل في مدرسته، وانغمسوا جنباً إلى جنب مع مهندسي وعمال الترميم والبناء يعيدون الروح إلى أبنيتهم على أمل تجهيزها لاستقبال طلابهم. معهم تشهد على نية صلبة للسعي لاستئناف العام الدراسي في الموعد المحدد الاثنين المقبل. ولكن هل ستتمكن مدارس بنت جبيل من بدء العام الدراسي الرسمي في موعده؟

الجواب هو نعم. يسعى مديرو المدارس إلى بدء العام الدراسي في موعده، ولكنهم وفي أفضل الحالات لن يتمكنوا الاثنين المقبل من تعليم سوى طلاب الشهادات في أحسن الأحوال.

إلى جانب الصعوبات المتعلقة بوضع المدارس لوجستياً، هناك مسألة الكتب التي ستؤمنها الإمارات عبر وزارة التربية عبر “بونات” تسلمها الوزارة للتلامذة. هذه “البونات” لم تعرف طريقها إلى بنت جبيل حتى اليوم، وهناك وعود بتسليمها بدءاً من يوم الأربعاء المقبل (وفق ما وعدت به الدائرة التربوية في النبطية مدير مدرسة عبد اللطيف سعد)، فأي دروس تلك التي سيبدأ بها الطلاب عامهم من دون كتبهم؟

ووفق مديري مدارس ثانوية بنت جبيل الرسمية ومتوسطة البنات الثانية ومدرسة جميل جابر بزي وعبد اللطيف سعد فإن الجهود منكبة على إدخال طلاب الشهادات الثانوية والمتوسطة على الأقل يوم الاثنين المقبل، وأكد المديرون على أنهم لم يتسلّموا “بونات” الكتب بعد.
 

ثانوية بنت جبيل

خصّ الإسرائيليون ثانوية بنت جبيل التي تستوعب غالبية طلاب القضاء بخمس قذائف أطاحت بالطبقة الثالثة والأخيرة من المبنى الذي يشكل ثلث المدرسة كقاعات ومقاعد، وفق مدير الثانوية الجديد قاسم عبدالله.

وبناء على ورشة الترميم الذي تموله الدولة القطرية في مدارس بنت جبيل، أنهى متعهد الثانوية المبنى من الداخل وبقيت الأشغال المتعلقة بالجدران الخارجية والملعب الخارجي، وفق عبدالله الذي أشار إلى نقص في المقاعد الدراسية المخصصة للطلاب يصل إلى ثلاثين في المئة.

ومع شكوى مدير الثانوية من عجز مولد الكهرباء الصغير عن توفير حاجة المدرسة من الكهرباء، تسأل عن مصير مولدات الكهرباء الكبيرة والمتطورة التي وفدت إلى لبنان كإعانات إثر العدوان: “نحن ما وصلنا مولد كهرباء”، يقول عبدالله.

القذائف نفسها أطاحت بغرفة الكمبيوتر مما يعني أن لا استئناف لمادة المعلوماتية قبل تأمين النواقص التي وعدت الوزارة بسدّها.

نقص في المقاعد وغرفة الكمبيوتر وأسئلة كثيرة عن مصدر تأمين التدفئة للطلاب على أبواب الشتاء تقلق عبدالله: “لدينا حتى الآن 450 طالباً مسجلاً وسنجري السبت (اليوم) امتحانات قبول لمئة وعشرين طالباً جديداً”، يقول عبدالله متوقعاً أن تستقبل الثانوية هذا العام حوالى 550 طالباً مقارنة مع 637 طالباً في العام المنصرم.

ولكن متى وهل الاثنين هو موعد جدي لاستئناف العام الدراسي؟

يؤكد عبدالله على أن الثانوية ستفتح أبوابها الاثنين المقبل في 16 تشرين الأول الحالي لطلاب الشهادات، علوم الحياة، علوم عامة، اجتماع واقتصاد والشهادة المتوسطة، وستؤجل بقية التلامذة إلى الخميس المقبل.
يشكل تلامذة عيترون النسبة الأكبر من طلاب ثانوية بنت جبيل “حوالى 170 تلميذاً من عيترون من أصل 600”، يقول المدير مشيراً إلى أن المرتبة الثانية هي أحياناً لعيناتا وأحياناً لبنت جبيل ما بين 130 و140 تلميذاً، وتتوزع البقية على مختلف بلدات وقرى قضاء بنت جبيل.
 

المتوسطة الثانية الرسمية للبنات

أمام المتوسطة كانت تجلس وفاء سعد، الحاجبة العاملة فيها.

من زاوية عيني وفاء سالت دمعتان. على ماذا تبكين يا وفاء؟، تسألها زميلة لها: “على كل شي”، تجيب وفاء.

تبكي المرأة الثلاثينية التي قضت بعضاً من عمرها في متوسطة البنات على ما آل إليه وضع المدرسة: “يعني المدرسة شو بتعمل لإسرائيل؟”، تسأل من دون أن تنتظر إجابة من أحد.

وعلى قلب بنت جبيل المدمر الذي يحيط بالمدرسة بكت وفاء وهي تنظر من حولها: “جرفوا تاريخ بنت جبيل”، تقول المرأة بحسرة.

دمّرت إسرائيل سبعين إلى ثمانين في المئة من متوسطة البنات الثانية، وفق مديرتها فاطمة عناني.

هي المدرسة الرسمية “المبقورة” التي بانت مقاعدها وقاعات التدريس فيها للمارّة في سوق بنت جبيل. طال القصف الإسرائيلي 16 قاعة تدريس والمختبر والمسرح والمكتبة وقاعة المعلوماتية حيث أتلف العدوان 18 جهاز كمبيوتر.

أما الغصة التي تركها قصف المدرسة في قلب مديرتها فاطمة عناني فهي في تدمير أجهزة الصوتيات التي كانت الجمعية المسيحية الأرثوذكسية الدولية قد أمنتها للمدرسة العام الماضي وثمنها لا يقلّ عن ثلاثة آلاف دولار أميركي: “التلاميذ بعد ما دشنوهم”.

تسجل في متوسطة البنات هذا العام 133 تلميذة حتى ظهر الخميس الماضي من أصل 200 تلميذة كن في العام الماضي، وفق المديرة التي أشارت إلى انتقال عدد من التلامذة إلى خارج بنت جبيل: “في ناس مش عم تلاقي بيوت محل البيوت يللي راحت”.

جهزت مديرة المدرسة قاعتين لاستقبال الطلاب يوم الاثنين المقبل: “يعني بدنا ننظم أمورهم ونسلمهم بونات الكتب”، تقول عناني التي ستستأنف الدراسة في صفوف الشهادة المتوسطة الاثنين المقبل وتعقبها ببقية الصفوف في أسرع وقت ممكن.

تقول ورشة متوسطة البنات الثانية القائمة على قدم وساق أن العمل شاق ومضنٍ وليس سهلاً، فالعدوان قد أطاح بسبعين في المئة من المدرسة على الأقل ولن يكون سهلاً استئناف الدروس قبل تأمين كل التجهيزات التي أتلفت، كما أن هناك سؤال يطرح عن كيفية إنهاء ورشة الترميم في خلال الدوام الدراسي وعن جو الدرس الذي سيسود معظم المدارس التي ستشهد استكمال الأعمال.
 

مدرسة جميل جابر بزي

الأعجوبة في مدرسة جميل جابر ليس فقط تدمير المدرسة بشكل تام كقاعات تدريس، حيث لم يبق سوى غرف الإدارة، وإنما نجاة 35 شخصاً معظمهم من الأطفال والنساء لجأوا إلى مسرحها فلحقت بهم الطائرات الإسرائيلية بصواريخها ودمّرت المسرح من وسطه فيما كانوا هم لجأوا إلى زاويته الجنوبية. ومن هناك، وفق مدير المدرسة إبراهيم بزي، خرج الناجون بعدما فتحوا كوة في جدار المسرح وسحبوا أنفسهم الواحد تلو الآخر. من يرى المدرسة لن يصدق أن شخصاً واحداً قد خرج منها.

تستوعب مدرسة جميل بزي 70 طفلاً في حضانتها كل عام، تحت الركام ستجد صور هؤلاء، وبالقرب منها بقايا تلك السيدة التي لم يبق لها مكان في السيارات التي غادرت بالنازحين المدينة فبقيت وحيدة في المدرسة وفيها ماتت.

وسط كل هذه الذكريات يحاول مدير المدرسة إبراهيم بزي النهوض بمدرسته: “رممت قطر جناح الإدارة ولا يمكن ترميم المدرسة”، يقول بزي الذي ينتظر تقرير لجنة الخبراء لتقييم وضع المدرسة في انتظار تسليمه جناحاً في مهنية بنت جبيل: “وعدتنا الوزارة بخمس عشرة قاعة تدريس لاستيعاب طلاب المدرسة في المهنية”.

لم يكن بزي قد تسلّم حتى ظهر الخميس أياً من قاعات المهنية وهو في الأيام المتبقية قبل موعد بدء الدراسة سيحاول تأمين مقاعد لطلاب المتوسط: “انتشلت من بين الردم ما يكفي للمتوسط فقط، وإنشاء الله نقدر على تأمين الباقي”، مشيراً إلى أن وزير التربية وعده بتأمين 25 غرفة جاهزة للمدرسة لدى توفرها.

خسر بزي، كأهالٍ كثرٍ، منزله في بنت جبيل، وهو جمع أغراض منزله في غرفة واحدة وسكن فيها مع عائلته. يستشعر أوضاع الأهالي: “كل الناس أوضاعها تعبانة والعام الدراسي مش رح يكون سهل”.

يتوقع بزي أن يسير العام الدراسي على ما يرام بدءاً من آخر تشرين الأول الجاري: “تحتاج الأمور إلى وقت والذي حدث في بنت جبيل ليس بالشيء السهل”، يقول المدير إبراهيم بزي وهو يساعد العمال في إعادة ترتيب مدرسته.
 

مهنية بنت جبيل

شأنه شأن المديرين الآخرين في مدارس بنت جبيل كان مدير مهنية المدينة غسان بزي يشرف ويلاحق أعمال الترميم. من مكتبه يخرج صوراً للمهنية قبل الترميم ومعها صور طلابه الإثني عشر الذين استشهدوا مع أحد أساتذة المهنية في مواجهة العدوان الإسرائيلي على الجبهة بالطبع وليس داخل المهنية: “قدّمت المهنية 12 شهيداً مقاوماً”، يقول بزي الذي علق صور الأستاذ والطلاب الشهداء على لوحة الشرف في صدر المهنية.

ظهر الخميس الماضي لم يكن مدير المهنية غسان بزي قد تلقى كتاباً رسمياً من وزارة التربية يطلب منه إعطاء 15 قاعة تدريس من المهنية لمدرسة جميل بزي: “سألتني دائرة المنطقة التربوية ووافقت، ولكن ليس لدي كتاب رسمي بذلك”.

يشير بزي إلى تضرّر ستين في المئة من المهنية جراء العدوان، ويرى بزي أن اقتطاع جزء مما تبقى من المهنية لمصلحة مدرسة جميل بزي سيخلق مشكلة: “نحن طلابنا كبار وطلابهم صغار وهناك الحضانات التي تحتاج إلى تجهيزات”.

بالنسبة إلى مدير المهنية هناك مشكلة في تبني الدوامين: “في مشكلة نقليات، أكتر الحافلات تدمرت أيضاً في الحرب”، يقول بزي مشيراً إلى أن المهنية تستوعب عادة ألف طالب.

يلفت بزي إلى مرسوم تحديد أصول التعاقد الذي يفرض وجود 13 طالباً للسماح بفتح شعبة اختصاص، مشيراً إلى أنه وبسبب ظروف بنت جبيل المدمرة والقرى المحيطة قد يحصل تناقص في عدد الطلاب وهو ما قد يحول دون تأمين العدد الكافي لفتح الشُعب، مطالباً الدولة بأخذ أوضاع المنطقة بعين التفهم والاستثناء في هذا الموضوع.

سرق الإسرائيليون جهاز كمبيوتر “سكانر” من المهنية ويقوم بتصوير السيارات من الداخل، كما سرقوا تجهيزات الكترونية قيمة، يقول بزي مشيراً إلى أنه متأكد أن الإسرائيليين هم من سرق التجهيزات، لأنه حين عاد إلى المهنية لم يكن أهل المنطقة قد عادوا.

يتوقع بزي أن تبدأ المهنية دروسها في الموعد المحدّد للتعليم المهني: “يعني وعدنا المتعهد تسليمنا المهنية في 25 تشرين الجاري، وإن شاء الله سوف نستأنف الدراسة في الموعد المحدد”.

لم تشمل السعودية في تبرعها أقساط التعليم المهني، ولكن جمعية “أيادي الخير القطرية نحو آسيا” ستساعد الطلاب في الكتب: “وهذا مبلغ كبير، لأن كتب التعليم المهني مكلفة”.

تنظر إلى المهنية من حولك، إلى الملعب الذي يحوي أدوات الترميم وإلى الورشة القائمة على قدم وساق وتسأل عن الأجواء التي سيدرس فيها تلامذة مدرسة جميل بزي الموعودين بجناح من المهنية، ولكن كيف ومتى، خصوصاً لأطفال الحضانات من بينهم؟
 

مدرسة عبد اللطيف سعد

يشير مدير المدرسة جميل سلامة إلى تسجيل نصف التلامذة حتى يوم الجمعة “نحن عادة عندنا 200 تلميذ تسجل أقل من النصف بشوي”، يقول سلامة الذي يرى أنه من عادة الأهالي التسجيل مع بداية العام الدراسي.

وعد الفريق المكلّف من قبل الدولة القطرية الترميم بتسليم الطابق الأول لسلامة، اليوم، وفق مدير المدرسة الذي أحصى أكثر من اثنتين وعشرين قذيفة في مدرسته.

وأشار سلامة إلى أن الدائرة التربوية في النبطية وعدوه بتسليم القرطاسية للطلاب يوم الثلاثاء المقبل وبعدها تأتي “بونات” تسليم الكتب: “يعني إذا الله أراد بدنا شي أربعة أيام منحطّ التلاميذ بجو الدرس ونستأنف العام الدراسي”.

 

عن فاتن، التلميذة التي تحتاج لإثبات أنها على قيد الحياة

بماذا تشعرين يا فاتن وأنت تستعدين للعودة إلى المدرسة بعد كل ما حدث؟.
“أنا كتير مبسوطة لأنه الرجعة الى المدرسة بتأكد لي إني بعدني عايشة”.

بعد شهرين على وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان تحتاج فاتن بزي، ابنة السنوات العشر، إلى إثبات بقائها على قيد الحياة. هي اليوم لا تصدق أن ثلاثة وثلاثين يوماً بلياليها مرت عليها في غرفة قبو في بنت جبيل، مع كل ما تعنيه تلك المدينة في قاموس عدوان الأمس القريب، وخرجت منها... حية ترزق.

عند الثامنة ودقيقتين من صباح الرابع عشر من آب الماضي، تاريخ سريان القرار ,1701 فتحت فاتن باب مخبئها وراحت تركض في الشارع المقابل لمنزل والدها عبد اللطيف بزي: “كنت معفنة، صرت اركض وشوف الدني، وكنت حاسة إنه بدي أمسك ضو الشمس، إذا بقدر”.

تحدثها عن استعدادها للمدرسة التي من المفترض أن تشرّع أبوابها صباح الاثنين المقبل لاستقبال أبناء المنطقة ومحيطها، فتعود بك إلى الحرب وما قاسته فيها. تعود إلى ذلك اليوم الذي تركت فيه القبو مع أمها وقصدت الطابق العلوي للإتيان ببعض الملابس. كان ذلك يوم بدأت المقاتلات الإسرائيلية غاراتها على قلب بنت جبيل. بداية، وقع زجاج النوافذ من حولها ثم رأت منازل الحي المقابل لمنزلها تنهار الواحد تلو الآخر: “وانهرت أنا كمان”.

وقعت فاتن بين يدي والدتها بعدما ملأت الدنيا بصراخها.

ثلاثة وثلاثين يوماً عاشت القصف والطيران وسمعت أصوات الدبابات تحاول اقتحام المدينة والمدافع والصواريخ تنهال عليها. اعتادت ابنة السنوات العشر تكوير جسدها وحشره في زاوية غرفة لا يتجاوز عرضها مترين وطولها ثلاثة أمتار مع أربعة عشر شخصاً هم عائلتها وعائلة عمها وبعض الجيران: “قصفوا طريق بيتنا وانقطعنا من البنزين، وعلقنا”، تبرر والدة فاتن، زوجة عبد اللطيف بزي بقاءها وعائلتها في بنت جبيل في أقسى عدوان شهده أهل الجنوب في تاريخ الصراع مع إسرائيل.

منذ أن انتهى العدوان وفاتن وشقيقتها ملاك (12 سنة) لا تنامان إلا وسط الكوابيس: “يوم بيجي صاروخ بالبيت، ويوم بشوف اليهود على الشباك، ويوم الدبابات عم تدمر بيتنا...”، هي مختصر “الأحلام” الجديدة لأطفال الجنوب. وإلى متوسطة البنات الرسمية ستذهب الفتاتان: “رفيقتنا مريم حوراني استشهدت في الطريق وهي تاركة بنت جبيل مع أهلها”. وإلى المدرسة ستعود فاتن وملاك: “لمن شفت مدرستي حسيت إنه قلبي تفتفت”، تقول فاتن التي ترغب في أن تعود إلى المدرسة بعد أن تنتهي كل أعمال الترميم: “يعني حلوة الرجعة على المدرسة بس عنجد الصيف كان كتير صعب علينا، ولازم ما يبقى دمار يذكرنا بالعدوان”.

§ وصـلات: