الفطر في الجنوب:
عن علي دون والده وراني الذي سمى ابنه “شهيد”
السفير -- (الخميس، 26 تشرين أول «أكتوبر» 2006)
علي الصغير
العروض
بنت جبيل :

حل العيد حزينا هذه السنة على بنت جبيل على غير عادته. فهذه البلدة التي فقدت 41 شهيدا من ابنائها خلال العدوان الاسرائيلي الاخير لم تكن في أحسن أحوالها مع الخراب والدمار الذي اصابها مع عدد الشهداء الذين سقط منهم 14 شهيدا من المقاومة الاسلامية فيما الباقي من المدنيين.

فمع بزوغ خيوط الفجر الاولى ليوم العيد كانت جبانة البلدة قد ازدحمت بأهالي الشهداء وأقاربهم على عادة اهالي هذه المناطق صبيحة كل عيد، فاتشحت القبور سوادا مع ازدياد توافد اهالي من تحتويهم جبانة البلدة. وقد امتزجت دموع الفراق بتهاني النصر والعيد. وكما للعيد فرحته فللموت حزنه وللشهادة قداستها، لذلك فإن شهداء الوعد الصادق كان لهم النصيب الأوفر في العيد الاول بعد العدوان، فتقاطرت اعداد الزائرين من اقارب وأصدقاء واناس من كل حدب وصوب ارادوا التبرك بفاتحة الكتاب الكريم تقرأ على قبر كل شهيد من “رجال الله” ،فيما كان حزب الله استبق المناسبة بتزيين هذه القبور برفع الرايات وتكليلها بالورود الملونة بتلاوين شمس تشرين الأول الدافئة.

هو العيد الاول ل”علي خالد بزي” من دون والده الذي كان يوقظه صبيحة كل عيد ليكون اول زائري قبر جده وأرحامه، هو العيد الاول له الذي يكون عليه ان يستيقظ هو بنفسه ليزور والده “الراقد هنا في روضته”، وبعد الفاتحة يقف بعيدا عن قبر والده ليراقب جموع الوافدين على الضريح، حال علي كحال العديد من ابناء الشهداء الذين لا شك بأنهم يفتقدون آباءهم في هذا اليوم المميز، ولكن عزاء علي ان والده كان ممن “شيّب شعر” العدو في مارون الراس وبنت جبيل وعلى المثلث، “فقد عاش بطلا واستشهد كما كان في حياته قائدا وبطلا، فاستحق هذه الشهادة كما استحق الانتصارات المتتالية ورآها بعينه قبل شهادته من عملية الوعد الصادق في عيتا الشعب الى مواجهات مارون الراس وبنت جبيل”.

هو نفس العيد يمر على ابن الشهيد راني بزي الذي أطلق عليه والده اسم “شهيد”، ليذكر اسم الوالد دائما مقرونا بالشهادة فأصبح اسمه “الشهيد راني بزي”. هو نفس العيد يمر على اولاد الشهداء السيد ابو طعام الذي اختار ابنه البكر ان يوزع حلوى على زائري القبور في اول ايام العيد. هو اول عيد ايضا لابناء الشهداء علي جمعة وعلي الصغير وبلال هريش وعلي الوزواز الذي لم يكتب لرضيعه ان يتعرف عليه، وغيرهم الكثير ممن التحقوا بركب من سبقهم فكانوا ممن “لم يبدلوا تبديلا”.

وعلى نفس السجية، المشهد يتكرر دائما في كل القرى. هنا في عيتا الشعب العصية التي لم يقدر العدو على دخولها طوال 33 يوما من المواجهات، زيارات للقبور تتبعها زيارات من ابناء البلدة لاهالي الشهداء لمشاركتهم في هذا العيد.

هنا ايضا في عيناتا التي اقصى ما استطاع العدو ان ينجزه هو قصفها بأطنانه المتفجرة، فقتل الحجر دون ان يتمكن من البشر. هنا عيترون، هنا يارون وشهيدها الوحيد رضوان صالح وقد تحلق حول قبره ابناؤه الثلاثة مع زوجته ووالديه وأخوته الذين أصروا على ان تكون جمعتهم كاملة على عادتهم كل عيد، فتوجهوا الى رضوان عندما لم يستطع ان يلاقيهم في البيت.

هنا الطيري وشهيدها “مجتبى” المعروف من كبيرها وصغيرها، وهو الذي كان يسبق الجميع الى رمي السلام وإلقاء التحية، إلى حداثا وشهيدها ياسر صبرا بسحنته السمراء التي لونتها شموس القفار والوديان.

إلى كل قرية سقط فيها شهيد تحكي روايات وقصصا عن بطولات وأبناء وزوجات وأخوة، تحكي “سوالف” عن رجال “وتدوا أقدامهم في الارض وأعاروا جماجمهم لله” فكانوا صدق الوعد في “وعد الآخرة”.

§ وصـلات: