مارون التي رفعت رأس لبنان
متروكة للألغام والركام والصقيع
السفير -- (الخميس، 26 تشرين أول «أكتوبر» 2006)
سعدى علوه
عباس كرنيب على شرفة منزله في مارون وخلفه مستوطنة آفيفيم (بلال قبلان)
مارون الراس :

تنده الصبية على أمها المنهمكة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من “صنادل” الدخان التي “شكتها” العائلة قبل العدوان الأخير. تخرج أم حسن كرنيب من مشغلها في الطبقة الأرضية وعلى سفرة درج المنزل تجلس وتعتذر من ضيوفها عن استقبالهم وقوفاً “فالإسرائيليون لم يتركوا لنا مقعداً صالحاً للاستعمال”.

هذه العائلة اختفى بكرها، حسن، خلال العدوان من دون أن تعرف أي شيء عنه حتى اليوم. وها هو صغيرها عباس يراجع بعضاً من دروسه من على شرفة المنزل المطلّ على مستوطنة “افيفيم” في الجليل الفلسطيني. من خلفه، لا تحيد والدته “أم حسن” نظرها عن فلسطين. هناك أملها الوحيد “أن يكون حسن قد وقع أسيراً واقتيد إلى فلسطين المحتلة ليعود في “عرس” عودة الأسرى القريب”.

شهران ونصف على وقف الأعمال الحربية ومارون الراس على حالها. دخلت البلدة التاريخ من بوابة كل حروب الممتدة منذ نهاية الاربعينيات حتى “حرب تموز”، وصارت حمالة ألقاب صمود وبطولة تمجد مقاومتها للعدوان الإسرائيلي وما فعلته حرارة اقدام مقاوميها في مجرى الحرب الاخيرة.

“مارون الراس” نفسها، كما يسميها أهلها، أو “موقعة البطولة”، انتهت إلى صفة واحدة: “التلة المهجورة والطرقات المجروفة المغمورة بالوحول وحقول القنابل العنقودية والقذائف والصواريخ غير المنفجرة”.

باستثناء مجلس الجنوب، لم يزر البلدة الوحيدة أي مسؤول رسمي أو مندوب أي جهة رسمية حتى اليوم: “يأكل الإهمال مارون الراس المنكوبة، البلدة منسية بكل ما تحمل الكلمة من معنى”، يقول ابن البلدة مدير ثانوية بنت جبيل السابق حسين علوية.

بالنسبة لأهالي مارون الراس لم يكن العدوان الأخير هو المحطة الوحيدة لدخول بلدتهم سجل الصمود والتاريخ. فمن موقعها المشرف حيث تمسك بالجليل الفلسطيني وطلته لناحية الجنوب وبالداخل اللبناني قابضة على بنت جبيل وعيناتا وعيترون وجزء كبير من جبل عامل، كانت مارون الراس ولما تزل هدفاً أساسياً لكل عدوان: “منذ تاريخ الاعتداءات الرسمية على لبنان وصولاً إلى عدوان 2006 لم تسلم مارون من همجية الإسرائيليين”، يقول رئيس بلديتها مصطفى علوية.

هذا الواقع أفقد مارون الراس حيويتها: “هناك حوالى 450 نسمة فقط يسكنون البلدة حالياً من أصل ثمانية آلاف”، وفق علوية. دفعت الاجتياحات المتكررة وموقف البلدة غير المهادن إلى البحث عن مصادر رزق وحياة أكثر استقراراً.

“كله كوم والعدوان الأخير كوم”، تقول أم موسى التي كانت تلتف في حقلها حول قنبلة عنقودية غير منفجرة لتصل إلى زيتونتها الوحيدة: “رمدت الزيتونة وكنت ناطرة الشتي حتى شيل منها كم حبة”، تقول المرأة وهي تسحب قدميها من وحل الطريق الذي كان معبداً قبل أن يجرف الإسرائيليون طرقات مارون كلها وأضحت كتلة وحل “بعدما أمطرت الدنيا على السواتر الترابية التي أقامها العدو”، يقول علوية.

تحتار وأنت تدور في مارون الراس عن سبب كل ذلك الإهمال الذي يلفها. تلامذتها الذين اختاروا الصمود في مدرستها الرسمية ما زالوا أسرى انتظار الانتهاء من ترميم مدرستهم. من بين وحدات البلدة السكنية ال350 نجت سبعة منازل فقط من التدمير والقصف، فيما سُوّي 160 منزلاً بالأرض وهناك 165 وحدة سكنية بحاجة إلى ترميم جزئي وكلي، وفق كشف مؤسسة جهاد البناء، حسب رئيس البلدية.

من جهته، قام مجلس الجنوب وقبل حوالى أسبوع من اليوم أي بعد ما يزيد عن شهرين وعشرة أيام بمسح أضرار مارون الراس “قبل ذلك لم نكن قد رأينا أي جهة رسمية”، يقول حسين علوية.

و”للصدق”، يسجّل رئيس بلدية مارون مصطفى علوية وصول حصص تموينية من قبل الهيئة العليا للإغاثة على دفعتين للأهالي العائدين و”الذين لا يتجاوزون مئة وعشرين عائلة من أصل ألف عائلة تقريباً”، وفق علوية.

إلى جانب الهيئة العليا للإغاثة تلقى أهالي مارون المساعدة من الهلالين السعودي الإماراتي والصليب الأحمر الدولي وجمعية الرؤية العالمية وجمعية IOCC التي تقوم بترميم مدرسة البلدة.

“الرز والسكر وحتى الزيت ليس المشكلة في مارون”، كما يقول ابنها حسين علوية “الناس شبعانة الأكل والمياه بس الأساس هو الضيعة. لم تزر البلدة جرافة رسمية أو حتى “بوكلين” لرفع الردم... لا فريق فنياً ولا من يحزنون لتحديد مواقع الصواريخ والقنابل غير المنفجرة”.

خطر القنابل العنقودية والقذائف وحتى الصواريخ تضاعف بعد الأمطار الغزيرة التي سقطت على لبنان مؤخراً: “الوحل طمر الألغام حتى الظاهرة منها وصار خطرها أكبر”، يقول أبو حسين الذي كان يحتار في كيفية ولوج حقل زيتونه: “الدخانات وراحوا، على القليلة نطلع بالزيتونات والزيتات”.

أدى تموضع الإسرائيليين في مارون الراس إلى تحويل معظم منازلها إلى خراب: “كانوا يختبئون في المنازل خوفاً من المقاومين”، تحلل خديجة سبب تضرر بيوت مارون وتخريبها. هناك تشعر كأن صاعقة ما قد ضربت الدور.

حطم الإسرائيليون أثاث المنازل التي دخلوها. “نبشوا” خزائنها ومزقوا ملابس أهلها، حطموا زجاج النوافذ وأواني المطبخ وأخيراً “وسّخوا” الاماكن وتركوا فضلاتهم في كل زاوية ووعاء، فكيف لمطلق إنسان أن يدخل إلى منزله ويعيش فيه بعد رحيلهم.

تصل مارون الراس التي تأخذ من التلة رأسها فيلفحك الهواء. هواء يصبح على أبواب الشتاء أقرب إلى الرياح منه إلى النسيم الذي تفخر به البلدة في عز تموز وآب. ترتفع مارون عن سطح البحر نحو 950 متراً وهذا يعني في قاموس الجغرافيا برداً مبكراً، وفي قاموس المساعدات الحاجة الماسة إلى وقود المازوت للتدفئة، وإلى سجاد و”أغطية حرامات، وليس بطانيات”، كما يقول حسين علوية: “يعني البطانيات يلي عم تجي مساعدات مش ممكن يتغطى فيها الناس، وصل حرامات مرتبة كتير إلى لبنان ومارون ما شافت شي منها”، وفق علوية نفسه الذي يطالب بوضع أولوية لحاجات القرى “الناس تحتاج مازوت وسجاداً وحرامات بالدرجة الأولى، الرز والمرتديللا بيتدبروا”.

هناك في منزل آل كرنيب الواقع على أطراف مارون الراس تمر بأم حسن التي تعيش قلقها الدائم على بكرها، حسن، الذي كانت تعقد الأمل عليه، تحاول المرأة تمزيق الكراتين و”تفصيلها” على قياس زجاج النوافذ لتردّ بها “ريح التشارين”. لم يعد همها وشغلها الشاغل عودة أولادها إلى المدرسة: “كنت مشهورة أنا في مارون باهتمامي بأولادي ومدارسهم.. اليوم صار الهم حسن ومصير حسن”، تقول المرأة وهي تغص بمآساتها.

ليس بعيداً عنها يقرأ صغيرها عباس في كتابه وهو شارد الذهن. تغير كل شيء بالنسبة إليه “كنا عائلة وبالي مشغول على حسن”، يقول ابن الاثنتي عشرة عاماً وهو يعترف أنه لا يفهم شيئاً مما يقرأه.

في كل بيت من مارون الراس ستجد قصة مختلفة، ويبقى الطعم المختلف لحكايا أطفال البلدة، خصوصاً أولئك الذين عاشوا تجربتهم الأولى مع العدوان بعدما دخل المحتلون بيوتهم وأقاموا فيها.

على بعد حوالى مئتي متر “خط نار” عن منزل عائلة كرنيب تعيش مريم حمادة ابنة الست سنوات التي “طخّها” الإسرائيليون في “زند” يدها وسجنوها مع عائلتها في “كاراج” منزلهم الفسيح وهي تنزف تحت أعينهم: “كل دقيقة كنا نقول رح تموت مريم” تروي فاطمة حمادة شقيقة مريم الكبرى.

في اليوم الثاني عشر للعدوان لم تكن عائلة مدير مدرسة مارون الراس قد غادرت البلدة. عند الرابعة والنصف من فجر ذلك اليوم وصل الإسرائيليون إلى منزل العائلة الذي يطل على فلسطين المحتلة: “بيتنا على طراف الضيعة”، تقول فاطمة ابنة الثلاث عشرة سنة.

كانت العائلة “تحشر” نفسها في الممر الذي يصل الغرف بعضها ببعض. كانت مريم ابنة الست سنوات تنام بالقرب من فاطمة: “خردقوا البيت بالقواس وإنصابت فاطمة بيدها”.

شقت الرصاصة زند فاطمة “بالطول” من دون أن تخترق العظم. خرجت العائلة وهي ترفع يديها فأخرجهم الإسرائيليون من المنزل وسكنوا فيه. وفي “غرفة إترنيت” لا يتجاوز طولها المترين وعرضها المتر والنصف حبس جنود العدو الأم والأب وست فتيات كبيرتهم في الثالثة عشرة من عمرها وثلاثة صبية كبيرهم في السادسة، ومعهم كانت مريم تنزف وتصرخ متوسلة أباها ألا يدعها تموت.

من الرابعة والنصف فجراً حتى الثامنة مساء كانت مريم قد خسرت دماء كثيرة “داوينا جرحها وخف الدم” تقول فاطمة التي كانت مصابة في ساقها ايضاً “بس على الخفيف”، على حد تعبيرها.

عند الثامنة مساء ترك الإسرائيليون محمد حمادة يغادر المنزل مع طفلتيه المصابتين، مريم وفاطمة لنقلهما إلى المستشفى. على بعد مترين من المنزل تعطلت سيارة العائلة فحمل الأب صغيرته مريم ولحقت به فاطمة تجر جرحها تحت أصوات القصف وتوغل الدبابات الإسرائيلية سيراً على الأقدام إلى بنت جبيل.

اليوم لا تنسى فاطمة صراخ إخوتها بعدما تركهم والدهم مع فاطمة ومريم: “خافوا كتير على حالهم وعلينا وشعرنا أنها آخر مرة منشوف بعضنا فيها”.

انتهت الحرب ولم تنته القصة، تعلم أحمد صغير البيت وابن العام والنصف كلمتين: “صاروخ” و”بطخك”، فيما أضحى إخوة مريم يخيفونها لمجرد تذكيرها بالإسرائيلي: “مش محتاجين نذكّرها هيدي القنابل بالحقول موجودة”، تقول فاطمة التي كانت تحرص في غياب أهلها على ألا يخطو أي من أشقائها خطوة واحدة في حقل لم تعرف الدولة طريقها إليه بعد.

حين صمدت مارون الراس لم تكن تنتظر جائزة، ولكنها بالتأكيد لم تتوقع هذا التعمد في النسيان.

§ وصـلات: