«في المرة المقبلة سأطلب من الطائرات الإسرائيلية السماح بتصوير منزلي قبل قصفه»
كفرا تنتقد تأخر التعويضات وطريقة تقديرها..

لكنها تباشر الإعمار
السفير -- (الخميس، 12 نيسان «أبريل» 2007)
علي الصغير
ورشة إعمار في كفرا
عندما عاد اهالي كفرا الى قريتهم في 14 آب الفائت، كان هدفهم يومها العودة، بعدما تصوروا أسوأ الاحتمالات التي يمكن أن تكون عليها بلدتهم. لكن على الرغم من الدمار الذي اصاب أكثر من ثمانين بالمئة من المنازل فإن ذلك لم يثبط من عزيمتهم، جريا على عادتهم عقب كل عدوان او اجتياح مرّ عليهم. لم يكن استنادهم في عملية إعادة البناء الى «ظهر الدولة» كما يقول المواطن مصطفى أحمد، إنما على سواعد اعتادت التعب والعرق لاعادة بناء ما تهدم. بعدما أعلنت السعودية أنها تكفلت بتعويض الأضرار اللاحقة ببلدة كفرا اعتقد الأهالي أن التعويضات ستعيد لهم حقوقهم المادية لأن ما خسرته البلدة من شهداء لن تعيده أي حقوق مهما كانت قيمتها. إلا أنهم اكتشفوا أن حساب الحقل جاء مخالفا لحساب البيدر.

انقضى الشهر الثامن على العدوان ولا يزال الأهالي بانتظار تعويضات الهدم الكلي، فيما لم يدفع سوى الجزء اليسير من تعويضات المنازل المتضررة، وبحسب الاحصاءات الرسمية فان حوالي 250 منزلا قد تهدمت كليا في كفرا خلال الحرب الاخيرة اضافة الى إصابة اكثر من 800 وحدة سكنية باضرار مختلفة، لم تدفع منها سوى التعويضات الصغيرة التي لا تتجاوز 3 الاف دولار وقد دفعت لاقل من 300 متضرر وما يقارب 20 اسما من اصحاب التعويضات الكبيرة نسبيا.

ينقل المواطن ديب عطية مناخا يسود في البلدة أن الغايات السياسية هي التي تؤخر دفع التعويضات، لكنه يقول إن الأهالي لن يسمحوا بتحول حقوقهم الى وقود في لعبة سياسية يريدها البعض أن تنال من كرامتهم. بدأ عطية وعدد آخر ممن فقدوا منازلهم عملية إعادة البناء من جيبهم الخاص أو بتعبير أدق ممن استدانوا منهم المال على أمل أن يستطيعوا إيجاد مأوى لهم، قبل أن تداهمهم السنة الثانية من التهجير في بلدهم.

قصفت الطائرات الاسرائيلية منزل عطية أربع مرات منذ العام 1992 وحتى العدوان الأخير، بينها مرتان جرى فيهما تدمير منزله بشكل كلي، كان كل مرة يعيد بناء ما تهدم رغم الغبن والظلم الذي يلحق به لدى تقدير خسائره. يشير إلى أن الطائرات الاسرائيلية سوت المبنى الذي يملكه بالأرض عندما أغارت عليه في العام ,92 كان مؤلفا من خمس طبقات ولم يجر التعويض عليه سوى خمسة ملايين ليرة. في العدوان الاخير دمر اضافة الى المبنى الذي يسكن فيه مع عائلته واشقائه محطة لبيع المحروقات ومعصرة لعصر الزيتون.

لا تنتهي قصة التعويضات عند تأخيرها، إنما هناك مشكلة تقدير القيمة المادية للاضرار، فكما هو معلوم قدر ثمن الوحدة السكنية بـ40 الف دولار او 60 مليون ليرة مهما كانت مساحتها السابقة او مواصفاتها التي كانت عليها قبل التدمير الأمر الذي ألحق ظلما كبيرا باصحاب المنازل التي تفوق مساحتها تلك القيمة، خاصة مع الارتفاع الكبير لمواد البناء، يشير عطية إلى أنهم أقروا له ثلاث وحدات كبدل عن مبناه المدمر، مؤكدا أن المبلغ الذي اقر له بالكاد يكفي لبناء جدران الدعم والوصول بالبناء الى مستوى الطريق، واشار الى انه عندما راجع الموظفين في المكتب المكلف اجراء عمليات الكشف طلبوا منه دليلا على الحجم الذي «ادعاه» فأجابهم: «في المرة المقبلة سأطلب من الطائرات انتظاري حتى اصور المنزل قبل ان تقصفه»، واضاف أن منزله معروف من قبل أهل البلدة وقدم لهم شهادات من البلدية والمختار وصورا فوتوغرافية، لكنهم لم يأخذوا بها واصروا على تقديراتهم.

حصل أمر مشابه مع المواطن مصطفى احمد وإن كان منزله متضررا وليس مهدما، فقد جرى تقدير الاضرار كما يقول «بمبلغ 30 مليون ليرة» فيما يؤكد ان تصليحه تكلف اكثر من 60 الف دولار وهو لم يحصل من التعويض سوى على 12 مليونا فقط بينما لا يزال باقي المبلغ «حبرا على ورق».
يلفت الأهالي إلى أن المساواة في تقدير قيمة الوحدة السكنية هي مساواة غير عادلة، فبحسب احمد تم تحديد الـ40 الف دولار على اساس احتساب كلفة متر البناء بـ300 دولار، بينما تبلغ المساحة القصوى للوحدة 130 مترا مربعا وبالتالي فان من يملك اقل من تلك المساحة يمكنه التلاعب للحصول على المبلغ الاعلى، أما من يملك مساحة أكبر من اين له الحصول على ما يستحقه؟. لذلك تكثر الروايات عن محاولات تسجيل المساحات الكبيرة على اعتبارها اكثر من وحدة، اي أن كل شاطر بشطارته، وفي كلتا الحالتين جعلت الطريقة التي اقرت بها الحكومة التعويضات المواطنين يتحايلون للحصول على ما يستحقونه.
 

البيوت الجاهزة لم تجهز بعد

لا تختلف قصة عفيف حمادة صاحب منزل مهدم عن باقي اصحاب المنازل المهدمة في كفرا، الا انه يلفت الى الروح التضامنية التي تجلت بين ابناء البلدة بعد العدوان حيث قدم عدد من الأهالي منازلهم للمتضررين، لكنه يذكر باقتراب موسم الاصطياف مع ما يعنيه ذلك من عودة العديد من العائلات المغتربة لتمضية الاجازة السنوية وهم بالتالي سيطالبون باستعادة منازلهم التي اعاروها خلال الشتاء لأنهم لم يتوقعوا إطالة الأزمة كل ذلك الوقت. يشير حمادة الى انه رغم حصول جميع العائلات على بدلات ايواء إلا انه لا يوجد منازل خالية في كفرا للايجار.

يسأل عدد من الأهالي عن مصير 30 منزلا جاهزا قدمتها السعودية كان يمكن لها المساعدة في حل مشكلة عدد من أصحاب المنازل المدمرة ممن لا يملكون بديلا. يوضح رئيس البلدية حسن حمدان في هذا الاطار أن عملية تجميع تلك البيوت قد تمت واصبحت جاهزة الا أن البلدية لم تتسلمها بعد من الدولة المانحة، ولدى مراجعة المكلفين بتسليمها أجابوا أنهم ينتظرون هدوء الأوضاع السياسية قبل تسليمها، لافتا الى ان البلدية لم تقدر حتى الان على تزفيت المساحات الفاصلة بين البيوت.

يقول مصطفى احمد تعليقا على ذلك «اننا سنعيد بناء بيوتنا ولو كان ذلك ببيع ثيابنا» ويشير الى انه «كما أعدنا في السابق إعمار منازلنا من دون حصولنا على تعويضات سوف نعيد بناءها هذه المرة».

يسجل الأهالي عتبهم على الحكومة السعودية لانها تركت عملية التعويض بيد الحكومة اللبنانية التي لا تزال تتريث في دفعها، يرددون لازمة شبه موحدة أنه كان الأجدى بالحكومة السعودية ان تقوم مباشرة بدفع التعويضات كما فعلت بعض الدول الاخرى، لما كانت المساعدات وظفت سياسيا.

لم يكن الخروج من كفرا يشبه الدخول اليها، لأن من يزورها يعتقد ان انتشار ورش الاعمار على جانبي الطريق يشير الى ان عملية التعويضات قد انتهت، فيما الخارج منها بعد الاطلاع على حقيقة وضعها يلاحظ ان طرقاتها لم «ترقع» بعد من اثار القذائف وخطوط الهاتف ما زالت على برودتها، فيما النفوس ممتلئة لوما وعتبا.

§ وصـلات: