سقوط طربوش "البيك" أقفلها أشهراً عدة والعدوان الاسرائيلي الأخير دمّرها
سوق بنت جبيل التاريخية

معبر تجاري وذاكرة حضارية
المكتب القطري يعيد إعماره بتكلفة تفوق المليوني دولار

النهار -- (الثلاثاء، 1 أيار «مايو» 2007)
عباس الصباغ
جانب من سوق بنت جبيل كما يبدو اليوم (حسين دباجة)
تحت عنوان "سوق بنت جبيل"، نشرت "النهار" في 21 نيسان 1944، وتحديداً في صفحتها الثانية البرقية الآتية:

"بنت جبيل التي كابدت ما لم يكابد غيرها في سبيل الوصول الى هذا العهد، تستنكر وتحتج على ما نالها من تعطيل الحياة العامة باغلاق سوقها موردها الوحيد. تطلب الضرب بشدة على يد كل مسيء ومسبب لجميع الحوادث، والتحقيق النزيه مع صيانة القضاء من التلاعب والمؤثرات لتضمن حرياتنا وتصان حقوقنا".

البرقية الآنفة الذكر، ارسلها اهالي مدينة بنت جبيل عقب اقفال سوق مدينتهم بقرار من السلطة اللبنانية، بعد الاشكال الذي رافق مشاركة رئيس مجلس النواب الاسبق الراحل احمد الاسعد في جنازة محمد سعيد بزي، احد أبرز وجوه بنت جبيل. يومها اصيب الاسعد بجرح في رأسه ووقع طربوشه، وكان قرار الاقفال لأشهر عدة حسب ما يفيد احد المعمرين من ابناء المدينة.
 

الذاكرة الوفية

مع طلوع فجر الخميس، يتغير النهار في بنت جبيل. ينزع عنه صفة اكتسبها مذ كان واصطلاح على تسمية ايام الاسبوع السبعة. تضفي بنت جبيل، مع قليل من المبالغة، تأريخاً جديداً على روزنامة الايام. يحفر عميقاً في ذاكرة الصغار قبل الكبار. في ذاكرة اهلها المقيمين فيها دائماً، والمهاجرين عنها في بلاد على بعد المدى، وايضاً الجيران على اختلاف انتماءاتهم. من حاصبيا ومرجعيون، والنبطية وصور... الخ، وقبلهم من غزة ويافا وحيفا... والشام. منهم من تخلف عن المشاركة في فاعليات "اليوم البنتجبيلي"، البعض اكتشف مكاناً آخر. لكن ذاكرة "السوق" لا تزال وفية لهم. لأن جميع هؤلاء، يجمعهم اليوم الجديد. يوم السوق. انها سوق بنت جبيل.

هذه السوق تشغل مساحة واسعة من البلدة تراوح بين 20 و30 دونماً. هو سوق شعبي بامتياز على شاكلة الاسواق الشعبية الاخرى في بلدات جبل عامل. لكنه الاكثر تصميماً على متابعة "مهمته" في البيع والشراء، والاهم من ذلك كله الحفاظ على ذاكرة البلدة – المدينة.

هذه الذاكرة حاولت اسرائيل محوها منذ نشأة كيانها "القابض" على المجال الحيوي السابق لبنت جبيل وجبل عامل.

لكن اصوات الباعة التي تعلو وتعلو، قبل ان تجف قطرات الندى على اوراق شتول التبغ، تشي ان السوق بخير، وايضاً البسطات الممتدة على طول الساحة والطرق تفيض بخيرات الارض العاملية.

النائب علي بزي يعتبر ان سوق بنت جبيل هي ذاكرة المدينة، والممر الحيوي الذي يربط بين القرى والبلدات المجاورة لبنت جبيل.

ويضيف "هذا المعبر الالزامي لم يقتصر سلوكه على سكان قرى قضاء بنت جبيل، بل تعداهم الى حاصبيا ومرجعيون وايضاً النبطية وصيدا وصور". تكرس هذا "المعبر – السوق" عبر العقود الطويلة المنصرمة. اليه يحضر الباعة والشارون من مختلف القرى المجاورة لبنت جبيل.

الباعة يحملون بضائعهم الى السوق عصر الاربعاء ويحضرون البسطات، ومع فجر الخميس تكون البسطات "اجتاحت" الطريق الرئيسية في المدينة.

هنا تجد الحبوب والخضر واللحوم، وايضاً الادوات المنزلية والسجاد والاقمشة اضافة الى الاحذية، علماً ان بنت جبيل عرفت حرفة صناعة الاحذية منذ عقود لكنها تراجعت في الاعوام الأخيرة.

في اختصار تجد كل شيء يحتاجه اهالي المدينة وجوارها.
 

نشأة السوق

ينقل المؤرخون ان المتصرف رستم باشا اصدر أوامره بانشاء الاسواق في البلدات التابعة للسلطنة العثمانية منتصف تموز العام 1880. لكن بعض المعمرين في بنت جبيل ينقلون بالتواتر ان سوق بلدتهم أنشئت قبل هذا التاريخ.

ويذكر الشيخ علي الزين في كتابه "فصول من تاريخ الشيعة في لبنان" ان السوق "نقلت في العام 1819 الى الشمال (شمال المدينة)". في الاحوال كلها حظيت سوق بنت جبيل ولا تزال بمكانة خاصة منذ عقود طويلة.
لكنها لم تعرف في تاريخها تدميراً منهجياً لمحالها ومعالمها على غرار الدمار الذي خلفه العدوان الاسرائيلي الاخير في تموز الفائت.
 

السوق الجديدة: قطري النهكة

بعد العدوان الأخير دمرت السوق بشكل كامل، وزالت معالم حوالى 290 محلاً ومؤسسة تجارية. ونظراً الى الارتباط العضوي بين بنت جبيل وسوقها، كانت الحاجة ماسة لانشاء السوق البديلة، ريثما تتم اعادة اعمار ما تهدم، وخصوصاً ان اقتراحات عدة لا تزال موضع نقاش عن كيفية اعادة اعمار السوق والحارات القديمة في البلدية. الا ان "المكتب القطري لاعادة اعمار الجنوب" أخذ على عاتقه بناء سوق موقتة في البلدة، وخصوصاً ان دولة قطر تبنت اعادة اعمار بنت جبيل اضافة الى بلدات الخيام وعيناتا وعيتا الشعب.

وبدأ العمل في بناء السوق الموقتة في أواخر العام الفائت، على ان ينجز المشروع في الشهر الحالي، يفترض ان يتسلم التجار محالهم الموقتة والبالغ عددها 284 محلاً.

الخطوة القطرية لاقت ارتياحاً في اوساط اهالي بنت جبيل، وخصوصاً التجار الذين دمرت محالهم التجارية. ويعلق بزي: "هذه الخطوة المشكورة من دولة قطر تساعد على ازالة آثار العدوان الاسرائيلي عن اهالي بنت جبيل وغيرها من القرى الجنوبية التي تبنت قطر اعادة اعمارها".

وينتقد بزي غياب الحكومة: "القطريون أكثر سخاء من حكومتنا اللاشرعية واللادستورية".

من جهته يؤكد مدير المشروع القطري لاعادة الاعمار المهندس خالد الهتمي ان السوق الجديدة الموقتة تضم 284 محلاً، يتم تسليمها الى التجار المتضررين عبر البلدية، ويضيف: "هذه السوق ستكون موقتة لفترة تصل الى 3 أعوام وتمتد على مساحة 10 آلاف متر مربع، وقد تم استدراج العروض من 26 شركة، واخترنا افضلها" ويختم: "ان ورشة الاعمار في بنت جبيل مستمرة كما الحال في البلدات التي تبنت قطر اعادة اعمارها، وهذه الورشة لا تقتصر على اعادة بناء المنازل المهدمة وترميم الأخرى المتضررة، انما اعادة بناء دور العبادة والادارات الرسمية والمدارس وتجهيزها، كما حال المدارس التي ساهمت في تجهيزها "جمعية أيادي الخير نحو آسيا"، وكان من الطبيعي ان نعيد اعمار سوق بنت جبيل نظراً الى ما تحتله من مكانة خاصة في المدينة".

أما المواصفات الفنية للسوق الموقتة فيشرحها المهندس كريستيان قمير من (شركة GETTI الاستشاري للمشروع القطري). "تم اعتماد أفضل المواصفات في انجاز اعمال البنى التحتية، وحالت طبيعة الارض المنحدرة دون انجاز المشروع بالسرعة المطلوبة، وبذلنا جهوداً لبناء حيطان الدعم". ويذكر قمير ان المحال عبارة عن "بيوت جاهزة" اضيفت اليها واجهات الالمينيوم وهي بقياسين: (5x3 و 5x8 امتار مربعة).

ويثني رئيس نقابة اصحاب المؤسسات والمحال التجارية في بنت جبيل طارق بزي على الخطوة القطرية "لقد استجاب القطريون لطلبنا وشرعوا في اعمار السوق الموقتة بمواصفات جيدة جداً، ونأمل في ان تضع هذه الخطوة حداً للخسائر التي مني بها تجار المدينة (بنت جبيل) ومن المفترض ان تتسلم البلدية السوق الموقتة في القريب العاجل، وبدورها تسلم المحال الى التجار الذين دمرت محالهم في السوق القديمة".

ومن جهة ثانية يشكو التجار والاهالي على حد سواء من ارتفاع اسعار مواد البناء ما يعوق تسريع اعادة الاعمار خصوصاً وان تجار مواد البناء يستغلون اقبال الاهالي على اعادة الاعمار مما دفعهم الى زيادة عشوائية لأسعار الاسمنت والحديد.
 

التجارة: ميزة المدينة

حكاية بنت جبيل مع التجارة طويلة، بخلاف البلدات المجاورة. في هذه الاخيرة غلّب أهاليها الزراعة على ما عداها، اما اهالي بنت جبيل فاستهوتهم التجارة من دون اغفال بعضهم الاعتناء بشتلة التبغ، نظرا الى ما تشكله هذه "الشتلة" في الوجدان الجنوبي والعاملي تحديدا.

قبل النكبة وسقوط فلسطين، شكلت بنت جبيل الشريان الاساسي للتجارة بين بلاد الشام وفلسطين. الاخيرة حظيت بمكانة خاصة. قصدها الجنوبيون، وخصوصا من بنت جبيل وقراها للتجارة والعمل. ولم تتخل بنت جبيل عن "كاراجات" حيفا ويافا وعكا سوى في الامس القريب. ومن هذه الكاراجات ايضا انطلق تجار بنت جبيل الى فلسطين، والى السوق حملوا بضائعهم. بدورهم كان الفلسطينيون يستوردون المنتوجات السورية من سوق بنت جبيل.

أرخت هذه الحركة التجارية بظلالها على سوق المدينة. ويذكر الدكتور مصطفى بزي في كتابه "بنت جبيل حاضرة جبل عامل"، ان توثق العلاقات التجارية بين بنت جبيل وفلسطين يعود الى اسباب عدة منها موقع بنت جبيل المحاذي لفلسطين، وتشابك المصالح الاقتصادية والمهنية بين اهالي بنت جبيل وسوريا وفلسطين، اضافة الى القوة الشرائية لليرة الفلسطينية. لكن الاحوال تبدلت جذريا بعد العام 1948، وتمركز ما عرف بـ"جيش الانقاذ" في المدينة. ولاحقا انقطع التواصل بفلسطين وتوقف التبادل التجاري معها. ترافق ذلك مع هجرة معظم اهالي بنت جبيل الى المدن الساحلية وصولا الى بيروت، من دون ان تتوقف هجرتهم الى الولايات المتحدة الاميركية واوستراليا... الخ.

ولعل التوصيف الذي اعطته بعثة "ايرفد" في تقريرها يختصر واقع بنت جبيل: "(...) هذه المدينة لم تكن تنام، ولم تعرف السكون في الاربعينات (من القرن الماضي)، اليوم اصبحت بلدة نائمة في جنوب لبنان، تستيقظ مرة واحدة في الاسبوع نهار الخميس".
 

الركود والازدهار

بعد فترة من الركود، عادت الحركة الى سوق الخميس في بنت جبيل. ملامح هذه الحركة ارتسمت بعيد الستينات من القرن الماضي، وتحديدا في العام 1966. عامذاك وصلت الكهرباء بعد طول عناء الى بنت جبيل. انارت الكهرباء الطريق امام تجارة الادوات الكهربائية، والاخيرة كان يستوردها تجار المدينة من صيدا وبيروت ويبيعونها لأهالي المدينة وجوارها، بالتالي تحركت العجلة الاقتصادية في السوق. ولم تمض اعوام ثلاثة حتى بدأت طلائع الفدائيين الفلسطينيين في الوصول الى بنت جبيل آتية من منطقة العرقوب، واضفى هؤلاء بعداً آخر على التجارة في المدينة التي احتضنتهم بكل ما تملك من عزم الانتماء لقضيتهم، لكن هذا رافقه بدء الاعتداءات الاسرائيلية التي بلغت ذروتها في العام 1976 (المجزرة الاسرائيلية في السوق). وسبق ذلك دخول الاسرائيليين الى بنت جبيل مرات عدة منذ اوائل العام 1972 مما ادى الى تراجع الحركة التجارية في سوقها، علما انه في العام 1973 كان في المدينة 250 محلا تجاريا.
 

الاستهداف الاسرائيلي الدائم

كانت مدينة بنت جبيل في مرمى الاستهداف الاسرائيلي لاسباب عدة، منها قربها من الحدود (حوالى 3 كيلومترات)، واحتضانها المقاومة الفلسطينية بعيد منتصف الستينات من القرن الماضي، ثم المقاومة الوطنية والاسلامية.

واحتلت اسرائيل البلدة عام 1978 بعد الاجتياح الاول او ما عرف بـ"عملية الليطاني"، أرخى هذا الاحتلال بظلاله على نشاط السوق. تراجع في بادئ الامر، ثم عاد والتقط انفاسه بعد فترة وجيزة. لكن السوق شهدت مجزرة رهيبة في العام 1976، تحديدا يوم الخميس في 21 تشرين الاول. يومذاك تعرضت بنت جبيل لقصف مدفعي اسرائيلي على مدار ساعتين (بين الثامنة والنصف والعاشرة والنصف صباحا). كانت السوق مزدحمة تعج بالناس. ثم انهالت قذائف الهاون على المدينة. جاء القصف من دون تبرير او مقدمات. قذيفة سقطت في قلب ساحة السوق. عشرات الضحايا سقطوا. مذذاك العام وبنت جبيل وسوقها هدفان اسرائيليان، ويلفت الدكتور منذر جابر في مقال عن "سوق بنت جبيل" الى ان الاذاعة الاسرائيلية اكدت في الاول من تشرين الثاني 1976 "ان المعركة على بنت جبيل ستقرر من يكون المسيطر على جنوب لبنان". ويذكر بزي بهذه المجزرة التي لا تزال "محفورة" في ذاكرة اهالي بنت جبيل.
 

اجتياح السوق تجارياً وعسكرياً

ابان الاجتياح الاسرائيلي الاول للجنوب او ما عرف بـ"عملية الليطاني" في آذار 1978، تشكل ما عرف بالشريط الحدودي. فرغت بنت جبيل من ابنائها، ولم يبق فيها الا كبار السن، وعمد الاسرائيليون بعد احتلالهم بنت جبيل الى احراق محالها التجارية بعدما نهبوها. لكن الواقع الجديد ارخى بظلاله على سوق بنت جبيل، وحصر امتدادها الجغرافي من حولا (مرجعيون) شرقا وصولا الى عيتا الشعب غرباً، اضافة الى بعض قرى حاصبيا ومرجعيون.

وعادت الحركة الى السوق بعد عودة قسم من اهالي بنت جبيل وجوارها الى ديارهم، ومعهم استعادت السوق حيويتها. وبدأت البضائع الاسرائيلية بـ"غزو" السوق وحمل الاجتياح الثاني في حزيران 1982 الكثير من المتغيرات، وتدفقت البضائع الى السوق من خلف الحدود لكنها لم تكن فلسطينية الهوية، واستبدل التجار معامل عكا ويافا بمعامل تل ابيب وغيرها. اما بوابة الاستيراد الرئيسية فكانت عبر بلدة رميش.

ويذكر ان التجار الاسرائيليين كانوا ينزعون العلامات العبرية عن المستوعبات التي يتم من خلالها شحن البضائع الى رميش، بناء على رغبة التجار اللبنانيين. واستمرت هذه الحالة حتى التحرير في العام 2000، حيث عادت الهوية اللبنانية الكاملة الى السوق. واعقب تلك الفترة اطلاق مهرجانات التسوق السنوية في شهر تموز في بنت جبيل.
 

العدوان الاخير

حددت نقابة اصحاب المحال والمؤسسات التجارية في بنت جبيل يوم الخامس عشر من تموز الفائت موعد بدء "شهر التسوق" في المدينة، لكن المدعوين تخلفوا عن الحضور. الضيف الثقيل كان من غير المدعوين. لم يكن موضع ترحيب. هو اصلا غير مرحب به. ولا تزال في الاذهان "غزواته الدموية" التي بدأت قبل ثلاثين عاما.

يومها حل كابوسا على رواد سوق بنت جبيل. بعيد 15 تموز الفائت عاد "زائرا" بعدما احتل المدينة 22 عاما. عاد يعيث دمارا وقتلا، تماما كما عادته. اما اهل الدار، فلم يتركوا الزائر وحيدا. اكرموه على عادتهم. لم ينسوا اصول الضيافة التي تليق بعدو. الاخير عاد يجرّ اذيال الخيبة. لكنه امعن في تدمير معالم المدينة. معالم سوقها. الاخير اضحى اثرا بعد عين (...).

لكن هذا الدمار لم يدم طويلا في بنت جبيل. بعد اسابيع قليلة تفتتح السوق الجديدة الموقتة بعد ان ينجز اعمارها "المكتب القطري لاعادة اعمار الجنوب"، علما ان الاخير قطع اشواطا في اعادة اعمار المدارس ودور العبادة ومباني الادارات الرسمية في بنت جبيل، اضافة الى التعويض عن المتضررين في المدينة.
 

• • •

تبقى سوق الخميس "نص الدنيا" و"النص الآخر" الايام التي تفصل بين سوق وسوق. ومن سوق الى سوق يخلق الله ما لا تعلمون، حسب تعبير الدكتور منذر جابر.

§ وصـلات: