نتف من ذاكرة شفهية تؤرّخ علاقة الجنوبيين بسياسيّيهم
رحل الزعماء...

وبقيت دُورهم شاهدة عليهم
الأخبار -- (الأربعاء، 30 أيار «مايو» 2007)
داني الأمين
دارة علي بزي في بنت جبيل
مثّلت بيوت رجال الدين والسياسة الجنوبيين لعقود من الزمن قبلة لأبناء المنطقة، كانوا يؤمّونها تقديماً للولاء ويقيمون فيها حلقات الرقص والدبكة. لكن الذي يزور هذه البيوت اليوم يجد نفسه واقفاً على الأطلال... ولا يعيد الحياة إلى الحجارة الباقية إلا روايات يذكرها كبار السن ممن عايشوا تلك المرحلة من تاريخ الجنوب.

تختلط مشاعر أبناء الجنوب لدى الحديث عن زعماء سياسيين عايشوهم. من الفخر بأن بلادهم أنجبت رجالاً كبار، إلى القهر من معاناة لم ينسوها في ظلّ حكم إقطاعي تحكّم بلقمة عيشهم، وصولاً إلى التسليم بحكمة الله الباقي بعد زوال كلّ مجد... كاذب.
 

علي بزي

لا تزال دارة النائب والوزير الراحل علي بزي (1912ـ1985)، التي شيّدت في عام 1932، قائمة في مدينة بنت جبيل رغم ما لحق بها من قصف في عدوان تموز الأخير أدى إلى هدم الجزء الأكبر من المنزل، بعد أشهر قليلة من إعادة ترميمه.

الخراب والدمار يسيطران على المشهد، وحجارة البيوت القديمة التراثية متناثرة في أرجاء المكان الذي يخلو إلا من بعض العمّال السوريين الذين يقومون بترميم الجامع الكبير للبلدة حيث يقع المنزل.

«غابت مظاهر الحياة برحيلهم» يقول أبو علي بزي ابن الثمانين عاماً «هنا في هذه الدار كانت تعقد حلقات الدبكة وتوزع القهوة ويلتقي العشّاق... كل شيء كان مؤمّناً حتى المنامة للغرباء، فقد خصص الطابق السفلي لراحة الوافدين». ويروي عدنان بزي، شقيق الوزير الراحل، أن هذا المنزل «كان مزاراً لجميع المسؤولين والمواطنين وكان منطلقاً للثوّار في فلسطين... وكان علي بزي من المشاركين في معركة الهرّاوي عام 1948 قبل سقوط المالكية».

يقول المؤرخ والأستاذ الجامعي الدكتور مصطفى بزي، إن «منزل علي بزي كان من أشهر المنازل العاملية منذ منتصف القرن التاسع عشر الى القرن العشرين. وكان يقصده كبار الشخصيات السياسية والأدبية والعلمائية. بناه والد علي بزي المرحوم الحاج حسن سليمان بزي أحد أبرز الشخصيات الدينية في ذلك التاريخ، حيث زوّج بناته على نفقته الخاصة لأبرز علماء الدين، ليصبح منزله مقصوداً من الجميع. وتعزّز دور هذا المنزل في عهد نجله علي، فمنه انطلقت زعامة عبد اللطيف الأسعد الذي نافس مرشح السلطة الفرنسية في الانتخابات. كذلك انطلقت منه انتفاضة 1936 التي أدّت إلى اعتقال علي بزي ورفاقه بأمر من المستشار الفرنسي باتشكوف. وفي هذا المنزل أيضاً تردّد الصدى الأول لثورة عز الدين القسّام في فلسطين حيث المركز الأساسي للتموين والذخيرة والمقاتلين الفلسطينيين.. وتحوّل في عام 1948 مركزاً لاستقبال رجال جيش الانقاذ».

ويحفظ كثيرون من أبناء القرى قصصاً عن الدار، منها الفكاهية. فيروي إمام بلدة شقرا السيد محمد علي الأمين «نسي السيد عبد الحسين محمود الأمين مرة مظلته في منزل علي بزي، فأرسل بطلبها لكنها لم تصل إليه، فكتب قصيدة ممازحاً جاء فيها:

   ردّوا عليّ مظلتي أو فاعلموا أني سأبعث فيكم تقريري
   أنتم أردتم وحدة عربية ورفعتم العلم البغيض السوري
   أوريتموها في «سليم جمرة» كادت لتودي في «سليم الخوري»
   ما طبّلت شقرا ولا النبطية إلاّ لنفخ ذلك السوري
 

سعد الدين فرحات

غير بعيد عن بنت جبيل، تقع بلدة بليدا التي كان يسكنها سعد الدين فرحات الذي عرف بزعامته الإقطاعية النابعة من النفوذ السياسي والأملاك العقارية الكثيرة. كان لفرحات دار واسعة يستقبل فيها زواره ويحيي فيها السهرات بشكل دائم.

«ما حدا كان عندو فنجان قهوة غيره» يقول محمد علي حجازي متذكراً تلك الأيام القاسية «عندما كان أهالي بليدا يعيشون حياة فقيرة جداً ويعملون في الزراعة عند سعد الدين الذي يأخذ ثلث الغلّة الصافية بعد حسم نفقات الزراعة من حصة المزارع».

ويؤكد حجازي أن «سعد الدين كان الوحيد الذي يستطيع استقبال الضيوف والزوّار، خصوصاً الغرباء والدرك ومحصّلي الضرائب، فمنازل الفلاحين لم تكن تتسع لساكنيها» معتبراً أن «إحساس الناس آنذاك بالظلم والغبن هو الذي جعلهم يتمردون على هذا الواقع إلى حدّ قيامهم باقتحام منزل فرحات وقتله هناك».

وفي محاولة للإشارة إلى حجم الفقر الذي كان يعيشه الأهالي يروي السيد أمين الأمين (87 سنة)، أحد أبناء بلدة شقرا، أنه «بعد قتل سعد الدين فرحات في بلدة بليدا، توجهنا إلى منزله لحضور ذكراه الأسبوعية. تم إعداد طعام الغداء، تجمّع الناس في الطابق السفلي للمنزل ووضع الأرز بكميات كبيرة على إحدى الحصر، ووضعت فوقه (قصبة لحمة) تزن نحو 2 كيلو، فأتى أحدهم وسرقها وفرّ بها هارباً وبقي الأرز من دون اللحمة. وكان بعض الأهالي يضعون الأرز في أحزمتهم ويأخذونه الى بيوتهم».

دارة سعد الدين فرحات خالية اليوم، جزء منها مهدّم وهي مهملة وتحتاج الى الترميم. لكن أبناءه يرتادونها صيفاً.
 

كامل بيك الأسعد

في الطيبة حيث دارة البيك كامل الاسعد، الأمر مشابه. الدار الكبيرة القائمة في إحدى التلال المرتفعة في البلدة مهجورة أيضاً. والأبواب المشرّعة تتيح التنقّل داخل المنزل من دون أن يلتفت أو ينتبه إليك أحد. الطريق إليه ما زالت معبّدة، لكن لا وجود للحياة. خراب وإهمال ومساحات واسعة من الأراضي المتروكة التي ابتعد عنها المزارعون.

قد لا يعني مشهد هذه الدار شيئاً لأطفال الطيبة، لكن الأمر مختلف جداً عند كبار السن، الذين باتوا يستطيعون دخول منزل رئيس مجلس النواب السابق من دون موعد أو وساطة.

يذكر ابراهيم عواضة من بلدة شقرا أنه «رغم حالة الفقر المدقع التي كنا نعيشها، كنّا نذهب إلى دارة البيك سيراً على الأقدام محمّلين بالمؤونة والعتاد». ويروي أبو فايز قازان (83 سنة) من بلدة الطيبة «قصدت هذا المنزل يوماً طالباً وظيفة في الجيش اللبناني فرفض البيك، طالباً مني متابعة مساعدة أبي في زراعة الأراضي التي هي ملك البيك نفسه».

أما جارة البيك أم حسين داوود فتتذكر الماضي بحسرة «كان منزل البيك زينة الجنوب، فلا تتسع ساحته للزائرين من كلّ مكان. كل وفد يأتي محمّلاً بالذبائح، مع رفع راية البلدة التي ينتمي إليها بواسطة عمود خشبي ضخم يحمله الأقوى بنية من بين الرجال، أما أم كامل بيك فكانت محاطة بالخدم الذين يقومون بخدمتها طوال النهار».

يكمل أبو فايز «تتجمع الحشود في باحة الدار الواسعة، إلى أن يطلّ «البيك» من الأعلى ليلقي خطابه على مسامعهم وسط تصفيق حار، مثلما يفعل بعض زعماء اليوم. وذات يوم نزل البيك الى ساحة الدار وطلب منّا الذهاب لجلب الحشود من القرى والبلدات الجنوبية. وأثناء مرورنا ببنت جبيل، اعترضنا بعض مؤيدي الوزير علي بزي وبدأوا برشقنا بالحجارة».

يحاول أن يصف تفاصيل البيت، لكنه يعود إلى تذكّر بعض الأحداث: «كانت قاعة الاستقبال في دارة البيك واسعة جداً، محاطة بمقاعد من الحجر الملبّس بالقماش الفاخر ويجلس عليها كل وفد على حدة إمّا ليبايع البيك على إعادة انتخابه ولائحته مجدداً، أو بسبب حاجة أو خدمة تطلب منه مباشرة. لكننا ذات مرة وزّعنا بعض الصحف الشيوعية في البلدة ووضعنا عدداً من المقالات المناهضة للاستعمار في سيارة المستشار الفرنسي الذي كان ضيفاً في منزل البيك، بعدما سرقنا علبة السجائر الموجودة داخلها».

وينتقل إلى رواية أخرى: «عندما توفي محمود الأسعد، شقيق كامل الأسعد، دفن في مقام خاص قرب دارة الأسعد الأب، وتقدّم أحد أبناء يحمر (النبطية) وألقى قصيدة وسط تصفيق وترداد من الحشود الغفيرة:

يا بيك بجنان النعيم منهنّئك بهالمقام بجوار عيسى وطه النبي عليه السلام

ويذكر السيد أمين الأمين أن زعيم شقرا في ذلك الوقت، عبد الحسين الأمين، أنقذ كامل بيك من السجن. «قدم الجيش الفرنسي الى شقرا وقصد منزل زعيمها السيد عبد الحسين الذي كانت تربطه علاقة متينة بكامل الأسعد وطلبوا منه مرافقتهم الى حيث كامل الأسعد بهدف اعتقاله، فوافق على ذلك مرغماً. وبوصولهم الى بلدة الطيبة طلب منهم السيد أن يتوقفوا حتى يطلب من النساء مغادرة منزل الأسعد حسب العادات والتقاليد الموروثة، عندها طلب من كامل الاسعد أن يلبس عباءة النساء ويخرج معهن وهذا ما حصل. الأمر الذي ساعد الاسعد على الفرار لكنه أدّى لاحقاً الى اعتقال السيّد وسجنه في جبل لبنان».
 

لرجال الدين حصة أيضاً

لا تقلّ أهمية رجال الدين وموقعهم عن رجال السياسة بالنسبة إلى أبناء جبل عامل. وهم يذكرون دوماً الدور الذي أداه رجال الدين في تثقيفهم وتعليمهم في مرحلة كان فيه العلم حكراً على فئة معينة.

من هذه البيوت، منزل المرجع الراحل السيد محسن الأمين في بلدة شقرا، الذي قيل إن «مؤلفاته نافت على سني عمره وذلك مع استغراقه في أعمال الاصلاح والعمل الاجتماعي ومراجعات الناس».

لا تزال هذه دار قائمة إلى اليوم، لكنها قسمت إلى ثلاثة أقسام بعد توزيعها على الورثة من أحفاد السيّد. قبل ذلك كانت مزاراً لطلاب العلم والمعرفة والمشورة، وكان يقصدها الفقراء والمحتاجون، وكان بداخلها ديوان كبير للاستقبالات.

يقول إمام شقرا السيد محمد علي الأمين «آنذاك لم يكن كثيرون يجيدون القراءة أو الكتابة، إضافة الى عدم توافر وسائل الاعلام المختلفة، لذلك كانوا يقصدون السيد محسن من كل حدب وصوب لمعرفة الأخبار لكونه على تواصل دائم مع أصحاب العلوم والمعارف». كذلك كان السيد مرجعاً دينياً مقلَّداً من الكثيرين الذين يقصـدون داره لأخذ المشورة ولحل مشكلاتهم المختلفة.

أما الأخبار السياسية فكان يخصّ بها السيد عبد الحسين الأمين الذي كان على علاقة دائمة مع السياسيين في ذلك الوقت أمثال الوزير علي بزي والرئيس كامل الأسعد.

يذكر السيد محمد علي الأمين «أن السيد محسن كان مرجعاً في كل الأمور حتى في شؤون الطب، إذ إن الأهالي في ذلك الوقت كانوا يثقون بالإمام في كل شيء، وهو كان يجمع المعلومات الطبية لكي ينصح بها المرضى».

§ وصـلات: