جوهرة الجنوب المحررة
سهى بشارة

البيان الإماراتية (الثلاثاء، 8 أيلول / سبتمبر 1998)

شوقي بزيع

سهى بشارة لحظة خروجها إلى الحرية

     قبل عشر سنوات اطلقت جوهرة الجنوب المناضلة سهى بشارة رصاصات الامل والالم باتجاه انطوان لحد , عميل اسرائيل وصنيعتها في الجنوب اللبناني. لم تستطع تلك الرصاصات التي اصابت قائد ما يسمى بجيش لبنان الجنوبي ان تصيب مقتلا منه ولكنها بالمقابل استطاعت ان تقض مضاجع العملاء واسيادهم لفترة طويلة وان ترسم طريق الخلاص امام ارتال المقاومين المنتظرين دورهم لافتداء الوطن بحبات القلوب وفلذات الاكباد.

ليست سهى بشارة بالطبع الفتاة الوحيدة التي نذرت نفسها لواجب التحرير ولن تكون الاخيرة في هذه المسيرة الشاقة. فقبلها حولت عروس الجنوب، سناء محيدلي، جسدها الغض الى كتلة من الشظايا المتفجرة تحت آليات العدو. وقبلها ايضا قضت كل من يسار مروة ولولا عبود ومريم خير الدين على الطريق نفسه الذي عبده المقاومون بالاهداب والمهج وحلم الانتصار. ولكنها الوحيدة من بين رفيقاتها التي قدر لها ان تظل على قيد الحياة وان نحتفل بها قبل ايام بخروجها من الاسر متوجة بالبرق الذي ضفرت به جبينها المرفوع.

عشر سنوات من الاعتقال في زنزانة صغيرة ومشبعة بالرطوبة والقذارة والمهانة اليومية ليست بالامر السهل على فتاة طرية العود وفي مقتبل العمر، كما كانت سهى يومذاك، وكان يمكنها ان تغض النظر عما يحيق بشعبها من مخاطر وآلام، شأنها في ذلك شأن الملايين من الصبايا والشباب المتلهين بتفاصيل العيش اليومي وترهاته. كان يمكنها ان تتابع مهنة التدريس التي اختارتها في مطلع العمر لتسد بواسطتها رمق العيش ومتطلباته او ان تعيش مدللة في منزل انطوان لحد الذي طلب اليها ان تعطي دروسا اضافية لابنائه اليافعين ولكنها مدفوعة باحساس عارم بالكرامة وحب الوطن اختارت بدلا من ذلك ان تنذر نفسها لخدمة القضية الوطنية والقومية وان تسهم في دفع الحلم العربي قليلا الى الامام. وهكذا كان عليها ان تواجه بالجسد الاعزل والرجاء العاري كل تلك الاهوال التي تحدثت عنها منظمة الصليب الاحمر الدولي ووكالات الانباء ووسائل الاعلام المختلفة. 

ومع ذلك لم تتحدث سهى وهي تتوجه من معتقل الخيام باتجاه منزل ذويها في بيروت عن كل ما له علاقة بمكابداتها الشخصية وعذاباتها الطويلة والمريرة. كانت تمشي بكبرياء الارض دون ان تخسر تواضعها المفرط وكانت تبتسم للمصورين والصحافيين والاهل والاصدقاء برقة انثوية خالية من اي احساس بالقهر والعناء اللذين حملتهما طويلا في داخلها. لم تشأ ان تتحدث عن ظلام الزنزانة المشبع بالكوابيس وعن توق الجسد الانساني الى معانقة كسرة امل او حبة ضوء تتسلل من الخارج. عن الرغبة في معاتبة حشرة او نملة، صرصار او اي كائن يتحرك في جوف تلك الوحشة العميقة والفراغ المقيم. لم تتحدث عن اساليب العدو المروعة للنيل من صمودها الجسدي والروحي. عن التهديد بالاغتصاب وعن الصرخات المنبعثة من الزنزانات المجاورة وعن اطلاق الرصاص فوق رؤوس المعتقلين وعن الماء الساخن والماء البارد والتعذيب بالكهرباء. وحين سألها البعض عن عذاباتها في المعتقل اجابت بشيء من الحسرة والمرارة: انني اخجل من الحديث عن بعض لدعات الكهرباء امام هول المجازر والفظاعات التي جرت في قانا وغيرها من قرى المواجهة في الجنوب.

انه لمن الغريب ان تشعر سهى بشارة بالخجل ازاء من فاقها في المعاناة والصبر وقوة الاحتمال في حين ان هناك من هو اولى بالخجل والشعور بالذنب والاثم والتقصير في اصقاع هذا العام العربي الذي يغط في نومه العميق. وانه لمن الغريب ايضا ان يترك حفنة من المقاتلين في الجنوب اللبناني او من المنتفضين فيما تبقى من فلسطين ليواجهوا بمفردهم مصيرا محفوفا بالمخاطر والاهوال والمواجهات الدامية في حين تجلس امة بكاملها على عجيزتها لتراقب المشهد وتنتظر نهاية الصراع بفارغ الصبر.

ان نموذج سهى بشارة يجب الا يظل وحيدا ويتيما في هذا الخلاء العربي الشاسع. فهي لم تولد من معجزة ولم تترعرع في عهدة الاساطير. هي، بكل بساطة، فتاة عادية في النشأة والتربية والمظهر والاحاسيس. كل ما فعلته انها بحثت طويلا عن المعنى فلم تجده في كنف الاحتلال وتحت حذاء العدو او حديد مجنزراته بل وجدته متصلا بهواء الحرية النظيف وبشمس الكرامة الساطعة. كل ما فعلته انها تصالحت مع تراثها وقيمها وايمانها بماضي الامة ومستقبلها وحقها في ان تجد لها مكانا لائقا بين الامم والاوطان.

سهى بشارة ليست صرخة يتيمة في ليل العجز العربي ولا يجب ان تكون. انها الانوثة في تجلياتها الاروع وفي كسرها لقيود العادات والتقاليد المهيمنة. وهي المرأة خالية من عقد النقص والانسان في اوج انعتاقه وتوقه الى المطلق. فتحية لها من القلب باعتبارها الاشارة والطريق والدليل.
  

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic