أحمد عبداللطيف بيضون

أحمد بيضون
كتاب مفتوح على... الماضي والحاضر والمستقبل

 
السفير -- (الخميس، 18 آذار «مارس» 2004)

سعد كيوان


     يبدو من “عالم آخر”، من عالم “الكتاب” لا “الكتبة”. فكر تجديدي، ذهن متوقد وثقافة سياسية ومعرفية ولغوية كثيفة و... حس نقدي عال. راهن على التغيير، أو الأصح كما يقول، عاش “وهم” التغيير، حاول صناعته مع أمثاله من جيل الستينيات والسبعينيات. لا يتنكر لماضيه اليساري، يعيد “قراءته” بجرأة فكرية وأخلاقية لافتة... ويفاجئك باستنتاج مفاده أنه “عند نشوب الحرب أدركنا أننا لم نفهم شيئا من واقع البلد. كنا جزءا من المخاض الذي أوصل الى الحرب الأهلية، ولا يجب المعاندة في تحمل المسؤولية”... لكنه لم ييأس. انه ينتمي الى لبنان “الافتراضي” الذي نخشى ان يبقى افتراضيا. 

أحمد بيضون، هادىء، مرح، يفكر مليا، يختار كلماته، يعيشها. يصقل لغته ومفرداتها (“كلمن”. من مفردات اللغة الى مركبات الثقافة، 1997). يعيش اليوم بين الكتب، يتغذى منها ويغذيها. بدأ كتابة الشعر منذ العاشرة (“الأخلاط والأمزجة” ديوانه الأول الصادر عام 1988)، لكن علاقته به “مثل علاقتي بالتدخين... متقطعة”. 

هجر “ساحة النضال” في 1973 بعد تجربة طويلة. لم يحترف السياسة. تمرد على السياسة التقليدية منذ الصغر. لم ترق له، لم تستهوه وهو الطالع من بيت سياسي جنوبي. لدرجة أنه لم يصوت لوالده عبد اللطيف بيضون الذي أصبح نائبا أول مرة عام 1964. 

يحاول التعبير عن نفسه بشتى الوسائل. تعلم “التنوع وعدم التهيب”. لا يتهيب السلطات ولا التفكير الحر. يقول: “أغامر، أجازف وللآخرين أن يقيموا”. قيمه البذل والعطاء والنقد. متعدد المواهب والطاقات، ومستنبط “ورش على أنواعها”. يرصد منذ الثمانينيات “التوازنات الأساسية” للتركيبة اللبنانية عبر انتاج نصوص، مقالات ودراسات غنية. أول مشروع اطروحة دكتوراة له كان حول “النظرية الاخلاقية عند كارل ماركس” وانتهى به المطاف الى... “الصراع على تاريخ لبنان” (1989). 

ولد بيضون في بنت جبيل عام 1943. تلقى علومه الابتدائية والتكميلية في مدرسة البلدة الرسمية، ثم انتقل الى دير مشموشة (جزين) لتحصيل الشهادة المتوسطة لارتباط والده بعلاقات صداقة مع رهبان مشموشة. بعدها نزل الى مقاصد صيدا حيث أنهى البكالوريا بجزءيها، والتحق بالجامعة اللبنانية لدراسة الفلسفة. لم يتعلم في مدارس “مهمة” لأن الامكانيات المادية كانت محدودة. متزوج من عزة شرارة (شقيقة وضاح شرارة) ولهما بنتان توأم. 

بدأ وعيه بالتكون باكرا مع صعود “حركة القوميين العرب” والثورة الجزائرية وسطوع نجم عبد الناصر. أعجب بالتيار القومي التحرري وهو ما زال في سن المراهقة. عام 1961، وكان قد اصبح في الجامعة، بدأ يتقرب من الشيوعيين. انفراط عقد الوحدة بين سوريا ومصر شكل نكسة بالنسبة له. يقول بيضون: “بدأ التوجه نحو الماركسية بعد ادراكنا أن هناك خللا في الحركة القومية”. لكنه حمل معه “حذرا تجاه الحزب الشيوعي متوارثا من الحركة القومية نتيجة لمواقفه من الوحدة العربية وفلسطين والتقسيم ومسألة التبعية للاتحاد السوفياتي...”. 

وعلى طريق البحث عن “ضالته” التقى أول “رفاق النضال” وضاح شرارة وفواز طرابلسي عام 1965 ضمن حركة “لبنان الاشتراكي”، التي بدأت في ما بعد مفاوضات الاندماج مع “منظمة الاشتراكيين اللبنانيين” الخارجة من رحم “حركة القوميين العرب” بقيادة محسن ابراهيم ومحمد كشلي، والتي أفضت في 1970 الى قيام “منظمة العمل الشيوعي”. واكب “الماركسي الشاب” مرحلة المفاوضات وكل هذا المخاض واصبح عضوا في المكتب السياسي لتنظيم “اليسار الجديد”. 

لكن تجربته لم تعمر. بعد ثلاث سنوات فقط افترق “الرفاق” في اول انشقاق وذهب بيضون وشرارة في اتجاه آخر. أوجه الخلاف “ايديولوجي، تنظيمي وحول العلاقة مع الفلسطينيين والآخرين”. 

يتكلم بيضون عن تلك المرحلة بصراحة مطلقة. لا مكابرة أو مواربة. تسأله عن تقييمه لها يجيب بكل بساطة: “فاشلة، كان لدينا وهم بامكانية خلق بديل متماسك”. الا أنها حملت “قيما ونبلا وتربيا على العطاء. جسدت تربية على الأمور العامة والاهتمام بمصائر البشر كمجتمعات، وتحسسا بتجاوز الأطر الجزئية من دون إلغائها”. تجربة تنمّي انتماء انسانيا حقيقيا “ولو على أوهام”. مرحلة “كونتني خلقيا، أسستني، حددت طريقي في الانتماء، على المستويات كافة”. 

يقارن بين فترة شبابه وشباب اليوم: “كنا متيقنين من التغيير، طموحنا كان شاملا وكبيرا، كنا نشعر اننا جزء من حركة كونية مع احتمالات الانتكاسة والنجاح”. أما شباب اليوم “يهتمون بتفاصيل وقطاعات، يتجهون الى التخصص”. شعوره “ان أمورا كثيرة أصبحت خارج متناول التغيير، شعور بجزئية التأثير والتحرك والوصول الى شيء متماسك ورسم صورة مختلفة للمجتمعات...”. 

وماذا عن التجربة الشيوعية؟ “كان لدينا زعم، كنا قوالب لا تنتج فكرا له علاقة بالواقع الاجتماعي. قالبنا كان سوفياتيا، تصوراتنا وتحليلاتنا لم يكن لها علاقة بفهم مطابق للمجتمع اللبناني... كنا بعيدين عما يجري”. التجربة الشيوعية برأيه لم تنتج معرفة أو فكرا لحركة تعبر عن تطلعات اجتماعية ذات أفق: “كان هناك فشل على هذا الصعيد”. يسترسل قائلا: “أصول وقوانين وقواعد العقيدة لم تكن موافقة لحرية الفكر والجرأة على النقد”. ويضيف ضاحكا: “اليوم تحسّنا”. 

أما الحصيلة السياسية؟ يبدو بيضون هنا “بدون رحمة”: “بالنسبة للأهداف المحددة كانت في بعض الحالات صفر وفي البعض الآخر أقل من صفر. كنا جزءا من مخاض أوصل الى الحرب الأهلية...”. الا أنه يعود مجددا ويركز على قيم “البذل والنقد” في تلك التجربة. 

قبل نضوج التجربة، سافر الجامعي أحمد الى باريس بمنحة من الجامعة اللبنانية كمتفوق في قسم الفلسفة لتحضير رسالة الدكتوراة. الا انها بقيت محطة “عابرة” وعاد قبل انهاء بحثه. مكث في البلد ولم يغادره طيلة الحرب معاندا التيار ومثابرا على الكتابة. 

بنت جبيل ميشيغان
إضغط لشراء الكتاب

كيف وبمن تأثر بيضون وهل كان للبيئة العائلية وبنت جبيل أي دور في تكوينه؟ الرفض بدأ باكرا عنده: “شبكة العلاقات كانت خانقة، كثير من الشكليات والتقاليد والمبالغة في طقوس الاحترام... كل ذلك أثار عندي رفضا وعدم التزام بقواعد السلوك”. الا أن الوسط الريفي كان وراء رفضه المعرفة كاختصاص. يقول: “لا يمكن ان تبقى هاويا في ما تعمل... المجتمع الريفي لا يجمد ولا يحصر، يعلمك تقنيات عديدة تتداخل ببعضها (كندرجي، جنيناتي، زراعة الدخان). يشجع الناشىء على حب التعلم والتجربة. وفي المجال الفكري لا حدود لدي في التعلم، كل شيء يثير فضولي”. 

أحمد بيضون تأثر بخاله موسى الزين شرارة “الذي كنت أستمتع بالقعدة معه”، كما بشخصيات الرواية والمسرح والشعر التي قرأها. 

الجمهورية المتقطعة
إضغط لشراء الكتاب

كتاب “الجمهورية المتقطعة” (حول الصيغة بعد “الطائف” 1999) يفتح الحوار على الحاضر. المسألة الاقتصادية هي مصيرية اليوم برأي المثقف بيضون. الدولة لا تعطيها حقها. هناك استمرار بالمسلك الذي أوصلنا الى ما نحن فيه، وتغليب لاعتبارات صغيرة في التنازع السياسي على حساب الحلول الممكنة. ثم “العلاقات الطائفية”، مرض تفاقم بعد الحرب واليوم يعالج بالتجاهل. يضيف أن علاج المشكلة “غير موجود أيضا عند المعارضة المسيحية. السلطة مستقرة على امتيازاتها والمعارضة ترسي طروحاتها على بلد تتذكره، على صورة لا علاقة لها بموازينه الحقيقية وشبكة علاقاته”. يؤكد بيضون أن “لا أمل ولا حل الا بالخروج من هذه الصيغة، لكن المشكلة ليست الدواء بل المداوون. لا أحد يريد الخروج منه. الحل يتيم لا أهل له كأن تدعو الطائفيين للخروج من الطائفية...”. 

أهم الشخصيات في تاريخ لبنان الحديث؟ رياض الصلح. يرسم بدقة لافتة مسار الرجل. أنه أكثر الشخصيات برأيه تطابقا مع مفهوم الاحتراف في السياسة. لديه بوصلة مع احتفاظ بدرجة عالية من المرونة. أكثر سياسيي تلك المرحلة مبادرة وأفكارا ورغبة في التدخل بكل ما يجري حوله في المنطقة العربية. انه واحد من النماذج الأساسية لجيل من يصفهم “المواطنين العرب”. كان يمكن أن يكون رجل دولة في اي من الدول العربية، الا أنه اختار منذ 1936 ترسيخ فكرة لبنان. صغر هو وكبر لبنان... لكن مسألة بناء الدولة لم تكن أبرز براعاته. باختصار كان بارعا في قيادة السفينة أكثر من بنائها. 

ك”جنوبي” كيف تنظر الى تجربة “حزب الله”؟ انطلق من مكان واصبح في مكان آخر، ويمكن ان يتغير الى مزيد من الاستقلال عن السوري والايراني. ولكن... لا يزال غائبا عن مشروع للدولة اللبنانية ينطلق من قراءة فعلية للمجتمع اللبناني. وتجاه الحكم يحتل وضعية غريبة، وضعية حزب موال غير مرشح للحكم وموالاته. بقاؤه خارج السلطة في المرحلة الماضية كان مفيدا، ووضعه اليوم معلقا. انه مرافق محايد وشبه غائب في كل ما يجري، يراوح بين الحذر والعجز. 

نعود الى التغيير، هل لا تزال مراهنا عليه؟ لا يرى “السياسي” بيضون من يتولى قيادة البلد الى ضفة أخرى. الأوضاع الاقليمية ستبقى متحكمة بلبنان من خلال العودة الاميركية الى التعاطي المباشر بعد تخليها عن “منطق الوكالات”. أما السيطرة السورية فيعتبر أنها بدأت تتآكل وبسرعة ولكنها لا تزال قائمة... في الشبكات السياسية وعلاقات الأطراف فيما بينها. التفلت ظاهر من سنوات، وينعكس في كيفية معالجة الرأي العام للمواضيع المتعلقة بالدور السوري، من الصالونات الى الاعلام. وأخيرا هناك بداية اختلاف في سوريا نفسها وعلاقة ذلك بكل ما يجري في المنطقة. 

أحمد بيضون يقول أنه “منيح مطرح مني موجود”، عندما يكتب يشعر أنه يرمي فكرة، رأيا، شيئا ما من دون أن يكون لديه ضمانة بنوع تأثير لهذا الموقف أو الفكرة أو الرأي. أنه كتاب مفتوح...


 

§ وصـلات:

    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic