الأسرى اللبنانيون في السجون الإسرائيلية

المعتقل والصمت والكلام

نوال قاسم بيضون
ذكريات من زنازين "الخيام"

سمعت دقات على الباب بشكل غير مألوف، اسرعت لارى من الطارق، ذهلت عندما وجدت ثلاثة كلاب من العملاء امام الباب.. ماذا تريدون؟...

فوجئت يوم الخميس في العشرين من نيسان، الخامس من شهر رمضان عام 1988، باعتقال فتاتين من اللواتي يعملن ضد الاحتلال واقتيادهن الى معتقل الخيام، وقد علمت بهذا الامر وانا في المدرسة، وذلك من احدى الزميلات، فصعقت للخبر. قلت في نفسي جاء دوري، اذ كنا نحسب حسابا لهذه الساعة، ولكنني تظاهرت بتجاهلي لهاتين الفتاتين واستمررت في عملي بشكل طبيعي وفي داخلي احساس غريب وتساؤل عما سيحصل.

في اليوم نفسه وعند الساعة السادسة والربع، وبينما كنت مشغولة باعداد الافطار، وقبل خمس دقائق فقط على موعده، سمعت دقات على الباب بشكل غير مألوف، فأسرعت لارى من الطارق. ذهلت عندما وجدت ثلاثة "كلاب" من العملاء امام الباب (هم حسين عبد النبي او عدو النبي كما كنا ندعوه في ما بيننا وعبد النبي ايوب الملقب بالجلبوط وفوزي الصغير). سألتهم ما الامر؟ ماذا تريدون؟.

- لم يكن في البيت سوى اخي الذي لم يكن قد تجاوز الثالثة عشرة من عمره وشقيقتي اللتين تصغرانني بضع سنوات، وللحال خطر ببالي انهم جاؤوا في طلبي. عندها فتح العميل عبد النبي يده وسألني بالحرف الواحد:

-انت نوال قاسم بيضون؟

- نعم.

اذ ان اسمي كما تبين لي مكتوب على كفه.

-تعالي معنا الى مركز البلدة لبضع دقائق، هناك سؤال نريد معرفة جوابه منك وبعدها تعودين الى البيت.

-ماذا تريدون مني؟

-تعالي معنا وبعد ذلك تعرفين كل شيء.

رفضت، وفي تلك اللحظة تجمع الجيران في باحة البيت واخذوا ينظرون الي نظرة خوف علي. اصررت على رفضي، لكن العميل فوزي الصغير قال لي: "لا تعاندي، خمس دقائق وتعودين"، فكررت رفضي. عندها صوب العميل عبد النبي مسدسه نحوي وهددني باطلاق الرصاص علي اذا لم استجب لطلبهم. صرخت جارة لي بان اذهب دون مجادلة (في ذلك الحين لم تكن والدتي ولا والدي في البلدة)، تبسمت للجارة، وطلبت منهم ان يعطوني مهلة خمس دقائق لاداء الصلاة وتغيير ملابسي، ولكنهم رفضوا مع اشهار السلاح.

 في تلك اللحظة الرهيبة رمقت جميع من حولي بنظرة وداع وجلت بنظري لارى اخوتي ولكنني لم ارهم امامي او ربما كانوا موجودين ولكنني لم اع وجودهم. اقتادوني الى مركز البلدة الذي يبعد عن منزلنا مسافة عشر دقائق سيرا على الاقدام، والمارة من الجيران ينظرون الي نظرة خوف علي وعلى مصيري، حتى وصلنا الى المكان المقصود. ادخلوني غرفة كانت معدة في السابق لاعطاء تصاريح المرور عبر الحاجز واجلسوني على كرسي حديدي، وانهال علي العميل "عدو النبي" بالاسئلة التالية:

-اين تضعين جهاز الارسال والاسلحة التي بحوزتك؟

-اية اسلحة هذه واي جهاز تسألني عنه؟

-لا تتظاهري بالتجاهل، اجيبيني بصراحة، افضل لك. ما هي علاقتك بفلانة (احدى الفتاتين اللتين اعتقلتا قبلي بيوم واحد).

-معرفة سطحية كأية فتاة من البلدة.

-ولكنها تقول غير ذلك، تقول ان لديك جهازا وشيفرة واسلحة كاتمة.

-هذا غير صحيح.

-اذن انظري الى هذا الجهاز، واشار الى جهاز يشبه صندوقا مربعا على سطح خزانة حديدية، اسود اللون، يشبه التلفون القديم، قلت:

-ما هذا؟ وماذا يعني؟

-انه جهاز كهرباء وستجربينه لنرى ماذا ستفعلين.

رفعت نظري الى الله تعالى بان يقف بجانبي وصممت على الانكار مهما كان الثمن. احضر الجهاز ووضعه امامه على الطاولة ثم انتزع سلكين من الكهرباء الموصولة بالجهاز ووضع احدهما بيد والاخر بيد اخرى وقال:

-سنرى الان، لن اوقف هذا الجهاز حتى تشيري برأسك بالايجاب عن مكان الاسلحة.

نظرت الى يدي حينا والى الجهاز حينا اخر، ثم رمقته بنظري. احضر العميل الجلبوط كمامة مبللة بالسبيرتو وقد علمت ذلك من رائحتها، ووضعها على فمي، في حين وقف العميل فوزي الصغير وأحد العملاء الذي يدعى كمال صالح والذي قتل في ما بعد بعملية مخدرات علي ايديهم.

حانت اللحظة، حرك يديه باتجاه مفتاح الجهاز واخذ يبرم به. عندها انتفض جسدي من مكانه، احسست وكأن روحي تنتزع من جسدي، ثم اوقف الجهاز وعاد ليسألني السؤال نفسه. صمت قليلا وتراءت امامي النهاية، نهاية حياتي. وللحال خطرت ببالي فكرة وهي ان انزع احد السلكين من يدي فعندها لا يمكن ايصال الكهرباء الي، فعاد يبرم ولكنني لم احرك ساكنا، ففوجئ بذلك ونظر الى يدي ثم صرخ باعلى صوته: "ما هذا! ماذا فعلت، الان سترين نهايتك". واعاد البرم في الجهاز بشكل جنوني بعد ان اعاد ايصال السلك الى يدي. بدأت اصرخ ولكن صوتي مكتوم بالكمامة، وبعد ذلك وقعت ارضا لشدة الكهرباء واغمي علي ولم اعد اعي ماذا يحصل بشكل واضح، كل ما وعيته هو وجود الماء على وجهي وانا في مكاني. بعد ان استعدت وعيي قال لي حسين عبد النبي : "لقد اخترت نهايتك".

امر ايوب الجلبوط بان يدخلني الى غرفة داخلية ويحكم اقفال الباب علي خشية الهروب، وسمعته يقول للعميل فوزي الصغير : "غدا في الخامسة صباحا تأتي وتأخذها الى الخيام".

جاء الموعد المحدد وهو الساعة الخامسة صباحا. سمعت صوت محرك سيارة تقف بجانب المركز. قلت في نفسي لقد جاؤوا. دعوت الله تعالى بان يكون معي ويقف الى جانبي ضد هؤلاء. اخذت اتأمل الباب بحذر، واذا بصوت الباب يفتح، تظاهرت وكأنني طبيعية لا اخشى شيئا ودخل العميل فوزي الصغير والقى علي تحية الصباح (يا للوقاحة) ! لم اجب، بقيت صامتة ثم قال لي: "لا تخافي، سأعمل المستحيل لارى ما القضية بالتحديد، ولكن الان علي نقلك الى الخيام وان شاء الله تعودي معي ولا تتأخري هناك". بقيت صامتة.

امرني بالتوجه نحو السيارة، فخرجت من الغرفة، وجلت بنظري بعيدا كمن يلقي نظرة وداع، ثم نظرت الى السيارة وتخيلت انني سأوضع في داخل صندوق مكبلة اليدين، مغمضة العينين، اذ هكذا كانوا ينقلون معظم الفتيات الى الخيام. ولكنه امرني بفتح الباب الخلفي للسيارة والصعود الى داخلها، ففعلت ذلك، وجلس بقرب العميل فوزي الغير المدعو كمال صالح ليكون مرافقا له.

 بدأت لحظة الانطلاق الى العالم المجهول، سارت بنا السيارة بسرعة طبيعية، ولكنني كنت اسمع دقات قلبي المتسارعة، لا ادري لماذا بالتحديد، هل من الخوف ام ماذا ؟ اخذت انظر حولي، الى الاشجار والبيوت والشوارع، الى المارة. وكأن كل ما يقع عليه نظري كان آية من الجمال والروعة. انظر الى ورق الشجر فاشعر نحوه باحساس غريب وكأنه شيء مقدس، لماذا انتابني هذا الشعور في تلك اللحظة يا ترى، ولماذا يبدو لي الان كل شيء جميلا، مع انني ارى كل هذا باستمرار وبصورة طبيعية: انه الاحساس بمعرفة قيمة الارض وكل شيء عليها.

في تلك الاثناء وضع العميل فوزي الصغير شريط كاسيت واول اغنية كانت عن الام، لن انسى مطلعها وهي (سامحيني طالب الغفران). كانت مؤثرة للغاية، انهمرت دموعي لسماعها، وقد تصورت انه تعمد اسماعي هذه الاغنية لعله يريد بذلك ان يعذبني نفسيا. وصلنا الى مكان يدعى (الدردارة) وهي بركة ماء واسعة وحولها متنزه معد للحفلات، كنت اسمع بها، وشاء القدر ان اراها. هناك قال لي العميل المذكور: انظري الى اعلى الجبل المقابل لنا، هناك سجن الخيام. صوبت نظري بدقة لارى هذا المكان المجهول، فاذا هو اشبه بقلعة محصنة. طالعني من بعيد رجل يحمل بندقيته يقف في اعلى البرج.

تابعت السيارة المسيرة حتى وصلنا الى بوابة المعتقل، وهي عبارة عن بوابة كبيرة يصل عرضها تقريبا الى حوالي ستة امتار. توقفت السيارة هناك واخذت اتفحص ما حولي. كان هناك العديد من اكياس الرمل المكدسة تحيط بالابراج، ولكن العميل الذي يقف على البوابة لم يسمح للسيارة بالدخول مباشرة بل طلب من العميل فوزي الصغير ابراز هويته. لم يطمئن لذلك، فاذا به يتصل بواسطة جهاز للارسال بشخص اخر وسمعته يقول: "سيارة للامن تنقل فتاة، والامن تابع لمنطقة بنت جبيل".

بدا ان المجيب طلب منه السماح للسيارة بالدخول، اذ انه فور انتهاء المكالمة اشار الى العميل فوزي الصغير بمتابعة السير والدخول الى قلب المعتقل. اول ما طالعني بعد تجاوزنا البوابة عدد من الغرف ذات ابواب حديدية مبنية بانتظام، فقلت في نفسي لا شك بان المعتقلين داخل هذه الغرف. توقفت السيارة امام غرفة خرج منها عميل يحمل سلاحا على كتفه. كان ذلك في تمام الساعة السابعة صباحا، وقد عرفت الوقت من سماعي صوت الراديو من داخل السيارة.

لم تمض لحظات حتى دخلت الغرفة فتاتان احداهما شقراء الشعر. للوهلة الاولى ظننتهما "اسرائيليتين"، ولكن تبين لي انهما، لبنانيتان، كانت تبدو عليهما ملامح غربية، واذا باحدهما تحمل كيسا كحلي اللون وتضعه على رأسي، فتعجبت لذلك وانتزعته، فنهرتني بنبرة عالية: "اياك ان تفعلي ذلك مرة ثانية"، ثم وضعته مرة ثانية ووضعت فوقه عصبة كحلية ايضا وبالتحديد فوق عيني، فاحسست بانني اكاد اختنق من ذلك ولم اعد ارى شيئا، الظلام دامس امامي، بعد ذلك طلبت مني ان امد يدي ففعلت، وضعت بهما (كلبجة معدنية) وقالت لي اتبعيني، فقلت لها الى اين ؟ اجابت ساخرة: "الى السينما.. اتبعيني ولا تسألي عن أي شيء". ثم اخذت بطرف يدي وانا اسير كعمياء تخاف الاصطدام باي شيء. مشيت بضع خطوات ثم طلبت مني التوقف،  وبعدها سمعت صوت قفل يفتح ومن ثم صوت باب حديدي وامرتني بان ارفع قدمي مرة ثم مرة ثانية ثم بالدخول، وبعد ذلك فكت لي القيد المعدني وامرتني بان انزع الكيس والعصبة عن رأسي، ففعلت، ثم نظرت حولي فوجدت نفسي في غرفة لا يكاد يصل طولها الى متر او بضع متر وعرضها حوالي نصف متر، فقلت في نفسي هذا هو المكان الذي تخيلته. بعد ذلك طلبت مني ان اضع يدي خلف ظهري، ثم وضعت بهما الكلبجة وكذلك فعلت بقدمي، واجلستني والارض وقالت لي اياك ان تتحركي، وخرجت ثم اقفلت باب الزنزانة، علي وذهبت.

هنا نظرت حولي وقلت في نفسي، اين انا؟ ما هذا؟ واخذت اتفقد المكان وقد لفتت نظري عبارات عديدة مكتوبة على جدران الزنزانة، بعضها اسماء معتقلات دون اسماءهن وتواريخ اعتقالهن، وبعض ابيات شعرية للام والوطن، وبعض الآيات القرآنية.اذكر حينها انني لم استطع التركيز على فكرة معينة، فلقد احسست انني في غيبوبة بعد مضي حوالي ساعة نصف عادت وفتحت باب الزنزانة علي ثم وضعت لي الكيس والعصبة بعدما فكت القيود من قدمي، في حين ابقت يدي مقيدتين وامرتني ان اتبعها، وعادت وامسكت بطرف يدي وامرتني بان انزل قدمي مرة ثم مرة ثانية، فادركت ان الزنزانة التي وضعوني فيها لها درجتان. ثم سرت بشكل مستقيم حوالي ثلاثين خطوة، وامرتني بان ارفع قدمي ثم انزلها وبعد ذلك نزعت الكيس عن رأسي في حين بقيت يداي مقيدتين، فوجدت نفسي في غرفة، فيها طاولة وكرسي وخزانة حديدية وثلاثة اسرة، وكان يجلس على الكرسي خلف الطاولة شخص يبلغ من العمر حوالي خمسة وعشرين عاما.

 نظرت امامه فوجدت عددا من الملفات، فتح احدها ثم اخذ يسألني: "ما اسمك، عمرك، بلدك، ماذا تعملين، اين تتعلمين، وانا اجيب عن هذه الاسئلة، ثم سألني عن وزني وطولي وان كانت لدي علامات فارقة او ان كنت مصابة باي مرض او ان كان قد اجريت لي عملية ولو منذ عدة سنوات وانا اجيب عن كل ذلك، ثم قال للفتاة التي احضرتني: "سلموها فرشة واربعة حرامات"، فنظرت الى الفتاة نظرة احسست خلالها بانه لو باستطاعتي ان اخنقها لما قصرت، ولكن ما حيلتي.. ثم عادت ووضعت الكيس والعصبة في رأسي وتوجهت بي الى مكان يبعد بضع خطوات عن مكان وجودنا، وادخلتني غرفة كانت معدة لوضع الفرش والحرامات. هناك فكت القيود من يدي وطلبت مني ان احمل الفرشة والحرامين وليس الاربعة وانا اتبعها.

عند خروجي من الغرفة نظرت الى الخارج فلفت نظري عدد من الفرش، كانت حوالي خمسة عشر فرشة مع حرامات مفروشة على الارض، فقلت في نفسي مؤكد انها لمعتقلين، ولكن اين هم؟ لا اسمع صوتا اذ ان كل شيء كان ساكنا. اعادتني الى الزنزانة مرة ثانية وعادت وقيدت يدي الى الخلف ثم خرجت واقفلت الباب، وبعد ذلك، وبالتحديد بعد حوالي ساعتين، بدأت رحلة العذاب: بدأ التحقيق معي، انه الحادي والعشرون من نيسان يوم الجمعة 1988.

فتح باب الزنزانة فاذا بوجه جديد امامي، ليست الفتاة التي احضرتني الى الزنزانة، وليست رفيقتها، لعلهن اكثر من واحدة قلت، نظرت اليها، انها في الاربعين او اكثر، قصيرة القامة، ضخمة الجثة، زرقاء العينين، سألتني عن اسمي وعن بلدي ثم طلبت مني الوقوف بعد ان فكت الكلبجة عن يدي لتضعهما الى الامام.

وبعد ذلك وضعت الكيس في رأسي مع العصبة وقالت لي:

-يجب ان تعترفي بكل شيء، افضل لك من ان تتعذبي، وانا احب مساعدتك.

-انني لا اعرف شيئا لاعترف به.

-كلكن في البداية تقلن ذلك ثم يتضح ان عملكن كثير.

اثناء ذلك طلبت مني ان ارفع قدمي ثم انزلهما بعد مسافة عدة خطوات من الزنزانة، ثم سرت بضع خطوات لا تتجاوز الاربع وامرتني ان ارفع قدمي مرة ثانية واعود وانزلهما. ثم مشيت نفس المسافة تقريبا لاعود للشيء نفسه. هذه المرة رفعت قدمي قليلا ثم انزلتها ثم رفعتها بشكل واضح العلو ثم سرت خطوتين. طلبت مني بعدها الجلوس على كرسي امسكتها بيد في حين كانت مسكني بيدها الاخرى. ادركت حينها انني في غرفة ولكن لا اعرف شكلها ولا اشعر بوجود احد فيها. فجأة سمعت صوت تشويش ثم كلام. فتقطع باللغة العربية، ادركت ان هذا جهاز ارسال. اخذت اركز سمعي على كل شيء، فادركت ان هناك شخصا موجودا في الغرفة، وذلك حين سمعت صوت ورق للكتابة يحرك. ركزت اهتمامي على مصدر الصوت اكثر ثم فوجئت بصوت يسألني:

-ما اسمك؟

انتفضت من مكاني وكانت لهجة الصوت قوية جهورية فاجبته عن سؤاله ثم دار بيننا الحديث التالي:

-اين انت الان يا نوال؟

-حسب ما فهمت فانني في معتقل الخيام.

-وكيف عرفت ذلك؟

-عند احضاري الى مركز بنت جبيل. هناك قالوا لي انهم سيحضرونني الى هذا المكان.

-وماذا تعرفين عن سجن الخيام؟

-لا شيء.

-لا شيء ابدا؟ الا يوجد اشخاص من بلدتكم هنا؟

-نعم.

-وماذا تسمعين عنهم؟

-لا اسمع شيئا اكثر من انهم يعذبون.

-اذن عندك فكرة بان الذي يؤتى به الى الخيام يعذب، ولماذا يعذب؟

-لا اعرف.

-طيب لماذا انت هنا؟

-كمان ما بعرف.

اثناء ذلك ظننت ان الشخص الذي يتكلم معي هو ذاته فوزي الصغير الذي احضرني الى المعتقل وذلك من صوته، فحاولت رفع الكيس عن وجهي لاتأكد من ذلك بعدما ناديته باسمه (أي باسم فوزي الصغير)، لمحت وجهه بضع ثوان، فصرخ بوجهي قائلا: "انزلي الكيس على عينيك واياك ان تفعلي ذلك"، فادركت انه ليس فوزي الصغير بل شخص اخر، ضخم الجثة كما لمحته، اجلح الرأس، في حوالي الخمسينيات من العمر، ثم قال لي:

-قلت ان اسمك نوال. اليس كذلك؟

-نعم.

-شوفي يا نوال، انا رح كون صريح معك وسأساعدك بقدر الامكان، انت بنت ووضعك حساس جدا، واكيد سمعت بان ناس كتير جبناهم لهون منهم مهندسين ودكاترة وشيوخ وكلهم اعترفوا بكل شيء بعد محاولة الانكار فلا بد لهم ان يعترفوا لان عندنا وسائل عديدة للاعتراف.

واخذ يعد لي الوسائل الوحشية التي ستعملونها (ومنها الكهرباء، وكب الماء، والتوقيف بالشمس، او بالهواء وتحت المطر، التركيع ساعات عديدة، الربط بالعمود)، وذكر لي وسائل عديدة لم اعد خلالها استطيع التركيز لهول ما ذكر لي من وسائل وحشية، ثم قال لي: "ماذا ستفعلين وانت فتاة، يعني لا تعرضي نفسك للاهانات والتعذيب، فضلا عن ذلك فان شرف البنت يهمها واكيد فاهمة قصدي، لو اضطر الامر للاعتداء عليك فسيفعلون ذلك وانت ستدفعينهم الى هكذا تصرف، الا اذا كنت تريدين المحافظة على كرامتك وشرفك وان لا تتعرضي لاية اهانة وان تعاملي احسن معاملة فعليك الاعتراف بكل شيء وبالتفصيل، وعليك ان تكوني صريحة لا داعي لاية مواربة او تردد، والاهم ذكر كل شيء بالتفصيل".

سمعت صوت باب الزنزانة يفتح فقلت في نفسي سأساق الان الى التحقيق. فجأة فتحت الشرطية الباب وامرتني بان احمل الصحن الذي وجدته في الغرفة وان اذهب الى الحمام الذي اشارت الي عليه، وكان مقابل الزنزانة، يبعد عنها حوالي عشر خطوات، فنظرت الى الصحن ووجدته كما هو فصرخت بوجهي قائلة :

-لماذا لم تتناولي طعامك حتى الان؟

-لست جائعة.

-يجب ان تأكلي والا سنضطر الى اسلوب اخر معك.

لا ادري كم مر من الوقت لاعود واقف مذعورة ايضا حين سمعت صوت الباب يفتح: انها الشرطية. امرتني بان احمل فرشتي واغراضي وان اتبعها. سألتها الى اين؟

-لا تسألي، احملي اغراضك واتبعيني فقط.

ففعلت ما امرتني به ومشيت وراءها نزولا من مكان الزنزانة مسافة حوالي عشرين مترا ثم ادخلتني غرفة اوسع من الزنزانة بكثير ، اذ تكاد تكون بحجم الغرف العادية، وبعد ان دخلت قالت لي: "هذه غرفة جديدة"، خرجت واقفلت الباب وراءها، بعد ذلك اخذت أتفحص المكان.

كان في الغرفة مجلى من الالمنيوم، وحنفية ماء وباب خشبي يؤدي الى غرفة صغيرة بحجم الزنزانة او اكبر بقليل. كان الباب الخشبي مفتوحا، دخلتها واخذت اتأملها ايضا، يوجد فيها ركيزة من الباطون بعلو متر ونصف تقريبا وفوقها شباك يطل الى الخارج، صعدتها لارى ماذا يوجد بعد هذا الشباك فوجدت اسلاكا شائكة تحيط بالمكان، وبدت لي قرى عديدة لم اكن اعرفها في بداية الامر، تبين لي في ما بعد انها قرى مرجعيون والقليعة وقرية كان يقال لها الخربة ثم بدل اسمها ببرج الملوك.

 اخذت اجول في نظري حيث ظهر لي عميل يقف على برج تحيط به اكياس من الرمل، يحمل بندقية، خشيت ان يراني فنزلت ارض الغرفة لاتأملها من جديد، وهنا بدا لي شيء غريب، حيث وقع نظري على شيء يشبه "القمع" مصنوع من المعدن الرقيق معلق من السقف ينحدر قليلا، ملصق بالجدار، حجمه بحجم نصف البرميل تقريبا، نظرت الى داخل وفجأة خطرت برأسي فكرة سوداء، ربما كان هذا الشكل للتعذيب، لا شك بانهم يعلقون السجين في داخله لتعذيبه، او ربما كان بداخله جهاز تنصت او تصوير لمراقبة من بداخل الغرفة. افكار عديدة خطرة برأسي حول هذا الشكل الذي لم استطع تحديد استعماله.

عدت لاتأمل ما كتب على الجدار من عبارات العديدات من المعتقلات، كأسمائهن وتواريخ اعتقالهن التي تتراوح ما بين عامي 86-88، اما التاريخ الذي لفت اهتمامي فهو تاريخ اعتقال فتاة تدعى راغدة الخالد من بلدة كفر حمام في 23-3-88. وعاودتني الافكار، لم استطع التركيز على فكرة معينة، ثم عاودني ما يشبه النعاس فاغمضت عيني مستسلمة لنوم عميق.

بعد مضي وقت لم استطع تحديده، فتحت عيني على صوت المئذنة التي تصل الى اذني من داخل بلدة الخيام، وكان الصوت واضحا وكأنه قريب جدا فاصغيت لتلاوة القرآن ومن خلال ذلك ادركت ان الشمس قد غابت وان موعد الافطار قد اوشك. فيما انا غارقة في افكاري عدة الى ما حولي سمعت صوت الباب يفتح. دخلت علي الشرطية وكانت تدعى Belle  ( جميلة) وعلى غير عادتها ابتسمت لي وقالت: "هذه الغرفة اوسع واريح اليس كذلك"؟

ما فائدة ذلك والباب مقفل؟ قلت في سري.. ثم قالت لي: "استعدي الان ، سيأتي المحقق الى هنا ويجب ان تصارحيه بكل شيء، وهذا المحقق متساهل جدا وسيعاملك معاملة جديدة ، ولكن في النهاية هذا يتوقف عليك، وانا احب ان انصحك فقط". ثم قاطعتني لتنادي بصوت عال: "ادخل يا سيد عواد"، وهذا هو لقب المحقق الذي حدثتني عنه وقد علمت في ما بعد ان اسمه الحقيقي عصام جرواني من بلدة دير ميماس ويبلغ من العمر حوالي الاربعين.

دخل المحقق المذكور والقى علي تحية المساء وهو يتبسم ابتسامة الثعلب المحتال، فادركت في نفسي انه لم يحضر في اللحظة التي دخل فيها الغرفة بل كان يقف وراء الباب، خارج الغرفة، ليسمع ما يدور من حديث مع الشرطية. سألني عن اسمي وعمري ومهنتي، اجبت، ثم ناولني اوراقا بيضاء وقلم حبر وقال لي: "هذه الاوراق ستساعدك على التفكير ويجب عليك ان تكتبي كل ما حدث معك. فكري على مهلك، معك من الان حتى الساعة الحادية عشرة، أي معك اربع ساعات من الان، اذ ان الساعة الان هي السابعة". ثم اشار الى المصباح الكهربائي الذي كان يلتصق بسقف الغرفة التي يصل علوها الى حوالي ستة امتار، وقال لي: "الكهرباء ستبقى مضاءة في غرفتك حتى الصباح". طلب من الشرطية ان تبقيها لي مضاءة، وذلك لكي اتمكن من الكتابة، ثم انصرف وعادت الشرطية واقفلت الباب.

حان الموعد، وقد عرفت ذلك حين سمعت صوت الباب وصوت المحقق الذي كان يحادث الشرطية. دخلا معا وبادرني بالسؤال التالي: "هل انتهيت من كتابة الاعتراف؟ اريني ماذا كتبت على الاوراق". راح يتفحصها وقال: "اهذا كل ما لديك من معلومات؟ على كل حال انا حذرتك منذ البداية وسنرى ما سيكون مصيرك". خرج بعد ان طلب من الشرطية ان تقفل الباب وتتركني افكر.

 اطرقت للحظات احسست خلالها بصمت قاتل حولي ثم استرخيت على الارض ودارت في رأسي افكار عديدة : احقا يعلم بانني اخفي حقائق عدة؟ وبماذا سيواجهني، وما الشيء الذي ادلت به صفاء، ولماذا يركز على صفاء دون سكنة مع انهما اعتقلتا معا والقضية واحدة. دون ان اشعر بنفسي ذهبت في نوم عميق كمن يستريح من عمل شاق. ودون تحديد لمضي الوقت استفقت على صوت الباب من جديد، هذا الصوت الذي يحدث هلعا في قلبي لانه مقدمة للكيس والكلبجة. وحصل ما توقعت.

 دخلت الشرطية ونادتني بلهجة حادة: "هيا انهضي حالا". بقيت مكاني بضع ثوان، اذ احسست كأنني احلم بذلك ثم كررت نداءها لي، فنهضت وتوجهت نحوها حيث كانت تقف بالقرب من الباب وطلبت مني ان امد يدي لتضع بهما القيد، ثم وضعت الكيس على رأسي وفوقه العصبة على عيني وبدأت ترشدني الى الطريق كالعادة حتى وصلنا. طلبت مني الجلوس على كرسي امسكت هي به. لم اسمع شيئا حولي ، تخيلت ان المكان الذي وضعت فيه لا يوجد فيه احد، لكن صوتا احدث هلعا في، هو صوت تشويش مع كلام متقطع ينبعث من جهاز ارسال. ركزت سمعي على مصدر الصوت ، اذ ادركت انه بالقرب مني، حوالي متر تقريبا، واخذت اصغي الى الصوت لعلي افهم شيئا، وفجأة فوجئت بصوت يسألني: "شو يا نوال كيفك. ان شاء الله تكوني فكرت مليح؟" لم اجب عن سؤاله، ثم تابع قائلا: "ان المعلومات التي ذكرت ليست جديدة علينا وهذا شيء نعلمه كما نعلم الحقيقة الكالمة عنك، فالافضل لك ان تعترفي بكل شيء من تلقاء نفسك لان الذي يعترف دون اكراه يخفف عنه العقاب، وبمجرد الانتهاء من كامل المعلومات عنه نطلق سراحه. لكن اذا استمر بالانكار وواجهناه نحن بالمعلومات فسينال عقابا شديدا، بل وربما يدفن هناك. امامك احد هذين الخيارين".

وهنا اجبته بهذه الكلمات التي اثارت غضبه:

- لقد كتبت كل ما عندي وليس لدي أي جديد، لقد كتبت الحقيقة كاملة.

- انك كاذبة عاهرة ولو استمررت بذلك سنبدأ اسلوبا جديدا معك. حتى الان لم نوجه اليك اية كلمة، ونحن نعاملك بكل احترام، ولكن يبدو ان هذا الاسلوب ليس من طابعك.

- وانتقل مباشرة الى مواجهتي بتهمة اخفيها تتعلق بمصدر الحصول على المسدس الكاتم الصوت، مصدره فتاة من صيدا تعمل مسؤولة عن قسم الممرضات في احد المستشفيات في صيدا، ذكر على مسمعي اسم تلك الفتاة دون ذكر عائلتها، فادركت ان احدى المعتقلتين قد اعترفت بذلك لان هذا الموضوع لم يكن علم به احد على الاطلاق سواهما (سكنة وصفاء).

- الانكار لن يفيدك، امامك فرصة اخيرة، من هي هذه الفتاة واين توجد الان؟

- قلت لك لا اعرف شيئا عنها.

قبل ان انهي كلامي انهال علي ضربا بسوط لم اعرف شكله ولا مما صنع ، فصرخت للمرة الاولى بصوت عال ثم قال "الان سأسمع  صوتك للسجن كله، ثم استمر بالضرب". شعرت بالالم في البدء ولكن بعد ذلك احسست بان جسدي قد تجمد. كانت الضربات تنهال على ظهري ويدي المقيدتين ورجلي. فجأة شدني بالكلبجة واوقفني ثم امرني ان اتبعه. امرني بالتوقف قرب احد الجدران وبرفع يدي الى الاعلى دون الامس الحائط وقال لي: "ستبقين على هذه الحال طوال الليل واياك ان تنملي يديك".

كان الهواء باردا جدا وصوت الريح يصفر في اذني. بعد فترة، حوالي ربع ساعة، مع وقع خطوات بالقرب مني، نظرت من اسفل الكيس الى الارض لعلي استطيع رؤية أي شيء ولكن دون جدوى، وفجأة احسست بماء بارد يتساقط علي فشهقت من الماء ومن الرعب ورافق ذلك صوت المحقق قائلا: "الليلة سترين الكثير من انواع العذاب، ويمكنك ان تخلصي نفسك باعترافك".

لم يكن هو الذي القى علي الماء لان صوته كان بعيدا عني بضع خطوات، قلت في نفسي: ماذا سيفعلون بي ، ليس هناك اكثر من الموت، وان اعترفت بشيء فسيواجهونني باشياء ثانية عندها يعلمون انني اخفي الكثير. اصررت على رفضي الاعتراف وعلى كلمتي الواحدة انني لا اعرف شيئا.

بعد ذلك ساد الصمت حولي من جديد، كان يقطعه صوت الريح القوية وصوت وقع خطوات بعيدة عني . بقيت على هذه الحال فترة طويلة. انهارت قواي وشعرت بانني ساقع ارضا، وكنت بين الحين والاخر الامس الجدار لاستريح قليلا، ولم اكن اعرف الوقت في تلك اللحظة. وبعد حوالي ساعتين او اقل بقليل انتفضت من مكاني حين سمعت صوت الشرطية تأمرني بانزال يدي ثم اخذت بيدي وامرتني ان اتبعها. سألتها:

- الى اين تأخذينني الان؟

- هذا ليس شغلك، لو انك اعترفت لكان افضل لك من ذلك، هيا اتبعيني الان دون كلام.

وبعد قليل امرتني بالتوقف، واخذت تفك لي الكلبجة من يدي ثم امرتني ان انزع الكيس عن رأسي ففعلت ، نظرت حولي فادركت انني عدت الى غرفتي، وعندما حاولت الانصراف سألتها:

- كيف سأبقى هكذا وملابسي مبللة بالماء والطقس بارد جدا؟

- وما شأني بذلك، هذا لا يعنيني، انت فعلت هذا بنفسك وعليك ان تتحملي. اجابت بلهجة حادة لئيمة. ثم تابعت كلامها قائلة: جميعكم تقولون في البداية انكم لا تعرفون شيئا ثم يتضح بعد ذلك انكم قاتلون مدمرون! ثم اقفلت باب الغرفة وانصرفت.

بقيت واقفة في مكاني لحظات اتأمل حولي وافكر بطريقة لتجفيف ملابسي، ولكن كيف؟ ثم خطرت ببالي فكرة ان اخلع ملابسي الخارجية واضعها على حافة النافذة الصغيرة لعلها تجف حتى الصباح، وان الف جسدي ببطانية، ففعلت ذلك. وبعد ان جلست في فراشي ، ويداي تلفان رجلي المرتجفتين من شدة البرد، عاودتني افكاري المتشابكة، وفجأة تراءت لي فكرة وهي ان تأتي الشرطية لتأخذني الى التحقيق وانا على هذه الحالة، فقلت في نفسي سأدعها تنتظر حتى ارتدي ملابسي.

 بقيت جالسة افكر بأمور كثيرة الى ان غالبني النعاس او بالأحرى الغثيان، ذلك انني لم استطع النوم ولو لحظة واحدة من شدة البرد الى ان طلع الفجر. بعد قليل بدأت الشمس ترسل خيوطها، فاطمأن قلبي قليلا لانني سأتخلص من هذا البرد القارس الذي يلسع جسدي. بعد ذلك بدأت اسمع حركة خارج الغرفة، وقع اقدام من ذهاب واياب ثم سمعت صوتا ينادي "شرطة". فظننت انهم سيعدونني الى التحقيق، فاسرعت وارتديت ملابسي، وبعد مضي حوالي نصف ساعة او اقل شعرت بان باب الغرفة يفتح، فاذا بشرطية جديدة متوسطة الطول حنطية اللون ذات شعر قصير تبين لي في ما بعد انها تدعى (سعاد) وان اسمها الحقيقي (صونيا) فظننت انها ستأخذني الى التحقيق ولكنها طلبت مني ان احضر كوب الماء والصحن، ففعلت ذلك: وضعت لي طعام الفطور (كوب من الشاي وقطعة من الجبنة المعفنة)، ثم سألتني عن اسمي ومتى احضروني الى هنا، وبعد ذلك طلبت مني ان انظف الغرفة، وبعد الانتهاء من ذلك اقفلت علي الباب مجددا وانصرفت.

بعد مرور حوالي ساعتين تقريبا حضرت هذه الشرطية من جديد وبيدها الكيس الاسود والكلبجة، فعلمت ان موعد التحقيق اقترب، وبعد ان وضعت الكيس على رأسي وفوقه العصبة وكبلت يدي بالكلبجة ، اخذت بيدي واقتادتني الى مكان مجهول، وعند الوصول امرتني بالتوقف ثم اخذت تعطيني التعليمات عن كيفية تحريك قدمي، فادركت انني اصبحت داخل غرفة يبدو ان في داخلها مدفأة، فقد احسست بدفء النار، وبعد دخولي امرتني بالجلوس على كرسي.

بعد مد وجزر في التحقيق الكلامي، بدأت اساليب التعذيب تمارس بحقي كما تمارس بحق كل اسير او اسيرة، هذا الى جانب التعذيب النفسي. فالتعذيب يبدأ اولا بوضع الاسير في غرفة لا تتعدى سبعين سنتمترا عرضا ومترا ونصف متر تقريبا طولا. في الصيف تشعر داخلها وكأنك في فرن وفي الشتاء يلسع البرد القارس جسدك في كل مكان. كانت معي فرشة وبطانيتان، واحدة اصنع منها وسادة للرأس والثانية غطاء.

وانت في داخل الغرفة تتسرب اليك اصوات الانين المنبعثة في من غرف التعذيب من خلف القضبان، ذلك يعذب بالكهرباء او الجلد او غيره، وذلك يتأوه الما نتيجة التعذيب، فاللسع بالكهرباء وسيلة تتبع بحق كل اسير ولا يستثنى احد هنا. توضع الاسلاك في اصابع يد الاسير او في اذنيه او في صدره او في اماكن اخرى من الجسد، ثم يأتي الكرباج الذي هو اشبه بالعصا السحرية التي تتحول من عصا الى جنزير حديدي او كرباج من الالياف او اسلاك الكهرباء المجدولة، ولا يترك مكانا من جسد الاسير الا ويلسعه. واذا لم تنفع هذه ولا تلك يبدأ التعذيب الذي يبدو وكأنه مسرحية هزلية، حيث كان يتم توقيفي ساعات طويلة امام غرفة من غرف التحقيق المقابلة لساحة المعتقل وافاجأ بسطل من الماء البارد يداهمني فوق رأسي ثم يليه اخر من الماء الساخن، وبعد ذلك تأمر الشرطة بنقلي الى داخل زنزانتي وانا مبللة بالماء ولا يسمح لي باعطائي ملابس لتبديلها بالمبللة.

في الجولة الثانية من التحقيق، اليوم التالي مباشرة، بدأ اسلوب التعذيب النفسي الممزوج بالتعذيب الجسدي. اخذ المحقق يهددني باخلاعي ملابسي والاعتداء علي ويذكر لي اسماء اشخاص توحي بالوحشية، يستدعيهم للقيام بمحاولة الاعتداء اذا لم اعترف بكل شيء، ثم يرفق ذلك بركلات من بوط عسكري توقعني ارضا.

عاد واجلسني على الكرسي من جديد وبدأ يحدثني بصوت عادي حيث قال لي بالحرف الواحد: "على كل حال اذا لم تعترفي فهناك من سيعرف بما كنت تقومين به من اعمال. اعلمك باننا احضرنا اختك وهي الان في التحقيق، وبعد قليل سنسمعك صوتها لتتأكدي من ذلك".

لحظة لا انساها، شعور لا يمكن تخيله، اذ فكرت بانه مهما فعلوا بي فانا سأتحمل العذاب. عندها لم اعد اشعر باي الم، بل كان كل همي ان اتأكد من ان اختي موجودة حقا ام لا، وبالفعل اسمعوني صوت احدى الاسيرات وهي تتعذب بالكهرباء  وأوهموني انها هي، بالرغم من انه كان ينتابني شك بصحة ذلك، لان اختي لم تكن تعرف أي شيء عن عملي على الاطلاق. ثم امر المحقق الشرطية بنقلي الى داخل احد الحمامات وامرها بتركيعي هناك. لا ادري كم مر علي من الوقت وانا على هذه الحال، لكن الفكرة التي استولت علي هي احضار اختي الى داخل المعتقل.

بدأت اشعر بالم في قدمي، اخذ يزداد يوما بعد يوم الى ان طلبت رؤية الممرض ومهمته القيام بجولة تفقدية (شكلية) على المعتقلين لتفقد اوضاعهم الصحية، التي كانت متدهورة، واهم علاج لكل الحالات، حبة من المسكن كما كان يدعوها الممرض.

عندما تدهور وضع قدمي كثيرا وعدوني بان انقل الى المستشفى لاجراء "اللازم" ولم يتم ذلك الا بعد الحاح في الطلب من قبلي ومن قبل اخواتي الاسيرات. واثناء الطريق الى المستشفى شاهدت داخل سيارة الاسعاف احد الاسرى على حمالة، وقع نظري على يديه وقد بانت عليهما اثار التعذيب من جراء اطفاء السجائر بيديه. وعندما وصلنا الى المستشفى ادخلتني الشرطية الى داخل عيادة الطبيب، وعند فحص قدمي اخبر الشرطية بانه يلزمني عملية لقدمي. وهنا سمعت الممرض يتحدث الى طبيب اخر ويطلب منه اجراء عملية للاسير الذي كان برفقتنا فسمعت الطبيب يقول له انه لا يلزمه عملية، لكن الممرض اصر على اجراء العملية له وقال للطبيب بالحرف: "اعمل له عملية وريحنا من صوته حاجي كل شوي ينادو رفقاتو يا ممرض فلان تعبان ولم يعد يحتمل الالم".

عدت الى غرفتي والالم يلازمني، وعند المساء تدهورت حالتي اكثر فاكثر، فاضطررت الى طلب الممرض من جديد. احضرته الشرطية بعد الحاح مني ومن اخواتي الاسيرات، عندها حاول ان يقوم هو بمعالجة قدمي وذلك داخل غرفة بنات الشرطة فسألته احد الشرطيات:

- ماذا ستفعل لها؟

- سنحاول هذه التجربة ربما نجحت.

احضر ابرة لمحاولة سحب "العمل" من قدمي دون أي مادة مطهرة، فشعرت بالم كبير ورفضت ما يقوم به.

بعد اسبوع من ذلك نقلت الى المستشفى حيث اجريت لي عملية في قدمي ونقلت بعد انتهائها فورا الى المعتقل دون اية عناية، وكنت اطالب بتغيير الضمادات ولم يتم ذلك الا مرة او مرتين الى ان التهبت قدمي وتدهور وضعها، ولا ازال حتى اليوم اشعر بالالم فيها على رغم مرور سنوات على ذلك.


 


المعتقل والصمت والكلام

 

عبد الغريب بيضون

 

اذكر حادثة معينة حين كان البعض يصوم استحبابا بمناسبات معينة وكنت واسيرة ثانية صائمتين، اذكر وقتها ان العشاء كان كناية عن علبة سردين لاربع اسيرات. بعد الافطار احسسنا بالعطش ولم يكن في الغرفة نقطة ماء للشرب فطلبنا من الشرطيات تزويدنا بقليل من الماء، لكنهن رفضن فتح باب الغرفة واعطاءنا الماء. فجلست ارضا واخذت انظر الى شباك الغرفة الذي كان يقابله لوح من الحديد يحجب عنا رؤية الخارج الا من جانبيه قليلا. وانا اسمع صوت المطر يتساقط في الخارج، لفتت نظري حافة الشباك التي كان يتسرب منها الماء فيبلل الفرشات والثياب، وكنا وضعنا قطعة من القماش لمنع الماء من الوصول الى حاجياتنا، فلاحظت ان القطعة قد شربت الماء جيدا واخذت ترشح بسرعة، ففكرت بان اضع علية من البلاستيك تحتها لتجميع الماء فيها. كان فوق قطعة القماش بصل يابس يوزع مع الطعام من حين الى اخر، وبعد مضي وقت ليس بقصير تجمعت في العلبة كمية من الماء، عندها تظاهرت بان الماء كان موجودا اصلا في العلبة ولم ننتبه اليه فاقتربت قليلا لاذوق طعمه فاذا هو بطعم العلقم لانه ممزوج مع البصل الموجود على قطعة القماش.

لا انسى حلما حلمته وانا داخل المعتقل، تذكرته بعد الافراج عني: حلمت بان اخي الذي يصغرني بعام تقريبا قتل نتيجة طلق ناري عليه، فيما كنت انا ابكيه، واستفقت من نومي مذعورة وانا اصرخ باعلى صوتي. استيقظ كل من كان معي داخل الغرفة وربما في الغرفة المجاورة، حتى ان الشرطيات اخذن يطرقن الباب للسؤال عما يجري، فاجابت رفيقاتي بانني كنت احلم وكان ذلك حوالي الثانية ليلا تقريبا، وقد بقي هذا الحلم يراودني في المعتقل مدة سنة ونصف تقريبا. بعد الإفراج عني، فوجئت باستشهاد اخي الذي حلمت به ولا ازال حتى الان اتذكر هذه الحادثة بحلمها الذي كان وقتها حقيقة.

Khyam Prison - Al-Jazeera




| شخصيـات |

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic