ما مصير بيضون في "أمل"؟ 

ابراهيم بيرم

جريدة النهار (لبنان)

الأربعاء، 15 كانون الثاني / يناير 2003

... أخيرا رد الوزير محمد عبد الحميد بيضون على قرار رئاسة حركة "أمل" الذي صدر قبل فترة في حقه، وأحاله على جهاز الرقابة والقضاء في الحركة بعدما جُمّدتْ عضويته فيها. وقال، بعد صمت طويل، وفي أكثر من مناسبة، انه ما برح يعتبر نفسه في الحركة، وأنه أحد قادتها وأبرز الناطقين باسمها طوال عشرين عاما وهي مدة وجوده في هذا التنظيم، وأكد في الوقت عينه ان ثمة "بؤرا حاقدة" تعمل ضده، وتشتغل على توتير علاقته برئيس الحركة الرئيس نبيه بري، وطبعا افصح عن اكثر من ذلك. 

الذين هم على تماس مباشر بالوزير بيضون وبالحركة، يرون ان الرجل لم يقل ما قاله الا بعدما سُدَّتْ في وجهه سبل اعادة الامور الى الحد الادنى من مجاريها الطبيعية مع الرئيس بري، وبعدما أخفقت كل الجهود التي بذلها أصدقاء مشتركون مع رئيس الحركة وآخرها في مصر حيث كان يمضي اجازته السنوية، وقد سمع هؤلاء من بري كلاما صريحا ان لا مجال لكسر القرار المتخذ بحق بيضون، وعليه ان يتقبل الامر. 

وعندما تبلّغ بيضون هذا الموقف، قال صراحة: "اذا كانوا يريدون فصلي تنظيميا من الحركة، فسأعمل على ان تكون القضية مشكلة سياسية ليكون خروجي سياسيا". ومن يومها خرج الرجل عن صمته، وقال ما قاله في صور والنبطية، وفي صحيفة كويتية. وسارع بري الى الطلب من مكتب هذه الصحيفة في بيروت نسخة من المقابلة، ليقول لبعض المتصلين به "ألم يكفه ان ينشر غسيلنا في وسائل الاعلام المحلية فسعى الى "فلش" الموضوع عربيا؟". 

وأكثر من ذلك، اتصل بري بعد قراءته نص المقابلة بالمكتب التنظيمي العام للحركة طالبا اعداد ما يلزم ليكون موضوع علاقة بيضون في الحركة أحد البنود الرئيسية في اجتماع هيئة الرئاسة للحركة ليل امس. 

والمعلوم ان هذه القضية برمتها ليست ابنة ساعتها. فجذورها تعود الى الصيف الماضي، وتحديدا الى المؤتمر العام التاسع للحركة الذي عقد في آب. يومها ظهر جليا ان ثمة هوة عميقة في العلاقة بين بري وبيضون، وخصوصا بعدما حال الاول دون ترشيح الثاني في المؤتمر للمنصب الذي شغله طوال اكثر من عشرة أعوام وهو رئاسة المكتب السياسي للحركة، وحينها حضر بيضون جلسة افتتاح المؤتمر العلنية التي انعقدت في قصر الاونيسكو وتغيب عن الجلسات المغلقة التي انعقدت في الضاحية الجنوبية. 

وأبرز هذا الواقع ان العلاقة بين الرجلين وصلت الى حد القطيعة بناء على تراكمات أحداث ومواقف عدة سجلها بري في خانة بيضون بدءا بالعلاقة غير العادية بين الاخير ورئيس الوزراء رفيق الحريري مرورا بأداء الرجل في وزارته وداخل جلسات مجلس الوزراء. 

ومع ان العاصفة هدأت بعض الشيء وخصوصا بعدما بدا ان بيضون مستمر في الحركة كعضو في مكتبها السياسي (بفعل كونه نائبا)، فان قرار احالة بيضون والوزير علي عبدالله والنائب محمود ابو حمدان على جهاز الرقابة والقضاء في الحركة اعاد تركيز الضوء مجددا على استمرار توتر العلاقة. 

وفي تلك الفترة شن الرئيس بري حملة على الحكومة معتبرا انها "شاخت" ويجب ان ترحل، وقيل آنذاك ان الرجل يريد فعلا رحيل الحكومة لينهي وزارة بيضون وعبدالله. 

وكانت الذروة في كلام قاله الرئيس بري في افتتاح مقر تجمع تجار النبطية، اذ قال ما معناه ان "الذين يسعون الى خصخصة المياه في الجنوب انما يخدمون المخططات الاسرائيلية". وفسر الامر يومها انه يستهدف بيضون شخصيا الذي بادر الى اعداد بيان يرد فيه على بري ويوضح فيه انه لم يكن اصلا وراء هذا المشروع الذي عرض على مجلس النواب، ولكن تدخلات محلية وخارجية دفعت بيضون الى طي البيان وعدم نشره. 

ويبدو ان بيضون انتظر ان يرد على موقفه بوساطات بينه وبين بري، تنهي "حصار" الاخير عليه، ولكن هذا الامر لم يحصل، بل قوبل بتصعيد كلامي ضد بيضون داخل قواعد الحركة، اضافة الى انه وجد وجوها واجمة ونظرات غير ودية من محسوبين على الحركة ابان حضوره مناسبات عامة في بعض القرى والبلدات الجنوبية. 

وبناء على تلك المعطيات السلبية وازاء اشارات واضحة وصلته من بري وفحواها ان لا مجال اطلاقا للوساطة واللقاء، لم يكن امامه الا ان "يحشد اسلحته" ويفصح عن مواقفه عبر المنابر وعلى صفحات الصحف. 

ووفق المعلومات ان حركة بيضون الاعلامية هذه تستهدف أمورا عدة: 

- الرد مباشرة على عدم تجاوب بري مع وساطات الاصدقاء المشتركين الذين سعوا الى ترطيب الاجواء. 

- التأكيد ان أي اجراء تنظيمي يقطع علاقة الحركة ببيضون لن يمر مرور الكرام، بل سيكون منطلقا لحركة سياسية بمقدور بيضون ان يقوم بها، وخصوصا انه سيبقى نائبا اكيدا لأكثر من عامين، ووزيرا لأكثر من شهرين، وثمة في الجنوب وسواه من ينتظر حصول مثل هذا الامر. 

- استدعاء تحرك من دمشق يساهم في ثني بري عن موقفه المتشنج حيال بيضون، وخصوصا ان للأخير علاقة جيدة مع القيادة السورية، وله تجربة طويلة معها، وسبق لهذه القيادة ومن يمثلها في لبنان ان نصحت بري بالتريث في الموضوع لان له تداعيات وتأثيرات سلبية عدة على موقعه ومركزه السياسي وعلى الحركة عموما. 

لذا يبدو واضحا ان بيضون يسعى جاهدا عبر حركته السياسية الى ايصال الازمة الى ذروتها، ليكون بعد ذلك لأي اجراء يتخذ بحقه أثمانه وأبعاده السياسية الكبرى، وان لا تنتهي رحلته في الحركة المستمرة منذ اكثر من عشرين عاما، نهاية عادية عابرة، على غرار ما حصل للعديد من القادة في "أمل"، والذين غادروها مكرهين او بارادتهم وخصوصا ان بيضون قد أظهر بوضوح في خطبه وتصريحاته الاخيرة ان مشكلته مع الحركة ورئيسها هي مشكلة ذات مضامين وأبعاد سياسية، وانه يمثل اتجاها يريد تحويل الحركة "حركة سياسية نابضة بالحياة لا تبشيرية"، وانها "يجب ان تعمل دائما على تجديد دمها، لانها اذا لم تفعل ذلك فمصيرها الجمود، وكثير من الاحزاب اللبنانية تنقسم لانها لا تعرف تجديد نفسها" مؤكدا انه "لا يمكن التفريط بانجازات هذه الحركة وتاريخها، ووضعها بين أيدي جوقة حاقدين". 

ومهما يكن من أمر فان بيضون يريد ان يخرج من الحركة، اذا ما أُحرج، خروجا ذا طابع سياسي "ثوري" على نهج الحركة، وليس الامر فقط قضية ذات جذور وأسباب تنظيمية او مسلكية، بحسب ما يُراد من قيادة الحركة وتحديدا من رئيسها. 

ويبقى انه خلال الساعات المقبلة، سيحسم الموضوع نهائيا فاما يكمل بري ما بدأه وبالتالي يصدر قرار الفصل، واما يرجئ الامر فيكون بذلك فتحة ولو محدودة لامكان المعالجة.

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic