"حزب الله" والحرب المحتملة على العراق

ابراهيم بيرم

جريدة النهار (لبنان)

الإثنين، 20 كانون الثاني / يناير 2003

     يروي احد الصحافيين في المؤسسات الاعلامية التابعة لـ"حزب الله" انه فوجئ ابان تغطيته لمؤتمر المعارضة العراقية الذي انعقد قبل اسابيع في لندن بحجم "النظرة العدائية" التي قوبل بها من العديد من المشاركين في المؤتمر، لدرجة اتهامهم للحــزب بأنه صار من "أنصار رئيس النظــام العراقي"، ومن المدافعين عنه. 

من البديهي ان الحزب يدرك منذ البداية ان موقفه المبدئي المعارض في شكل مطلق للهجمة الاميركية على العراق، والذي لا يرتبط بأي شكل بالموقف من النظام القائم على رأس هذا البلد، سيكون احدى نقاط التباين مع اصدقائه وحلفائه في المعارضة العراقية، الذاهبين في عدائهم لنظام صدام حسين الى حد التخلي عن كثير من الحسابات المعقدة والحساسيات المتعددة. ولكن، مع ذلك، فان الحزب لا يبدو في وارد التراجـــع عن تحليلـــه ورؤيته للموضـــوع العراقي ولما يمكن ان تتركه الضربة الاميركيــة المرجحـــة على المنطقـــة ككل وعلى القضية الفلسطينية خصوصــا، من تداعيات وآثار بالغــة السلبيــة حاضرا ومستقبلا. 

وبدا احيانا ان تحصن الحزب عند هذا الموقف ودفاعه عنه وجعله قضيته اليومية، قد أظهر تباينا حتى مع طهران التي يعدها الحزب مرجعيته السياسية والدينية، وخصوصا ان العاصمة الايرانية بدت في مراحل متعددة في موقع غير المتحمس للوقوف ضد الضربة على العراق، ولكن مصادر في الحزب تقلل الى حد كبير من وجود مثل هذا التباين، وتشير الى ان الزيارة الاخيرة التي قام بها وزير الامن الايراني يونسي، ومن ثم زيارة وزير الخارجية الايراني كمال خرازي لبيروت، قد أفضتا الى تبديد الكثير من النقاط التي كانت ملتبسة، وأظهرتا أن الحسابات الاستراتيجية لايران الدولة المهددة والموضوعة على قائمة "محور الشر" الاميركية، حسابات دقيقة لا يمكن التعاطي معها في شكل سريع وسطحي، ولكن ضمن الثوابت والمسلمات المعروفة منذ زمن لطهران. 

ومن المنطلق عينه، لا تحمل المصادر عينها على محمل الجد كل المعلومات التي سرت أخيرا عن وجود تباين بين دمشق وطهران حيال الموضوع العراقي، والذي كثر الحديث الاعلامي عنه، بعد الاعلان المفاجئ عن ارجاء زيارة الرئيس السوري بشار الاسد للعاصمة الايرانية، اذ ان العلاقات السورية - الايرانية، في نظر المصادر نفسها، أمتن وأعمق من ان تتداعى او يصيبها الوهن تحت تأثير الموضوع العراقي او سواه، وفق ما أثبتته التجارب والاختبارات السابقة، وبحسب ما ستؤكده الاحداث المقبلة. 

والحزب لا ينطلق في تحليله للموضوع العراقي وتداعياته هذا من كونه "نقطة تقاطع ايراني - سوري" كما يقال، بل من حسابات وقراءات تتعلق بمصير المنطقة بما فيها لبنان وسوريا وفلسطين، من جراء اي ضربة توجهها واشنطن وحلفاؤها الغربيون للعراق، فهو يعي انه وان بقيت هذه الدولة في منأى من التأثيرات المباشرة ولا سيما العسكرية، فانها لن تنجو من الآثار الاقتصادية والسياسية، لذا يعتبر ان الحياد في هذا الموضوع غير مبرر ويدل على ضيق أفق سياسي. 

لذا لم يكن غريبا ان تعطي قيادة الحزب تعليمات للقواعد والانصار بعدم التقليل من نتائج ما يمكن ان تسفر عنه الضربة الاميركية للعراق، وان يكون الاستعداد على أتمه حيال ما يمكن ان ينجم عن الاحداث الدراماتيكية المرتقبة. بل ثمة من يذكر ان الحزب نصح العديد من عناصره وكوادره بصرف النظر هذه السنة عن تأدية فريضة الحج مطلع شباط المقبل. 

وبطبيعة الحال، فالحزب ومنذ اندلاع أزمة العراق، يركز قراءاته على ما يمكن ان تقدم عليه اسرائيل على جبهتها الشمالية، مستغلة انشغال العالم بالضربة الاميركية وتطوراتها. والامر عنده ما برح مناصفة: فلا هو يستبعد جموح أرييل شارون وأركانه لتصفية حساباته الصعبة والمزمنة مع الحزب ولبنان، ولا هو يرجح هذا الاحتمال كل الترجيح، ووفق ما يقوله الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله: "يوم العدوان على العراق هو يوم حساس ودقيق وخطير جدا على لبنان والمنطقة". 

ومن هذا المنطلق يتعاطى الحزب بجدية بالغة مع التهديدات الاسرائيلية ضده وضد لبنان، وقد أعد للأمر عدته، فهو لا يخفي انه زاد من قوة تسليح مقاوميه وجهز قوته العسكرية المنتشرة على طول الحدود الجنوبية لتكون جاهزة لأي احتمال، وطبعا ضمن امكاناته وقدراته. 

واذا كان قد نظر في السابق الى التهديدات المتتالية التي أطلقها ضده شارون وأركانه، ومعها الكلام على تضخيم امكانات الحزب العسكرية وقدراته بأنه يمكن ادراجها في شقين: داخلي موجه للجمهور الاسرائيلي عشية الانتخابات العامة هناك، وخارجي يستهدف القول ان "اسرائيل تواجه تهديدا استراتيجيا علها بذلك تجد علاجا سياسيا لقوة الحزب، فإن الحزب ما برح مقيما على تحليل مفاده ان الحرب الاميركية على العراق تستلزم لانجاحها، الحؤول دون حصول أي تطور وخصوصا ميداني قد يشكل ازعاجا للولايات المتحدة في المنطقة، وهذا التحليل قابل للتغيير مع اي تغير قد يطرأ على معطياته ووقائعه، وخصوصا ان الحزب كلف دوائره المختصة رصد الموضوع ومراقبته بدقة. 

طبعا، يرفض الحزب التحليل الاعلامي الاسرائيلي لكلام السيد نصرالله مطلع الشهر الجاري، والقائل ان هدف العمليات التي دأب الحزب على تنفيذها في مزارع شبعا المحتلة، هي "التأكيد والتذكير بأن المزارع هي أرض لبنانية محتلة" وان "فتح الجبهة مع اسرائيل خطر على الانتفاضة الفلسطينية"، انه يدل على تغيير حاد في تعاطي الحزب مع الوضع في الجنوب. كما يرفض القول المطلق ان مثل هذا الكلام انما يحضر الاجواء لتهدئة الحزب للموقف في الجنوب، تحت وطأة الحدث العراقي المرتقب. 

وهو لا ينفي بطبيعة الحال انه عندما تقرر المقاومة تنفيذ أي عملية ضد مواقع الاحتلال الاسرائيلي في مزارع شبعا او سواها، انما تأخذ في الاعتبار المعطيات والنتائج السياسية وهو أمر مشروع ويدخل دائما في صلب عمل المقاومة، ولكن ذلك لا يعني اطلاقا ان الحزب قد تراجع عن نظرته المعروفة حيال الموضوع الجنوبي، والصراع مع اسرائيل، وقد دخل في أكثر من اختبار مع الاسرائيليين في أسوأ المراحل، وكان يعلن دائما بعد اي عملية ينفذها أن لها هدفين: التذكير بالاحتلال الاسرائيلي لجزء من الارض اللبنانية وتأكيد دعم الانتفاضة الفلسطينية. ويذكر في هذا الاطار موقف الحزب عشية تدشين محطة المياه على نبع الوزاني واعلانه انه جاهز للرد على أي اعتداء اسرائيلي للحؤول دون تنفيذ هذا المشروع الحيوي. 

اما القول ان الحزب سينتهي عسكريا بعد الضربة على العراق، فذلك بالنسبة اليه كلام مألوف سبق ان قيل بالحاح عشية الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب قبل عامين ونيف، لكن الوقائع والتطورات أظهرت خلاف ذلك.

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic