"حرام" نحن

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 22 كانون الثاني «يناير» 2003

     في اللحظة الكئيبة تتساقط عنا كل اوراقنا ونقف ننظر في عجزنا القاتل صامتين “حرام” نحن، من الخليج الى المحيط ومن المحيط الى الخليج. بعد قليل يأخذنا الانفعال فننهال بالضرب على الشارع رفضا للحرب على العراق، لأن ناسه من ناسنا، كما يأخذنا الانفعال الموسمي من اجل فلسطين.. ثم ننسى. 

الحرب تقبل على العراق، سنجتاح الشوارع. نغضب. نهتف. نتوعّد. نحرق أعلاماً ودمى.. وتحت شمس شرقنا اللاهبة سنشوى ببطء وتتصاعد منا السنة دخان نشم فيها رائحة عجزنا.. ونصمت 

“حرام” نحن. نحن لسنا صادقين مع أنفسنا. مصابون بداء الكبت. حين يسمح القائد لنا بالتظاهر نجتاح الشارع غاضبين ممن هو بديهي ان نغضب منه من دون حاجة الى حشر اجسادنا في جموع لاعلان موقفنا. بديهي اننا لسنا مع الحرب على العراق، وعلى فلسطين حين يأتي موسم التظاهر. بديهي ان تظاهرنا لا ينم عن حال صحية تسودنا. نحن، حين نتظاهر، لا يكون في حسباننا أننا ... انما نسجل موقفاً. نحن نتظاهر تنفيسا عن كبتنا الذي نحتقن به. نحن مأزومون. نحن، وإن كنا لا ندري، نتظاهر ضد يومياتنا. ضد بيوتنا ومدارسنا وجامعاتنا وكتبنا التي لم تدرّسنا الديمقراطية كفعل حياة. ضد ازدحام من غير سبب وتحريم من غير مبرر. ضد النبذ الكامل للمختلف وللاختلاف ولتعدد الالوان. نحن نتظاهر ضد غد نخاف من نبوءته المشؤومة علينا. ضد ماض اوصلنا الى هنا. نحن لسنا صادقين. نحن نتحايل. نحن لا نعيش مرغمين تحت ثقل ديكتاتورياتنا. نحن نحب الوجه المبتسم في الصورة. نحمله فوق رؤوسنا عن قناعة بأبوته السرمدية. نخافه. نحترمه. نحبه. تماما كوالد. هذا الذي في الصورة ليس مفروضا علينا. نحن صنعناه. ونحن حين “نثور” عليه نبدله بمثله. نحن ننحت اصنامنا ونتظاهر ضد “الغرب الأبيض” الزاحف علينا بغروره ولامبالاته بوجودنا. يحق له، ما دام قويا وما دمنا على هذا القدر من العجز، ان يفتك بنا. ما زلنا نهلل لفتوحاتنا الى الآن، لماذا نستكثر على غيرنا ما نحبه لأنفسنا؟ نحن لسنا ضد الحرب بذاتها. نحن ضد الحرب علينا فحسب. ونحن نحسد القوي المحارب.. الفارس. 

نحن عاجزون ولا نشاء الاعتراف. هي ربما اللغة المحشوة بالإطناب والفخر والتفخيم. هو الواقع البشع يخنقنا يكاد يبيدنا ولا نعترف. نحن لا نعترف. ذكور حملة سيوف ندين بالطاعة والحب والخوف والاحترام للذكر في الصورة. الوالد. نطل من خلف كتفيه ونصرخ : الله اكبر الله اكبر. نطيح برؤوس الاعداء من خلف كتفيه ثم حين يقول لنا عودوا الى بيوتكم.. نعود الى بيوتنا. 

من المحيط الى الخليج ومن الخليج الى المحيط ، أو في بعض المساحة الممتدة بينهما، سنتظاهر. ذكوريتنا المنسحبة حتى على الاناث لن تسمح لنا الا بتكرار المشهد المجترّ للتظاهر الذي يفيض عنفوانا. لن نجلس ارضاً وننظر في عجزنا القاتل ونبكي. نحن لا نبكي. لا نعترف. ولا نستطيع التخلص من كل هذا الكبت. حرام نحن يا إلهي.. “حرام” نحن.

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic