أهل البيت وايران والنجف... شهادة للحوار

السيد هاني فحص

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 9 شباط «فبراير» 2003

* القيت في حفلة تكريم الاديب سليمان كتاني التي اقامتها المستشارية الثقافية الايرانية في قاعة الحركة الثقافية في انطلياس. وكتاني تسعيني بدأ في كتبه من السيد المسيح الى الرسول واهل بيته من الأئمة. 


     انتسبت الى حوزة النجف اوائل الستينات. كان في نسيجي المعرفي والاجتماعي خيوط لبنانية منسوجة على نول لبنان ومنواله، تتبادل المواقع في قماشتي بين اللُحمة والسدى، لم اكن ارتقي في وعيي بها الى ما تعنيه من فرادة، تأتي من التعدد على نصاب الوحدة، على اشكاليات التعدد التي لا تلبث ان تنفجر وتدمَى وتُدْمي حتى تأتلف لتعرف لبنان الرسالة حتى شرعت في عنائي وتبرّمي من مؤشرات على استحكام البعد الواحد معينا لجماعتي الدينية والمذهبية في حوزتها العلمية الام.

وكدت اختنق من احتمالات التصحر. وانا آت من قريتي حيث كان معلّماي الاول والثاني مارونيين والثالث سنياً والاخير مارونيا، مرورا من القرية الشيعية الى المدينة الشيعية بعدد من المعلمين الشيعة والسنة والارثوذكس والموارنة والكاثوليك. لاحقا انتبهنا الى هذه المحددات. وتذكرنا اننا كنا نختلف ونتفق على موجب التعليم والتعلم ليس الا.

وفي قريتي التي كانت اقل معرفة بتفاصيل الشرع واكثر التزاما بأحكامه، تحول المعلم الماروني الى ضرورة من ضرورات اجتماعها وحياتها فكان مستشاراً في كل شيء من الزواج الى الطلاق في هذا الفضاء اللبناني الذي يكتمل فيه المعنى بالمعنى، كما يكتمل الفصل بالفصل والموسم بالموسم والمطر بالصحو والصلاة بالصوم، طعمت الحرية ومعرفة الذات في الآخر ومعرفة الآخر في الذات. تحررت من دون ان اكون مدعوا او مضطرا الى التنصل من خصوصياتي. فكان الجامع يجمعنا بجماعتنا لنعود فيه اصفياء الى فضائنا الاوسع. 

اذن فهل علي في النجف ان اختزل ذاكرتي واحصرها في ذاكرة الجماعة الخاصة؟

ولكن النجف جددت حريتي واستنهضت فيّ المستويات المختلفة في هويتي المركبة، لا يعدو فيها مستوى على آخر، ولا يلغي فيها المستوى الاعلى ما هو ادنى ولا يتطاول الادنى على الاعلى، لأن في النجف نظاما مصرفيا وعلائقيا مؤسسا على الحرية والاستقلال والاختيار والاجتهاد.

وعندما الفت النجف والّفتني اباحت لي اسرارها الجميلة واغرتني بالمعالنة والاقلاع عن مخاوف واهمة. حدثوني عن الدكتور انيس فريحة وفترة التدريس الجميلة التي قضاها في النجف ثم قرأت ذكرياته عنها ولذاذاته فيها وحنينه اليها، وحدثوني عن الطبيب المسيحي اللبناني الذي اندمج في النجف وكيّفته فتكيف وكيّف فأقام طويلا وطبب وسمع وقرأ شعرا واحتفى بعاشوراء احتفاءه بالجلجلة، ويوم العاشر اصغى مطرقا دامعا الى المصرع الحسيني فاستحضر ما كان يمر امام عينيه على احتفال قليل بمدلوله من رتبة دفن السيد المسيح - وزادوا انه كان يرطن بمصطلحات الفقه والاصول وعلم الكلام والرجال. وتذكروا كيف ألحوا على امين الريحاني ان يحضر محاضرا ومحاورا في الرابطة العلمية الادبية، معتبرين ذلك علامة من علامات عقلهم. ومن النجف الحوزة دلفت الى منتدى النشر وكلية الفقه لأتلقى العلم مع زملائي من علماء المسلمين الكبار الآن على ايدي اساتذة من كل الالوان والحساسيات والجنسيات. ومنهم استاذنا في الفلسفة الوجودي الذي استفدنا منه وتعلق بنا وتركنا على كره منه ومنا.

هكذا اصبحت مهيئا لأن اتلقى خبر مشاركة الاستاذ سليمان كتاني النصراني اللبناني من بسكنتا في مسابقة تأليف عن السيدة الزهراء، من دون ان يكون ذلك مثارا لأي سؤال استثنائي او استفهامي او استنكاري - لأنه لم يكن حدثا استثنائيا في تاريخ النجف. اما انه نال الجائزة الاولى ومن دون محاباة، ومنافسوه زملاؤه من شباب العلماء والادباء، فلم يكن موضع تساؤل او بحث، بل لقد زودني الاجوبة الشافية على تساؤلاتي الاولى التي راودتني في ايامي الاولى في النجف عن معنى لبنان، وعن معنى هذا المعنى في النجف.

اذن فهذه هي نعمة لبنان، او نعمتنا في لبنان بلبنان، مسلمين متعددين ومسيحيين متعددين، نلتقي مختلفين، ولو كنا متفقين لكنا ربما اشد ميلا الى الاختلاف او الافتراق. والواحد اذا ما انكسر يصعب جمعه بينما المتعدد اذا ما تباعد وقع على معنى الاعتصام والسلامة في الالتئام. نلتقي اذن مختلفين لننتج، لنبرع كائنا ثالثا، متعاليا على دعاوى التقابل والمماثلة نازعا الى الجدل والتثاقف والصيرورة بما هي تكرار وتمايز معا. كائنا آخر، مركبا بالضرورة من اجمل ما في مكونيه من الوان وتكوينات، انسانا آخر يأتي من رحم التوحيد الابراهيمي مسيحيا مسكونا بالاسلام او مسلما ممسوحا بالميرون، ملتمسا في "الأبانا" معـنى من معــاني دعاء كميل وادعــية زين العابدين في الصحيفة السجادية وصورة السيدة العذراء في مرآة السيدة الزهراء وفي امثال الانجيل ايقاعا من التنزيل، وفي اعمال الرسل وشيجة من نهج البلاغة، وفي الحواريين منظومة قيم تعهدها اهل بيت النبي (ص) وسقوها علما ودما مباركا ما زال يقطر من اعيننا دمعا ويستفز الدم في عروقنا فينبجس انهارا تحرر الجنوب ولا ترضى بغير القدس نهاية لمعراجها ومجراها.

وقرأت سليمان كتاني، قرأته في كتبه، لم اقرأ فيها سيرة الائمة الاطهار، بل قرأته فيهم او قرأتهم فيه، لاني تربيت وربيت على تعليم سيرتهم، لم يزدني سليمان كتاني معرفة بهم، بل زادني معرفة بمشاعية المعرفة ورحابة الايمان والمعرفة الايمانية التي تبقى مجالا للتفرد الذي هو اعلى اشكال الاجتماع والتعارف والاندماج، لانه يأتي من الداخل، من الذات، لا من املاءات الجماعة التي تلتبس في الاذعان لها احيانا، الطاعة العمياء والعصبية بالولاء... حتى اذا امتحن القلب كان الهول في الارتكاب والمعصية الموصوفة. 

شدني اليه حبه لاهل البيت (ع) فألزمني بالبحث عن مثالات اخرى في التراث المسيحي لاحبها زيادة على من يجمعني بهم الان من المسيحيين من انهماك يرفع المواطنة بيننا الى مستوى الجامع الخاص لتقودنا على موجب الشراكة في الايمان والوطن.

ويصرّ سليمان كتاني في كل كتاب كتبه عن الائمة على الدخول الى حرمهم من بوابتهم الخضراء الواسعة، من تاجهم الرسول (ص) الى دررهم التي تجلت كل منها في عصرها بلونه في الموقف العملي او المسلك العلمي، حتى اكتملت المعرفة بالتقوى وايثار الوحدة على السلطة، وترجيح العدل والامن العام على المشروع الخاص، من دون تنازل عن القناعة بالجدارة او الاولوية، ومع التسليم بأن قداسة الامامة لا تقدس التاريخ، وان عصمة الامام عرضة لتعرجات الواقع... والامة تستحق الرحمة "وكل ابن خطاء".

وجدت في سليمان كتاني طالبا للعلم فتى راشدا اشيب، لا ينام الا "خَفْقاً" ريثما يعود الى يراعته يعالج بها عوارض العمر بالحبر. ولا يعتم ان يضاهي ويضارع اهل الاختصاص اختصاصا محلى بالوجدان وجمال المبنى وشفافية المعنى. ويخرج من بحر المراجع والمصادر سائغا بالحب، يقطر ادبا وانشاءً روحيا موصولا بايقاع النظم القرآني في تعدد سياقاته الخارجية ووحدة سياقه الداخلي. مندهشا دائما من كل حجر كريم يكتشفه في عمارة الامامة، والادب الجميل اندهاش وادهاش، ولا يدهش الا المكتشف ولا يكتشف الا المفجوع بالمشهد المسكون بالسؤال الباحث عن مثال. لكأننا مكتوب علينا ان نبحث عن مثالنا وراءنا لا بين ايدينا ولا امامنا كأننا لا أمام لنا ولا إمام لنا. كأننا ونحن منشغلون اذا انشغلنا بالمستقبل لا نجد الا الماضي بين ايدينا!

عندما خاب ظن المرحوم عبد الرحمن الشرقاوي بالحركة الثورية قرر ان يستفتي التاريخ ليطمئن الى صحة التزامه فكتب عن "علي امام المثقفين" فكانت الفتوى هي وجوب النهضة واستمرار الانحياز الى الفقراء وبصرف النظر عن النتائج لان الحق حق ولا يصبح باطلا اذا ما خانه حماته او قصروا في احقاقه. 

"ولا تستوحشن في طريق الحق وان قل سالكوه".

ومات الشرقاوي مطمئنا الى سلامة اختياره بعدما عالج خيبة امله بمثاله في علي.. فهل نحن عائدون ثانية وثالثة وعاشرة الى علٍي والعليين من سابقيه ولاحقيه لمعالجة ومداراة المخزون الهائل من خيباتنا السالفة ومن الخيبات النوعية الآتية؟

اذن فهذا فصل من رسالة لبنان، من لبنان الرسالة.

اني اكاشفكم بامتناني الشخصي بما يمنحني اياه سليمان كتاني وامثاله من تأمين على صحة اختياري ونهائيته والاقامة عليه مهما تكن المضايقات للحوار سبيلا الى الحياة والحيوية والمواطنة والخلاص في الدنيا والآخرة وتكفير الذنوب، بدفع ملح من لبنان الحرب واستدعاء حثيث من لبنان السلام والعيش المشترك، من لبنان المنقضي ولبنان المرتجى، من لبنان امثولة للتنابذ الى لبنان امثولة للتصالح والتسوية والاعتدال والتحديث الموصول بأصوله.

وفي هذا المفصل الذي تستعد فيه قوى الشر الامبراطوري لتنفيذ مشاريعها الكافرة في تحويل العقد الجميل والرباني الى تقابل قبيح ودموي من خلال دفع الاختلاف المتحاور الى مستوى التناقض المتناحر، على قابلية فينا ايضا... نرفع لبنان الذي يمثل سليمان كتاني كثافة من كثافات معناه الى مستوى الاطروحة التي تؤمن اسباب الاحتياط لأجمل ما في تراثنا واجمل ما في غدنا، في هذه المساحة من الجغرافيا المرسومة على مقاييس النبوة وحدود التوحيد والوحدة المتعادلين موضوعيا وتاريخيا.

سليمان كتاني في كتبه المطبوعة حديثا والمعاد طبعها بحنان ايراني ملحوظ يشهد لايران التي اعادتنا بثورتها الى نبضنا الاحتجاجي وتعيدنا الآن بحوارها وسجالها الداخلي واتزانها في معالجتها للاشكاليات الكبرى على قاعدة الاستقلال والسيادة، الى استشراف آفاق المستقبل من دون مركبات نقص وعلى ما تقتضي المعاصرة من اصالة... وان كنت شخصـياً اقـل من غـيري حاجـة للشهادة لايران التي عاينتها وعانيتها عن كثب وعرفت فيها ان الخطاب الانفتاحي هو قرار ومسار لا يختلف فيه الظاهر عن الباطن وان ارتبك الاداء احيانا فلأسباب موضوعية.

واذكر من موقعي الشيعي ان الاحداث العظمى والشخصيات الكبرى في التاريخ قد تكون لها هوية خاصة ولكن عظمتها تحررها من المحدود لتصبح مساحات انسانية مشتركة. من هنا اعترف بأني تعرفت الى الظلال الوارفة في شخصيات الائمة (ع) من مؤلفات غير شيعية. تحية الى جورج جرداق وعبدالله العلايلي والعقاد وبنت الشاطئ والشرقاوي وامثالهم. وشكرا لمن اسسوا ثقافتنا البينية من جبران الى نعيمة الى مارون عبود وغيرهم ممن لا يتسع المجال لتعدادهم. 

واذكرّ المسيحيين والمسلمين عموما والشيعة خصوصا بأن الافضل لنا جميعا ان نشتغل عند المسيح والحواريين واهل البيت جميعا من ان نوظفهم في مشاريعنا التي تضيق عنهم وعنا.

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic