نظرية الفقه السياسي عند الشيعة

نزار عثمان

جريدة السفير (لبنان)

الإثنين، 10 شباط «فبراير» 2003

     قبل أيام قليلة من بدء الجمهورية الاسلامية في ايران احتفالاتها السنوية بالذكرى الرابعة والعشرين لانتصار ثورتها بقيادة الامام الخميني، تم الاعلان عن رفع الاقامة الجبرية التي فرضت على خليفته الاسبق آية الله الشيخ على حسين منتظري منذ تشرين الثاني 1997. 

ولعل أبرز ما بدر عن منتظري بعد خمس سنوات من العزلة المفروضة، وفي إطار المباشرة بالاعداد لمرحلة جديدة من الحرية التي تجعله مطلق الخيارات في القيام ب”واجبه الديني”، ما صدر عنه من تصريح ب”ان الله العلي القدير منح جميع المؤمنين سلطة دينية، لكن هذه السلطة ليست مطلقة، انها محدودة”. 

وتبدو نظرية “ولاية الفقيه” وكأنها تطرح من جديد وهي التي لم تغب يوما تحت دائرة الضوء كمادة خصبة لتسعير حدة الصراع بين المؤيدين والمعارضين لها، في إطار التجاذبات بين المحافظين والاصلاحيين.. وربما قد يصطبغ التركيز هذه المرة حول شرعية هذه النظرية وحدودها بلون خاص، وذلك بسبب كون المفرج عنه وهو من كبار منظري الفقه السياسي الشيعي، وممن صنف واحدة من أهم الدراسات في هذه النظرية على وجه التحديد قد وعد بالمشاركة الفعالة في النقاش السياسي الدائر في ايران. 

ومن هنا، وفي إطار محاولة المقاربة، ونحت الاجابة، لما قد يبرز من استفسارات تُطرح حول ما اذا كان الفقه السياسي لدى الشيعة ملازما لنظرية واحدة في الحكم، وهي ولاية الفقيه، ام انه يشتمل على نظريات اخرى مختلفة، تشكل تلك النظرية واحدة منها، تقارن بها، وتُقرأ على ضوئها. نحاول دون الدخول في ايها أكثر استجابة وواقعية للمجتمعات التي يغلب عليها الطابع المذهبي الشيعي، استعراض اهم تلك النظريات، لا سيما ما ظهر منها في القرن العشرين، مع السعي لتبيين الرؤية الشيعية لمفهوم الولاية، وماهيتها وتقسيماتها. بات من المعلوم اتفاق الشيعة حول مفهوم الاجتهاد، وسدا لحالة الفراغ المرجعي خصوصا بعد غيبة هذا الامام/ المهدي المنتظر عام 255 ه. 869م. وبهذا يصبح المجتهد الجامع للشرائط قائما مقام الامام المعصوم في زمن غيبته، يُرجع اليه في مجال تبيين المستجدات والمسائل الدينية. 

غير ان فقهاء الشيعة اختلفوا حول حدود ولاية هذا المجتهد، فمنهم من لم يعتبر له أي ولاية بظل غيبة المعصوم، وحصر دوره بالفتيا والقضاء، وجواز التصرف ببعض الشؤون والاعمال التي يُقطع بحرمة تركها وإهمالها، من قبيل إدارة شؤون الايتام والأوقاف، وغيرها مما يفتقر الى الكفالة، بما يصطلح عليها فقهيا ب”الامور الحسبية”. ومن أبرز من قال بهذا في القرن العشرين الامام ابو القاسم الخوئي (ت 1992)، حيث أفتى “.. لا تثبت الولاية للفقهاء في عصر الغيبة بأي دليل. وان الولاية تختص بالنبي والأئمة (...) وعلى هذا فإن الذي يثبت للفقيه هو جواز التصرف وليس الولاية”. ومنهم من أفتى بولاية الفقيه الخاصة المقتصرة على الامور الحسبية فقط، ولعل أبرزهم في القرن المنصرم المرجع الشيخ محمد علي الأراكي (ت 1996) حيث يقول: “وظيفة الفقيه الجامع لشروط الفقاهة هي تنفيذ الحدود الشرعية والفتوى والقضاء والولاية على أمور الغائبين والقاصرين”. ومنهم من قال ب”ولاية الفقيه المطلقة”، وهو الامام الخميني، الذي عبر: “ويملك هذا الحاكم الفقيه الجامع للشرائط من أمر الادارة والرعاية السياسية للناس ما كان يملكه الرسول وأمير المؤمنين علي بن ابي طالب “. 

لقد انبرى فقهاء الشيعة منذ غيبة إمامهم المعصم للتعمق التدريجي في تحليل النص الشرعي، وتطوير البحوث الاستدلالية الفقهية التي انبثقت بذورها الاولى في عصر الائمة، سعيا لتوطيد أركان إطار معرفي لمذهبهم، وترتيب أصوله، وتفصيل فروعه، والواقع فقد انتهوا الى بناء مجموعة من المبادئ والاصول العلمية، ارتكزت عليها استدلالاتهم الفقهية. ولكن ما بدا من انحسار في البحث العلمي الفقهي الذي يتناول المجال السياسي والاجتماعي العام مع إخراج مسألتي “القضاء” و”الامور الحسبية” لما شكلتاه على الدوام من محور تداول بين الفقهاء بمقابل المجالات العلمية من الابواب الفقهية الاخرى المرتبطة بالشؤون الفردية التي تبدو مشبعة بالبحث والتمحيص، يظهر كأبرز ما يعرض على تلك المباني والاصول. ويكاد هذا الامر ان يترك بظاهره إيحاء بمظنة وجود نوع من القطيعة بين الظروف الموضوعية والذاتية التي لعبت دورا بارزا في نشوء هذا المذهب أوائل القرن الهجري الاول، وبين المواقف العملية المتخذة من أربابه ومجتهديه، لولا وجود أسباب معينة قد يُعزى اليها هذا الضمور، وتتمثل غالبا ب: 

1 ايمان الشيعة بالامامة المنحصرة في شخص الامام المعصوم، ما لم يلزمهم ببلورة او بحث المسائل المتعلقة بالحكم او الدولة، لا سيما في ظل وجود هذا الامام. 

2 حالة العداء المستحكم التي صبغت علاقة الشيعة بالأعم الاغلب من السلطات السياسية التي قامت على مر التاريخ الاسلامي، وترجمت من قبلهم بمزيد من الايغال في الانغلاق والتقية فيما خص المحور السياسي. 

3 غيبة المعصوم دون تحديد مشروع سياسي معين، يضاف الى هذا انشغالهم بمواجهة تحديات موضوعية عديدة، أملت عليهم التنظير لقواعد عامة تلبي كل احتياجات مذهبهم على المستويين العقائدي والفقهي. 

والواقع فقد بدأت الارهاصات الاولى لتشكيل رؤية سياسية بين أوساط فقهاء الشيعة تظهر ابتداء من القرن السابع عشر مع العلامة محمد باقر المجلسي (ت 1699) فقيه العهد الصفوي في ايران. ووسعها بعده الشيخ ابو القاسم الجيلاني القمي (ت 1815) والسيد جعفر البروجردي الكشفي (ت 1851) والشيخ محمد حسن النجفي (ت 1850) وغيره. وقد ارتكزت آراؤهم حول إضفاء الشرعية على السلطة السياسية القائمة مع مراعاة شروط عدة، تمثل أبرزها بضرورة كونها شيعية، وان تلتزم احترام الفقهاء، وتعترف بحق ولايتهم على الامور الحسبية. 

ومنذ أواخر القرن التاسع عشر، وتحت تأثير عوامل عديدة تنوعت بمعظمها ما بين الدعوات النهضوية والاصلاحية التي نادى بها أكثر من اتجاه في العالمين العربي والاسلامي، وبين المد الاستعماري الغربي الذي بدأ يبسط هيمنته على بلاد المشرق، بدأت حالة من الاهتمام المتزايد بالشأن الاجتماعي العام تُستوفى لدى المرجعية الفقهية الشيعية، التي سعت للتوفيق بين القراءة الموضوعية، وتشخيص الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة من جهة، وبين تطوير الاستدلال الشرعي من جهة ثانية، وأخذت هذه الحالة بعد اختمارها تنمو عندهم وتدفع باتجاه البحث في المشروع السياسي الشيعي. 

واصطبغت حركة الفقهاء المنفتحة على الشأن العام في مراحلها الاولى بالطابع العملي، اذ وظف عدد منهم مكاناتهم الاجتماعية والدينية لإشعال وتفعيل ثورة التبناك عام 1891. التي بدا انها شكلت بطريقة او بأخرى رصيدا ومنطلقا للحركة الدستورية التي انتهت بإقرار الدستور في ايران عام 1906، وكان من نتائجها المباشرة إثارة سجالات عدة بين الفقهاء، دارت بمجملها حول علاقة القوانين والتشريعات الزمنية بالاحكام الشرعية الدينية، واختلف الفقهاء على هذا الاساس في اتجاهين، منهم من ناصر “المشروعة” ودافع عنها من أمثال المرجع الشيخ فضل الله النوري (اغتيل 1908)، ومنهم من التزم “المشروطة” ودافع عنها من أمثال المرجع الشيخ محمد حسين النائيني (ت 1936)، وبلغ مستوى التعارض في طرح الآراء والآراء المضادة بين القسمين مدى بعيدا. 

وتركزت مبادئ “المشروعة” التي عرضها النوري في كتابيه “حرمة المشروطة” و”تذكرة الغافل” في السير على خطى من سبقه في شرعنة السلطة السياسية الشيعية، مع التأكيد على ان “فكرة أكثرية الآراء خطأ، فما معنى تدوين القانون؟ قانوننا نحن هو الاسلام وليس سواه”، وعلى اعتبار المساواة والحرية وسائر التشريعات والقوانين “مخربة لركن القانون الالهي، اذ ان الاسلام يقوم على العبودية لا على الحرية، وأحكامه ترتكز على تفريق النقائض وجمعها لا على المساواة”. 

أما أسس نظرية “المشروطة” فيمكن تلمس تفاصيلها من خلال كتاب “تنبيه الأمة وتنزيه الملة” لرائد حركتها الشيخ النائيني. والواقع، يبدو هناك تشابه كبير بين هذا الكتاب، وكتاب طبائع الاستبداد لعبد الرحمن الكواكبي (ت 1902) المطبوع في القاهرة قبل وفاة مؤلفه . وقد سعى النائيني في كتابه هذا الى تسليط الضوء من بُعد فقهي استدلالي على مفاهيم عديدة تمحورت بعمومها حول السلطة السياسية، والاستبداد، والدولة. وعكس “تنبيه الأمة” تبرم مؤلفه من الموقف الفقهي المتبرئ من شؤون الحكم والدولة الذي التزمه السابقون من الفقهاء. وعلى هذا يمكن إيجاز الرؤية السياسية الفقهية التي تعكس مبادئ المشروطة بمسارها النظري من خلال هذا الكتاب بالتالي: 

1 استخراج كل أصول الدستور من كتاب الله وسنة الرسول والأئمة. وتدوينه مع التأكيد على حفظ كل حقوق الشعب في الحرية والمساواة وغيرها. كما يتم تأسيس مجلس شورى يقوم بمهمة مراقبة المسؤولين ومحاسبتهم. 

2 يقع على عاتق الدولة حفظ الانظمة الداخلية، والدفاع عن مصالح الشعب. 

3 تثبت للفقهاء في غيبة المعصوم النيابة عنه في حفظ البلدان الاسلامية ونظمها، مع اعتبار هذا الامر من الامور الحسبية. 

وباختصار، فقد بدا النوري وكأنه يرى بالمشروطة تغريبا للإسلام وتقييدا لأحكامه المطلقة، فاختار التمسك بالتقليد المتبع، في حين ان النائيني نظر الى التقدم الغربي كنتيجة ولّدها الانفتاح على عوالم وثقافات مختلفة، بما فيها الثقافة الاسلامية نفسها. وبدا له بالمقابل ان الأخذ بالسنن الحضارية بما يعود على بلاد المسلمين بالاستفادة والتطور، لا يتعارض مع روح الاسلام، ومفاهيمه. وقد أدت النظريتان دورا مفصليا في استنباط بحوث استدلالية مستقلة، سلطت الضوء على مفاهيم الحقوق العامة، ونقلتها الى واجهة الاولويات لدى المرجعية. 

إلا ان تطورات وظروف سياسية عدة، نتجت عن تنصيب فيصل ملكا على العراق عام 1921، وجلوس رضا بهلوي على عرش ايران عام 1925، دفعت القيادات الفقهية الشيعية الى التراجع والانكفاء عن التصدي للشأن العام، تحت وطأة عداء هذين العهدين لها. ما أدى الى انحسار البحث السياسي الفقهي حتى الخمسينيات من القرن العشرين، وحينها انبعثت على الساحة العراقية ثلة من الشباب الشيعي الملتزم دينيا، دعت الى مواجهة تيارات ايديولوجية غير اسلامية كانت تنشط على تلك الساحة، عبر انشاء حزب اسلامي يسعى لخلق وسيلة ممكنة لمخاطبة كل قطاعات المجتمع. هذا مع التشديد على ضرورة تميزه عن الاحزاب الشيعية الاخرى التي تأسست في العراق، مثل: “منظمة الشباب المسلم” و”الحزب الجعفري” و”منظمة المسلمين العقائديين” وغيرها. عبر ربطه بالمرجعية الفقهية. وبذلك كان تأسيس “حزب الدعوة الاسلامية” في العراق أواخر صيف 1958 بمساهمة فاعلة من المرجع السيد محمد باقر الصدر (اغتيل 1980). الذي بدا مرتكزا في رؤيته الفقهية على جواز مباشرة العمل السياسي عن طريق تشكيل حزب على نقاط عدة : 

1 ما أفادته آية الشورى (وأمرهم شورى بينهم) الشورى/38. من إمكان إقامة حكم إسلامي على قاعدة الشورى، وما تقتضيه من انقياد الى رأي الاكثرية. 

2 واجب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يفرضه الاسلام، وبذلك فانتهاج أي إطار لهذه الغاية يفي بالغرض. وهكذا، فالتنظيم الحزبي هو أفضل من يتولى هذه المهمة. 

3 النظرة القدسية التي أفاضتها عقيدة الشيعة على المراجع والفقهاء باعتبارهم نوابا للامام المعصوم. وبالتالي، فتصدي هؤلاء للعمل السياسي البحت، قد يخل بهذه النظرة، فالمزاوجة بين المرجعية الفقهية والتنظيم السياسي مطلوبة، بسبب ما قد ينتج عنها من تحويل لإمكانيات المرجعية باتجاه الحزب، ليتحول بدوره على أساسها الى قيادة سياسية تنظم حركة الأمة، وتنطق باسم مرجعيتها في ما يخص الشأن العام. 

غير ان المرجعية في العراق، وقفت بعد وقت قصير جدا موقفا معارضا للحزبية، وتمثل بداية بالرؤى الفقهية السياسية للمرجع السيد محسن الحكيم (ت 1970). والتي تمحورت في: 

1 اعتبار المرجعية الدينية هي القاعدة الاساسية لتنظيم العمل السياسي الاسلامي. 

2 التأكيد على قداسة المرجعية وانفصالها التام عن العمل الحزبي. 

3 النظر الى الوسط الحوزوي كحلقة وصل طبيعية بين المرجعية وعامة الناس. 

4 معارضة السرية التي تحكم بأسلوب او بآخر عمل الحزب، باعتبار ان القيادة يجب ان تكون تحت رقابة الجماعة بما يضمن عدم انحرافها. وفي هذا يجيب السيد الحكيم عن احدى الاستفتاءات بهذا الخصوص “اذا كانت القيادة سرية فلا يمكن الانقياد اليها، لأنها اذا كانت ذكية يُخاف منها، واذا لم تكن ذكية يخاف عليها”. 

بعد هذا تكشف النقاب في الوسط الحوزوي بالنجف عن حملة واسعة تجاوزت بتنديدها حزب الدعوة لتطال شخص الصدر، وتتهمه وتخطط لعزله. وقد تزامن هذا مع حدثين بالغي الاهمية، وصلا بالرجل الى الانسحاب من حزب الدعوة عام 1960. وتمثل أولهما بطلب السيد الحكيم منه ذلك، فيما توضح الثاني بمراجعة الصدر لدلالة آية الشورى، ما أدى به الى الشك في أصل صحة العمل الحزبي. واذا أضفنا الى هذا، ما صدر عن الامام الخميني بعد انتصار الثورة في إيران، بتجميد نشاط “الحزب الجمهوري الاسلامي” و”منظمة مجاهدي انقلاب اسلامي” مع كونهما من أعمدة السلطة الحاكمة آنذاك، لخرجنا بنتيجة واضحة ان المرجعية الفقهية لم تكن تحبذ العمل الحزبي من أساسه. 

بعد ذلك طرحت على الساحة الفقهية الشيعية نظرية “ولاية الفقيه المطلقة” التي دعا اليها الإمام الخميني، مرتكزا على التالي: 

1 ضرورة وجود حكومة إسلامية في ظل الغيبة، مع اعتبار تأسيسها واجبا كفائيا على الفقهاء بحيث اذا أقامها أحدهم وجب على الآخرين إطاعته. وحكمه يسري على جميع المراجع، دون اشتراط الاعلمية فضلا عن المرجعية فيه. 

2 الولاية بالاصل لله، وهو عيّن الرسول والائمة مدبرين وأولياء، والفقيه الجامع للشرائط يكون مفوّضا من الامام المعصوم للقيام بأعمال الولاية. ولا تُحد صلاحياته بالامور الحسبية، وعليه، فولاية الفقيه “من أهم الاحكام الالهية، ومتقدمة على جميع الاحكام الالهية، ولا تتقيد صلاحياتها في إطار هذه الاحكام. فالحكومة واحدة من الاحكام الاولية، وهي مقدمة على الاحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج. وتستطيع الحكومة ان تلغي من جانب واحد الاتفاقات الشرعية التي تعقدها مع الامة، اذا رأت انها مخالفة لمصالح الاسلام او الدولة. كما تستطيع ان تقف أمام أي أمر عبادي او غير عبادي يخالف المصالح العامة” التي تحددها بنفسها. 

3 انقياد الناس للولي الفقيه، وإطاعتهم له واجبة، دون ان يكون لهم حق في تنصيبه او عزله، او التدخل في وظائفه او الاشراف عليها. 

4 الولي الفقيه هو مصدر شرعية الدولة واستمرارها. وسلطته لا تقف عند حدود الدستور او القانون، فهو مخول إلغاء القانون، ونقض الدستور ان رأى مصلحة الاسلام في هذا. 

5 تمتاز هذه الولاية بمفهوم خاص للفقاهة، بحيث توجب في شخص الولي ملكات وصفات لم تشترط في غيرها. وهي من قبيل إحاطته بكل مصالح الحكومة، وان يكون متنعما بروية تمنحه القدرة على التصدي لكل المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية وغيرها. 

وقال عدد آخر من الفقهاء لعل منهم منتظري نفسه بولاية الفقيه العامة، التي تتفق مع الولاية المطلقة بأمور عدة، وتختلف معها في حدود هذه الولاية، وشروط الفقاهة، حيث اعتبروا الولاية مقيدة ومحدودة، وهي عندما تُطرح ضمن دائرة الامور العامة والمصالح الاجتماعية تكون أوسع وأشمل من الامور الحسبية. انما لا صلاحية لها خارج الاحكام الشرعية. كما التزموا بالمعتبر من الشروط الواجب توافرها بشخص الولي او المرجع عند مشهور الفقهاء. 

وهناك من دعا للولاية الشوروية “شورى الفقهاء” بدلا عن ولاية الفقيه الفرد. معتبرا مراجع التقليد أعضاء في شورى المراجع، ولهم الولاية الشوروية في إدارة الحكومة زمن الغيبة، ويُعتمد في الشورى توزيع المهمات على المراجع. 

وبالمقابل فقد عمد السيد محمد باقر الصدر الى الاضاءة على أسس قيام الدولة الاسلامية من وجهة نظر مختلفة، اذ يبدو انه قد اختار أسلوب المزج ما بين نظريتي الشورى وولاية الفقيه، منتهيا الى بناء نظريته على: 

1 قاعدة الشورى مع اعتبار الولاية المتساوية للمؤمنين والمؤمنات بعضهم على بعض. 

2 تدبير الامة مع تزكية المرجعية لها السلطتين التشريعية والتنفيذية مع اعتماد الانتخاب فيهما. 

3 تكفل الدولة الحرية المطلقة لمواطنيها بما لا يتعارض مع أحكام الاسلام. 

4 تعتبر الشريعة الاسلامية هي المنبع الاساس لكل القوانين والتشريعات. 

5 يتصدى المرجع لنيابة الامام المعصوم في زمن الغيبة، مع شرط ان تتمثل به صفات الفقاهة المعتبرة، ويتم تعيينه عن طريق الانتخاب من شورى المرجعية، ويتمتع بحقوق عديدة، لعل أبرزها: 

أ الرئاسة العليا للدولة، وقيادة القوات المسلحة. 

ب حق ترشيح أشخاص من قبله لرئاسة السلطتين التشريعية والتنفيذية. 

ج وجوب اتخاذ الاحكام الشرعية، والتصديق على القوانين الصادرة. 

د اتخاذ كل التدابير اللازمة لتقويم ما يراه انحرافا عن الخط الالهي. 

وبرز في السنوات القليلة الماضية فقهاء معاصرون، ساقوا نظريات فقهية حاولت هدم المبتنيات الاصولية للنظريات السابقة في سبيل استنباط مبدأ فقهي سياسي يوفق ما بين ثوابت الشريعة ومفهوم الدولة المنادى به في القانون الدولي العام. ولعل أبرزهم في هذا الراحل الشيخ محمد مهدي شمس الدين، في رؤيته لموضوع الدولة التي نشرها في كتابه “نظام الحكم والادارة في الاسلام”، وينطلق الشيخ شمس الدين في نظريته: “ولاية الأمة على نفسها” أي المجتمع المدني من اعتبارات عدة: 

  1. الاحكام الشرعية هي أحكام إلهية ثابتة ونهائية لا يصح تجاوزها تحت أي ظرف كان.

  2. لا ولاية للفقهاء في زمن الغيبة.

  3. تملك الأمة الولاية على مقدراتها. والانسان ولي نفسه، ومسؤول عن أفعاله أمام المجتمع.

  4. على الدولة ان تكون منسجمة مع طبيعة المجتمع الذي تنطلق منه.

  5. لا يوجد أي أساس فقهي شيعي لإقامة دولة عالمية إسلامية في زمن الغيبة. 

التزم عدد كبير من فقهاء الشيعة بأن الدولة هي التجسيد لخلافة الله على الارض، والتصعيد لدور النبوة.. وهي التطبيق للتشريع الالهي وإرادته وسيادته، وجوهر الدعوة التي قادها كل الانبياء إزاء الطواغيت والظالمين. 

ويبدو تقويم وظيفة الدولة لديهم يرتكز أساسا على استلهام مرحلة حكم الرسول التي سادت في المدينة المنورة باعتبار ان أصل الاستخلاف الالهي يوجب ان تحكم الارض بالحق والعدل بما يعود على النوع الانساني بالحفظ والنفع. وليس أحد برأيهم أجدر او أولى من الرسول والمعصوم من بعده بالوساطة التي تبلورت في التشريع الالهي، وبتقريب الانسان من ربه ليكون مستحقا لمنزلة الاستخلاف. وعليه يظهر ان معارضة الشيعة لغالبية السلطات السياسية التي عايشوها، انما هي ناتجة عن موقف عملي رافض لاستبدادها، وتحويلها مسار الدولة بالاتجاه المخالف لما رُسم لها إلهيا. 

والاهتمام بالدولة في نظر الشيعة، يظهر الايحاء بارتباط مفهومها بالنسق العام للعقيدة الاسلامية، بما فيها من أسس وسمات مجملة ومقيدة، ضمن اتصال وثيق، بحيث تتمحور كجزء من كل هذه العقيدة. 

بهذا، ومع اتفاق الفقهاء على إدانة السلطات الجائرة بما صان للشيعة هويتهم الثقافية، وجذّرهم بأواصرها. عادوا واختلفوا حول البحث في الحقوق العامة ومباشرة الشأن السياسي ضمن فريقين: منهم من وجد بالتفرغ لأمور الفتيا والقضاء وعدم مباشرة الشأن العام بانتظار ظهور الغائب بمشروعه المنتظر، أجدر بالاتباع، وأفرغ للذمة، في حين توفر للباقين أدلة قطعية تفيد إثبات التكليف في مباشرة وبحث الحقوق العامة، الا انهم اختلفوا في تحديد نوع نظام الحكم بما أنتج النظريات السابقة وغيرها. 

وتعكس هذه النظريات استفادة أصحابها بإطار استنباطهم لها من الظروف الموضوعية المحيطة زائدا على الاصول الفقهية. ولعل أبرز ما يميز نظرية الخميني عما سواها، هو تصدرها لسدة الحكم، ما أثر في خلق مناخ فقهي عام، أدى الى شروع الفقهاء بالانكباب على البحث والدراسة لنظريات الحكم الفقهية المتوافقة ببعض تفاصيلها مع الولاية المطلقة أو المخالفة. وتجدر الملاحظة هنا، انه مع انعدام التماثل ضمن الاطار النظري بين طرحي الخميني والصدر، نرى اليوم ما يوحي بكون نظرية الصدر هي الاقرب الى الواقع التطبيقي الفعلي الحاكم في إيران. أما نظرية الاول فتبدو بأسلوب او بآخر منحصرة ضمن أدبيات الدولة والاوساط الحوزوية. 

* كاتب سوري

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic