صدام حسين عدوٌ للشعب العراقي وبطلٌ لشعوب عربية

جهاد الزين

جريدة النهار (لبنان)

السبت، 15 شباط «فبراير» 2003

     من الصعب عندما نلتقي بالعراقيين، المقيمين في المنفى او الآتين من الداخل هذه الايام، ان لا نشعر بالخجل من أي موقف سياسي نعبر عنه في احاديثنا معهم ولا يكون فيه اي كلام جاد عن الديكتاتورية الاستثنائية التي تحكم العراق. 

ولهذا - واقول ذلك من موقع التجربة الشخصية المتواصلة - ربما كان من الافضل لجميع السياسيين والصحافيين والمثقفين الذي يُسلمون بشكل قاطع بالاولوية المطلقة لمواجهة السياسة الاميركية في المنطقة والتي تبدو باحثة عن مبرر للحرب مع العراق، ربما كان من الافضل لهم ان لا يكثروا من لقاء العراقيين، اعني عراقيي المنفى، لان التواصل مع هذه البيئة ستؤدي الى ضغط على الشخص المعني، على الاقل على المستوى النفسي. ففي بيئة المنفى العراقي تشعر - اكثر من الخجل - بالعار اذا كان موقفك السياسي اقل من اولوية اسقاط الديكتاتورية حتى لو كنت من اكثر المقتنعين بعدم الثقة بالسياسة الاميركية حيال العرب وتحالفها الطويل مع الديكتاتوريات. فكيف لن يصيبك الحرج وانت تتحدث مع اشخاص قتل النظام العراقي ابا او شقيقاً او شقيقة او قريباً لهم واحياناً قتل كل هؤلاء للشخص الواحد؟ ومن الصعب - بما يثير الدهشة - ان تلتقي بعراقي واحد - واحد فقط - لم يسجن على يد النظام أو لم يسجن او يقتل له قريب او عزيز او اقرباء واعزاء، بين العشرات من العراقيين من مختلف الطبقات والطوائف والاديان الذين تلتقيهم من اصل الثلاثة الى اربعة ملايين عراقي مشرّد في مهاجر العالم ومنافيه. 

اما الذين تعنيهم اولوية اسقاط الديكتاتور فالنصيحة تصبح معاكسة: التقوا بالقدر الذي تستطيعون بالعراقيين. 

لكن أيضاً ثمة "دعوة" ضرورية للفريق الاول... اي الذي يهتم بأولوية نقد ومواجهة السياسة الاميركية لا اسقاط الديكتاتور، وهي الاكثار من اللقاء بأشقائهم العرب... خصوصاً الفلسطينيين وابناء شمال افريقيا وربما بعض المصريين. ففي هذا الجو سينعكس الشعور البسيكولوجي: اذ من يهاجم صدام حسين ويغض النظر عن السياسة الاميركية هو الذي سيشعر بالارتباك، والخجل... الى حد العار! 

نحن امام مفارقة معقدة من تعقيدات الوضع العربي الآن: 

فصدام حسين هو بدون ادنى شك "عدو" للشعب العراقي، اي باغلبيته الكاسحة في الداخل والمنافي. 

ولكن صدام حسين هو ايضاً بدون ادنى شك "بطل" لدى عدد من الشعوب العربية من فلسطين الى المغرب. 

ما العمل... ؟!؟! 

... طبعاً سبق ان قيل ان ظاهرة التأييد الشعبي لاسامة بن لادن تتكرر مع صدام حسين او تكرر تأييد صدام حسين مع اسامة بن لادن، ولكن ما يزيد في عنصر الاثارة - بل الاستغراب - ان اسامة بن لادن لم يرتبط اسمه بنظام حكم، ولربما امكن تفسير جزء مهم من التأييد له بين الجمهور العادي العربي بكيدية دينية وسياسية عميقة ضد السياسة الاميركية. اما صدام حسين فهو حاكم مجرّب ومعروف ويرتبط اسمه بوقائع شخصية وعامة فظيعة في الحكم... ومع ذلك ثمة تأييد... يصبح اكثر مدعاة للاستفهام حين ينتقل الى مستوى جزء مهم من "مزاج" الاوساط الثقافية - السياسية العربية (كما في مصر)؟ 

هذا هو الواقع... بكل تعقيده: عدو الشعب العراقي هو نفسه بطل لدى شعوب عربية! من مصر الى المغرب بوضوح... اما في المشرق فتصبح - هذه الايام - الحالة حالة سنيّة بشكل خاص ضمن الموزاييك الطوائفي. 

في السياق العام لمفارقة النظرتين العراقية والعربية (الشائعة رغم عدم امكانية التعميم) يمكن تسجيل ملاحظات على آليات السجال القائم، بما ينقلنا الى ثنائية جدلية على مستوى آخر... متصل. 

فالحركة العربية التي ترفع شعار "معارضة الحرب الاميركية على العراق"... من الطبيعي ان تتوسل قوة الحركة العالمية لمناهضة مشروع الحرب الاميركية على العراق... بل من الطبيعي ان تعتبر نفسها جزءاً منها. 

إن ايقاعات "الطرب الذاتي" تصعد من بين اسطر المقالات التي يكتبها البعض في العالم العربي عندما تستشهد بمواقف رسمية المانية او فرنسية ضد الحرب، او تأتي على ذكر مواقف شعبية وثقافية بريطانية في الاتجاه نفسه، أو عندما تعدِّد الاصوات الاميركية داخل الكونغرس و"المؤسسة" المعارضة للحرب... كما في الشارع والمجتمع الاميركيين. 

لكن حقيقة الامر، ان الحركتين العربية والعالمية هاتين، ليستا تيارا واحداً... بل هما مجريان مختلفان تبدوان الآن وكأنهما تسيران في مجرى واحد. 

الاختلاف الجوهري بين الحركتين يكمن في ان الحركة العالمية معنية بتوجيه انظارها الى "مركز" وحيد هو الولايات المتحدة الاميركية. الحركة العالمية، بمعنى من المعاني، لا تقف عند العراق بذاته بقدر ما ترى السياسة الاميركية في العالم، وتريد ان تتصدى لها. 

اما الحركة العربية فهي مشدودة، نتيجة انغراسها في البيئة العربية، الى مصير النظام العراقي نفسه، وتنطلق في دوافعها الاساسية من الاعتبارات العراقية - العربية. 

لهذا، ورغم عدم امكانية الاطلاق في التعميم، فان الجسم الرئيسي للحركة العربية يبدو وكأنه متراس دفاع عن النظام العراقي اكثر مما هو خط مواجهة للسياسة الاميركية. بل متراس للدفاع عن كل انواع الاستبداديات العربية الشديدة التورط في التوجهات الاميركية تقليدياً. 

هذا الفارق بين الحركتين العربية والعالمية لا يلائم منطق الذين يرفضون - ضمناً واحياناً علناً - طرح مصير الديكتاتورية في العراق. لان تظهير هذا الفارق يفضح حركتهم كحركة معنية بالدفاع عن النظام في العراق اكثر مما هي معنية بمواجهة السياسة الاميركية التي سبق لهذا النظام ان كان مرارا "فارسها" المفضل على عدد من الجبهات (حتى بعد 1991 كفزاعة متواصلة لجيوب الخليجيين المثقوبة بل حتى المصادَرة). 
 

* * * 

بين الاعتبارات المهمة التي يشعر الكثير من النخب العراقية والعربية انها "ضحية" الجدل العالمي وتوازناته حول مسألة العراق الآن، ذلك الاعتبار المتعلق بموضوع اسلحة الدمار الشامل، فلا نشك لحظة، حتى بين اكثر المؤيدين للسياسة الاميركية، ان الاولوية الوحيدة لهم هي اسقاط الديكتاتورية... لا نزع اسلحة الدمار الشامل. فثمة اجماع - او شبه اجماع - بين هذه النخب ان المشكلة تكمن في النظام، ولكن لا احد - لو كان مخيراً - يريد ان يخسر العراق الديموقراطي اسلحة الدمار الشامل كعنصر توازن ردعي ضد اسرائيل التي تمتلك اضعاف ما يمتلكه او ما كان يمتلكه من اسلحة دمار شامل. 

وهذا فارق نوعي... لو كان النظام العراقي نظاماً آخر لكان لسان حال الاغلبية العربية: 

نريد عراقا ديموقراطياً... مع اسلحة دمار شامل كأسلحة ردع للعدو الاسرائيلي الذي يمتلك اضعافها كماً ونوعاً. 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic