صرخة من أجل العراق

عقل العويط

جريدة النهار (لبنان)

الأحد، 16 شباط «فبراير» 2003

 

(تقديم لملحق خاص بالفنون والآداب العراقية)

 

     ماذا يعني هذا العدد الخاص؟ هو في اختصار شديد صرخة حرية وحبّ من أجل العراق، محرَّراً من عبودياته الداخلية والخارجية. لا تعبيراً عن تضامن كاذب ولا إعراباً عن كفاح وحميّة وأخوّة عروبوية، والجميع يعرف خبث هذه، وترّهاتها وأضاليلها الفارغة من كل معنى. 

لقد كان علينا أن نعلي هذه الصرخة فحسب. أن نكتبها. وأن نكتب مثلها، مدى الأسابيع والأزمنة. منذ "مدينة" ما بين النهرين الى "مدينة أنشودة المطر"، ومن "سيدة التفاحات الأربع" الى الوقوف "تحت جدارية فائق حسن"، ومن "مدينة أين" وصولاً الى "مدينة ما كان أبداً لن يكون". 

كان علينا أن نصنع صرخة يومية تشبه أرغفة الخبز التي يلتهمها الأطفال في صباحاتهم المكرورة ككنزات الصوف. هي صرخة حبّ من أجل هذا البلد المنكوب بحكّامه وأجهزته وطغاته وعسسه، والمنسوج أهلاً وكتّاباً وفنّانين ومثقفين وأحراراً من غيوم الحرية والخلق، والمقيم في رحاب الأساطير والكثبان والظلال الدموية. وهي كانت حتى الأمس القريب رحاباً مشمسة وليلية، تقدح الصوّان فتُشعل نار الكلمات وتخمّر جمرها الطويل الطويل حتى الجحيم. 

لا من أجل السياسة أو من أجل الخرائط نصرخ، ولا خصوصاً من أجل الحرية أو من أجل الديموقراطية الكاذبتين، ولا أيضاً وأيضاً من أجل تغيير المصالح في المنطقة أو من أجل عدم المسّ بها. وخصوصاً ليس من أجل صدّام أو من أجل بوش. وكلاهما كابوس. وعندنا مثل هذين، معاً وفي آن واحد، هنا وعلى مقربة وفي الأرجاء البعيدة، أصليون ومستنسَخون ناجحون، أو فاشلون، داخل كل سلطان (أو مشروع سلطان) غاشم. 

نصرخ من أجل العرفان الخلاّق. من أجل عراق التاريخ والحداثة. من أجل الأهل في هذا البلد الاسطوري العظيم. ومن أجل الكلمة فيه. 

وإذا كنا نصرخ بالشعر وبالفن في الأخص، فلأن الشعارات باطلةٌ كلها، وهي باطل الأباطيل، على ما قال الكتاب يوماً. فلقد كفرنا بالأفكار الكبرى. وبالعدالة. وبالمدن الفاضلة. ويئسنا خصوصاً ممن يلقون كل يوم خطباً تُغوي الشعوب والأفراد بالرفاه والحرية والديموقراطية. 

نشعر، نحن أهل لبنان، أنه ينبغي لنا، أكثر من غيرنا، أن نكون الأدرى بالأوهام، أوهام الشعر وأوهام السياسات والمصالح والحروب. وقد اكتوينا ولبنان بنارهما. وإذا كنا لا نزال مأخوذين بالأوهام الأولى، أوهام الكلمة، فلأننا نؤمن بأننا سنظلّ مأخوذين بهذا النوع من الفوز الذي لا يستطيع أحد في العالم أن يلغيه أو أن يستأصل جذوره المتغلغلة في الطبقات السفلى من الرؤوس، حيث هناك تتحصن "أسلحة الدمار الشامل" الحاسمة التي نخترعها ونشحذها كل لحظة مع الكتّاب والفنانين العراقيين. بل مع الشعب العراقي كله، هذا الحامل أصالات بلاد ما بين النهرين العظيمة وحداثاتها وتطلعاتها الى الما بعد. وهي "أسلحةٌ" من نوع الدمار المحيي والمطلق التي تتحدى أشكال الدمار والموت والخراب والعنف والإرهاب والقمع والديكتاتوريات والفاشيات على أنواعها. 

يفهم الكتّاب والفنانون العراقيون هذا الشرط، أكثر من غيرهم، لأنهم من الحرّاس الأوائل للخلق الأدبي والفني، ومن الساهرين اليقظين على أنهر العقل الباطن وروافده وسواقيه في هذه المنطقة من العالم. ونحن على هذا الإيقاع بالذات نكتب هذه الصرخة، وهي صرخة كل يوم، وموجودة قبل الصرخات كلها، لأنه ليس مثل العراق تقرّباً من روح الدمار المحيي وتعرّفاً به. أولاً في الشعر. وأخيراً في الشعر. وليس مثل العراق وبلاده التي تدعى بين النهرين، شعراً وأدباً ولغةً وفناً وموسيقى ومسرحاً. وليس مثل بغداده خصوصاً. نعم، ليس مثلهما سوى هذا العارف القتيل الآخر، الأرقّ من غيمة، والذي لا يزال يُدعى لبنان. 

بيروت ــ بغداد: هذا هو المحور الجوهري في حركية الحداثة العربية. وإذا أردنا لهذا المحور أن يكون استخدامه دقيقاً ومنصفاً، لأضفنا أن الضفتين هاتين، هما أخلاطٌ من الذاتيات الكيانية ومن التداخلات والهجانات والتلاقحات المشتركة. فثمة فيهما خصوصاً وأيضاً، أخلاطٌ من فلسطين ومن دمشق ومن قاهرة، فضلاً عما هو من الأبعد البعيد. هنا وهناك تراثات خلاّقة، وإلى هذه التراثات، رؤيا ورغبات هائلة في التدمير المحيي، وفي الخراب الذي لا يبدأ من "شيء" ولا يريد شيئاً، لأنه ينطلق من "أمكنة" أخرى. هي أمكنة الضوء والعتمة المطلقتين، أمكنة الحرية الكاملة والباهرة، أمكنة العقل الباطن العذراء. وقد عرف الراؤون كيف يؤلفون هذا البنيان المشترك والمتناقض، وكيف يجعلونه قادراً على خلق نفسه باستمرار. 

بيروت ــ بغداد: هذا هو المحور المجّاني الخلاّق الذي ثبّت البنيان الراسخ لحركة الحداثة العربية كلها. إنه محور المدرسة الأدبية التي صنعت لغة الشعر البارقة والصافية والشفيفة والملعونة، ممزوجةً بأوجاع الغنائية الأسطورية وحنينها الساطع. ولولاه، هذا المحور الفريد من نوعه في الحياة الأدبية والثقافية والفكرية العربية، لكنا لا نزال شظايا متناثرة نبحث عن مكان ولا نجده. وعن إناء لا نعرف كيف نحفظه من التناثر. وعن أريج لا نحسن جمع حبيبات روحه من التبدد والضياع. 

كان على بغداد أن تأتي الى بيروت، حاملةً معها نبلاءها العراقيين، فينضمّ إليها كثر من شام العالم العربي، ومن فلسطينه، وقاهرته، ومع هؤلاء جميعاً حاشية كبرى من الغيوم والهواء النقي. كان على بغداد أن تجد في بيروت فضاء ومكاناً ومناخاً، ليس للحرية فحسب، بل للحياة نفسها. وليس فحسب للكلمات بل للمزاج أيضاً. ولولا محور بيروت ــ بغداد الثقافي الخلاّق هذا، لما كان لنا أن نصرخ صرختنا هذه، وأن نرسل اليوم تحية وفاء وعرفان لأهل الأدب والفن العراقيين، لعلنا نفيهم بعض حقوقهم علينا. وبعض حقوقهم على الشعر العربي. بل على دينامية الحياة الثقافية العربية نفسها. 

وعندما نقول بغداد، سنذكر للتوّ المداميك والخطوات الجوهرية الأولى في الانتقال بالقصيدة العربية من أفقيتها وخيطيتيها الإيقاعية والبنيوية، الى تفعيلاتها وصرخاتها الوجدانية والوجودية الفذة وتململاتها البنيانية وتطلعاتها الى ما يجعلها أكثر قدرة على الحركة والتحرر والتقاط عناصر المستقبل. وسنقول للتوّ ذلك البدر السيّابي وأشقاءه نازك وجبرا وعبد الوهاب وبلند وسعدي وسركون وعبد القادر وكاظم وفاضل وصلاح وعبد الرحمن وعبد الكريم وجليل ويوسف وخزعل ومنعم وخالد وأمل وشاكر وباسم وفوزي. وآخرين. وهؤلاء كثر. 

وعندما نقول بغداد سنعلن للتوّ تلك السطوح الغنية بالتشكيل الآخذ من موضوعات التراث وأساطيره وألوانه وبناه، والمتطلع الى حياة اختبارية، تجريبية، صادقة، جادة، معاصرة، متينة، قلقة، ومثقفة، للوحة العربية الحديثة. 

وسنقول للتوّ مسرحاً غنياً وأصيلاً وطارحاً أسئلة الوجود الصعبة. 

وسنغنّي للتوّ عوداً جارحاً وتراجيدياً ومقاماً جامحاً وعميقاً الى حدّ الهذيان المختلج. كما سنرافق للتوّ أيضاً، ذاك الخروج العميق الى العالم الآخر بالترجمات والرؤى النقدية المتقدمة. وبالقراءات الهائلة. حتى قيل يوماً إن بيروت تطبع وبغداد تقرأ. 

فأين هي بغداد اليوم، بل أين هو محور بغداد ــ بيروت الثقافي هذا؟ بل وبل: أين هي قاهرة النهضة العربية؟ وكيف صار هذا وذاك كلهما، هباءً بهباء بعد استئصال الموئل القاهري الأشمل والأرحب، و... إبقائه على قيد الحياة، وبعد قتل بيروت وبغداد ونزول هاتين المدينتين الى جهنّم؟ 

سنجيب بهول فظيع: لا نعرف أن نجد وصفاً دقيقاً من فرط الذهول الكارثي الصاعق، لأن بغداد، كما بيروت، قتيلتان ومشتتتان في بابل الأمكنة. فهنا سكوتٌ واستكانةٌ وتبعيةٌ ومالٌ وموتٌ. وهنا أيضاً شهاداتٌ وتمرداتٌ وكتبٌ وأشعارٌ وعلاماتٌ بارقة لا تجد مأوى لها. وهناك جنونٌ وطغيانٌ ولعنةٌ تستولي على البلاد والتاريخ والناس والنور والينابيع. 

فبغداد، كما بيروت، ملعونة بالطلاسم والتعاويذ. وهما معاً، وكل على حدى، أشلاء مبعثرة، شعراء وروائيين ونقاداً ورسامين ونحاتين وموسيقيين ومسرحيين وسينمائيين ومثقفين ومفكرين وأحراراً، سجناء وقتلى في الداخل ومشرّدين خارج أرواحهم في أرجاء المعمورة. 

أما بغداد فأكثر. وإذا قلنا بغداد فإننا نعني ما بين النهرين كلها. الى درجة أننا لنكاد نكتشف وجود بعض من هؤلاء الأفذاذ في كل مدينة أو صومعة من العالم. فهذه عواصم الخليج، وهذه عمان، وهذه بيروت، فضلاً عن مدن المغرب العربي، وهذه كلٌّ من باريس ولندن وجنيف وامستردام وكوبنهاغن، والمدن الاسكندينافية كلها، وهذه نيويورك وواشنطن وولايات أميركا، وتلك كندا وأوستراليا. وهذه روسيا كلها ومعها عواصم أوروبا "الشرقية". وثمة أصقاع أخرى لا تصل إليها أقدام البشر. حتى قيل إن أهل الخلق من العراقيين فاقوا أهل لبنان شتاتاً وتيهاً. 

وإذا أردنا أن نرصد ماذا يجري في الداخل، أو حتى في الخارج، لم نستطع أن نكوّن صورة شاملة ومنسجمة ودقيقة للنسيج الحقيقي. إذ ليس في المقدور اقتراح مشهد عراقي متكامل وموضوعي لأحوال الأدب والفن العراقيين في اللحظة التاريخية الراهنة. بل أسماء وأعمال غفيرة، فيها الكثير من التنوع والرؤى والتجليات والبروق، وفيها الكثير من التلاشي واللاشيء. 

ثمة أعمال "صدّامية" كثيرة في الداخل، شعراً وفناً وروايةً وموسيقى ورسماً ونحتاً ومسرحاً، ومعها أعمال ذات بصمات تراجيدية ومأسوية وإنشائية و"حزبية" لا تعي دورها وضرورة بحثها عما يجعلها قادرةً على الحياة. وعلى الهامش، سنجد خيوطاً متناثرة، حارقة ومضيئة ومعتمة وبعيدة الغور، وفي الإمكان وصلها بهواجس الخلق التاريخية التي تستكمل ما نقص من شغفها اللامتناهي. 

ثمة في الخارج، شعراء وروائيون ورسامون ونحاتون وموسيقيون ومسرحيون وسينمائيون وباحثون وناشرون وأكاديميون ونقاد ومترجمون، وثمة كثرٌ من أهل التيه والشرود والحرية، يواصلون جميعهم في غرباتهم الماحقة ما يمكّنهم من بعث الفينيق، أو من المحافظة على رماده في انتظار هبوب نار اللحظات الحاسمة (وهي ليست بالتأكيد لحظات الهبوب الأميركي ــ الصهيوني الراهنة). وثمة على النقيض من هؤلاء، من يدورون في انتشاء الألفاظ المدوية وفي الحلقات المفرغة التي تؤكد طريقاً مسدوداً آلت إليه بعض التجارب والاختبارات. 

لا نعرف الشيء الكثير عن حقيقة الأجيال العراقية الشابة. فعلينا أن نبذل ليالي بيضاء وطويلة قبل أن ننجز مثل هذا العمل الذي يحتاج الى تعقّب حثيث ومنهجي. قد نقرأ قصائد وروايات ونصوصاً، ونشاهد عروضاً ولوحات وتماثيل ومنحوتات وأعمالاً فنية وتجهيزية أخرى. وقد نستمع الى أصوات وموسيقى أخاذة، ونعرف أنها متميزة حقاً. إلاّ أنه لن يكون ممكناً أن نقع على مشهد متكامل. وقد يكون هذا مستحيلاً في غياب "المكان البغدادي" وفي غياب صنوه "المكان البيروتي". ولئن اختلفت أسباب الغيابين، أو تقاربت، فإن محور بغداد ــ بيروت يعيش الآثار المباشرة للتدمير الماحق الذي أًصاب الحيويتين المجتمعيتين، العراقية واللبنانية، وهو يجسد المأساة نفسها وإنْ على مستويات متفاوتة، وفي أرواح وأجساد وثياب وأقنعة مختلفة. 

فهنا في بيروت، سكوتٌ وسكونٌ وتبعيةٌ وذلٌّ ومالٌ وجنونٌ ولعنةٌ وموت. وهنا أيضاً تململاتٌ وشهاداتٌ وتمرداتٌ ومخاضاتٌ وأشعارٌ وكتبٌ وعلاماتٌ بارقة في الليل الطويل. 

أما هناك في بغداد فأكثر من هنا. أكثرَ أكثرَ من هذا ومن ذاك. فهناك يلتقي علناً، بصفاقة التاريخ وبسخريته السوداء، يلتقي نهرا الديكتاتورية، السافر والمقنّع، ليغمرا العراق وشعبه وكتّابه وفنّانيه بالدماء. بالدماء الأبدية النازفة فقط. 

إلاّ أنه يلتقي هناك نهران عاصيان. وهما يلتقيان ضدّ نهرَي الديكتاتورية هذين، وغصباً عن إرادتهما. فهناك يلتقي منذ الأزل والى الأبد، يلتقي دجلة بالفرات، ومعهما نهر بويب، حيث جيكور، بلد السيّاب. وهما على الرغم من آلتَي اللعنة هاتين، سيظلان يطمحان للالتقاء لدى ميناء الشعر في بيروت، الى أن تتحقق المعجزة. 

ها نحن نتحدث عن العصيّ واللعنات التي تنهال على العراقيين، ونعدّ شظايا البراكين والجمرات الجهنمية التي في أىديهم وقلوبهم، ونحصي القبور المرئية وتلك غير المرئية. لكننا نعرف تماماً الفرق بين حال الشخص الذي يحصي وحال ذاك الذي يقع عليه الفعل. فنحن قد خبرنا مضاحك الحروب ومباكيها قبلاً. وخبرنا منها خصوصاً أوهام "النجدات"، ومعها، أو بدونها، أوهام الحريات والديموقراطيات التي "تبشّر" بها الولايات المتحدة الأميركية وأطيافها المعلومون وغير المعلومين. 

ربما الأجدر بنا أن نقول إن الهواء بات الآن هو "المكان" الأمثل للعراق الأدبي والفني. وهو الهواء مطلقاً. نتنشقه نقياً وملوّثاً، متعافياً ومريضاً، وافداً علينا من الشمال ومن الجنوب. من الشرق ومن الغرب. ومعاً. 

فهل هذا هو المصير، أم هي محض لحظة تاريخية تستمر، بفجيعة كبيرة، في الراهن؟ وهل قدر العراقيين أن يظلوا هكذا، يبحثون عن "مكان" لهم في غربة الكون لأن غربة مكانهم العراقي أشدّ وأدهى؟ والى متى يظلون يبحثون؟! 

نريد جواباً يشفي إلتقاءنا المشترك في شدق اللعنة وفي رحم المأساة، لكننا لا نستطيع جواباً. إلاّ أننا نشعر، وخصوصاً نحن أهل لبنان، أن هؤلاء الحرّاس الخلاقين خسروا العراق مرتين: مرةً بسبب الديكتاتور السافر، الذي غافل الشعر والفن وأعمال الخلق كافةً، ووسّع المكان العراقي لأحزان المنافي وتراجيدياتها، وعمّق بواطن الثرى لتتسع لقوافل الأحرار، وطرد عباقرةً كثراً خارج ما كان يُدعى الفردوس العراقي، ونثر دماء جلجامش في بقاع الأرض. ونشعر أيضاً أنهم يخسرون العراق مرةً ثانيةً بسبب طاغية مقنّع ومدجّج بدهاء البربرية الجديدة. طاغية "جمهوريّ ديموقراطي"، يريد أن يحوّل بلاد "ألف ليلة وليلة" الى بلاد الليل الذي لا حلم فيه ولا شهرزاد على شرفة مناماته. طاغية لا يرى في أرض ما بين النهرين سوى حقول من النفط، ولا يدري أن تلك الأرض ضمّت في حناياها وعلى جدران تاريخها مكتبة المأمون وعصره الذهب وتراجم السريان واليونان والفرس. وحيث هناك قامت عبقريات وفلسفات وتألق ليلٌ عميق ثم ترنح من أجل الشعراء، وبكى ليلٌ آخر من أجل ساهر ونديم وحبيبة وقمر يختال بين سعف النخيل على مرايا دجلة. وحيث في المكان نفسه تشرّد السيّاب، وكل سيّاب آخر. 

هنا ديكتاتور سافر، وهناك واحدٌ مقنّع يطمح للتلاعب بتاريخ العراق وبتدجين الأسد البابلي، أو بسجنه، ووضعه في "قفص الحرية الأميركية" أمام أحد مطاعم ماكدونالد، فرجةً لسيّاح الديموقراطيات الكاذبة والغافلة عن الحقيقة الصافعة في هذه الألفية الثالثة. 

نحن لسنا معنيين بالديكتاتور السافر ولا بالديكتاتور المقنّع. ولسنا معنيين بالمطالبات التي تدعو الى ترتيب الحلول على الطريقة الأميركية. نحن فقط معنيون بالحرية مطلقاً. بتلك الحرية التي تتشبّه بالشعر وإن لم تستطع أن تصل إليه. وما دون ذلك، ليس من طموحاتنا واهتمامنا. معنيون فقط بالحرية للشعب العراقي، وبالحرية المطلقة للشعوب، مثلنا. أي بالحرية غير القابلة للمساومات ودجل المصالح. 

سيكون علينا في الوقت نفسه ــ لكي نكون جديرين بكرامتنا وصدقيتنا الإنسانية والأدبية والثقافية ــ أن نطالب بالحرية والديموقراطية للشعب الأميركي نفسه لكي يتخلص من نير نظامه "الديموقراطي الجمهوري الحر". 

ولكي لا نذهب بعيداً في المطالبات الواهمة والمستحيلة، علينا أولاً بأول، أن نطالب بمثل هاتين الحرية والديموقراطية للشعب اللبناني وللشعب السوري وللشعب السعودي وللشعب الكويتي وللشعوب الخليجية كلها. وهلمّ. 

وهذا لكي تتحرّر هذه الشعوب، وغيرها كثير، من أنظمتها وحكّامها. ونحن في المقدمة مع إخوتنا الأقربين. 

وقد يذهب بنا سراب الوهم لنطالب بمثل هاتين الحرية والديموقراطية للشعب الإسرائيلي نفسه ــ نعم للشعب الإسرائيلي وقد قيل زوراً إنه يؤمن بالحرية والديموقراطية ــ، فلعل شيئاً منهما يصيب قدسنا وفلسطينها وشعبها الذبيح أمام أعين "الديموقراطيين" و"الأحرار" العرب، سواء أكانوا أولئك المتربعين على عروش السلطة وكراسيها أو النابتين على أطرافها أو الطامحين الى التهام فتاتها والسير لاهثين وراء أحذية حكّامها. وما أكثر هؤلاء! 

نحن في "الملحق" ليس عندنا سوى هذه الصرخة الصامتة والدفينة والوقورة من فرط الألم. صرخة النظرات والكلمات المرسلة عبر بريد الهواء. هواء الليل اللانهائي، الطليق والمشرّع الجناحين. 

إنها صرخةٌ أيضاً من أجل شعب العراق نفسه، والذي تجري في شرايينه لا أنابيب النفط بل أنسجة الدماء الخلاّقة والإباء والعبقرية والحيوية والوفاء. 

بل هي صرخةٌ أوسع أيضاً. صرخةٌ من أجل أنفسنا، نحن أهل لبنان، توأم العراق في الخلق والأدب والفن و... اللعنة والموت. نحن أهل هذه المنطقة من العالم، حيث تجري محاولات طردنا من تاريخنا وتضييق خياراتنا وحرياتنا وإدراج حياتنا وبلادنا في الظلام المرعب والمعمَّم. 

هي صرخةٌ نشعر، خصوصاً نحن أهل لبنان، أنه ينبغي لنا أن نفتح لها، مدى الأيام، سوقاً دائمة. سوقاً متقشفة وصامتة ورائية، لعكاظ النبل والكرم والأريحية والود والعرفان والتطلع والطليعية والقلق والاختبار والانفتاح والتعلّم والقراءة والثقافة والحداثة، لأننا معنيون بكل سيّاب جديد يخرج من هناك ليتضوّع أريجه عبر الأساطير والرمال والشطوط، شطوط الأنهر والخلجان، نازلاً من مزاريب الشتاء في كل الشرايين. فعلينا نحن خصوصاً أن نكون أعرف الناس بالعراق. لأنها بلاد ما بين النهرين، وهي، على غرار لبنان، بلاد العسل واللبن والكلمة أيضاً. 

سنظل نقول لأنفسنا وللعراقيين وللعرب جميعاً، إن شرايين خلاّقة عميقة، تجري تحت الطبقات الأرضية، تصل الأنهر العمياء ــ وهي الكلمات ــ بعضها ببعضها، في تلاقٍ فظيع للغاية، يصنع البحيرات والبحار والطوفانات. وبعدها لا بدّ من قوس قزح لتعلن بداية الشمس. 

علينا جميعاً وخصوصاً، أن نعرف أن الكون، في أحد الأيام، لن يكون جميلاً ولن يكون... شاعراً من دون العراق. 

فمن أجل هذه كلها، نقترح هذه الصرخة المتواضعة، صرخة الحبّ والأدب والفن، وهي مشرَّعة النوافذ والوجدان. لأن صرخة هذا النوع من الوجد لا ينبغي لها أن تذهب هباءً وإهداراً، بل أن تنضمّ انضماماً قَدَرياً، وإنْ متواضعاً، الى هواء الأبدية. 

في هذا العدد نقرأ العراق سيرةً بغدادية وثقافية وشعرية وروائية وتشكيلية وموسيقية وغنائية، ونقرأ قصائد خصّ "الملحق" بها شعراء عراقيون كبار يقيمون في المنافي: عبد القادر الجنابي وكاظم جهاد وسعدي يوسف وسركون بولص. وذلك كله من أجل الحرية.

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic