لا تقبـِّـل صورة صدام..

جهاد بزي

جريدة السفير (لبنان)

الأربعاء، 19 شباط «فبراير» 2003

طفولة

     وهكذا.. كانت إبنة العاشرة تهتف من على كتفي الرجل بالمتظاهرين المحتشدين تحت جسر فؤاد شهاب إتقاء للمطر. وكان اليوم سبتاً وكانت المناسبة تظاهرة بيروت ضد الحرب على العراق وفلسطين. والفتاة تتقن فن الهتاف، والمتظاهرون من حولها يتقنون فن الإعادة من بعدها. شتمت الفتاة حكام العرب، ملوكاً ورؤساء، وفرح من حولها بها، وأعادوا من بعدها. وغنّت الفتاة لصدام الحبيب، وطلب الناس منه أن يقصف تل ابيب. وكان للفتاة شعر انسدل على ظهرها، وكانت تغطي جبينها عصبة “لا اله الا الله”.. وكان وجودها على كتفي الرجل خطأ. الاطفال لا يقودون المتظاهرين، لأنهم يحفظون الموسيقى بسهولة، بيد أنهم لا يستطيعون تمييز الفارق بين شتم رئيس عربي ومدح رئيس آخر. على الأطفال أن يفهموا قليلاً ويراكموا كلما كبروا أن لا معنى للحرب، وأن المتظاهرين هنا مساكين، على الرغم من أنف حناجرهم. 

وكانت الطفلة على كتفي والدها في سيدني تحمل لافتة تقول “لا للحرب” وتتفرّج على ما يحيط بها من دون أن تعرف تماماً ما سبب وجودها هناك في تلك اللحظة. كانت في مكانها وفي حجم إدراكها. وهكذا كان والدها. لا يريد حرباً. تحت جسر فؤاد شهاب، لا يريد الناس الحرب، لكنهم يصرخون من أجلها. الحرب عليهم وهم الذين يدعون الى الحرب. هناك حتماً خطأ ما.. 
 

إطار من ورق الشجر 

لا تقبل صورة صدام الآن. لا تقبله. لا تهتف باسمه ولا تعلن أنك مستعد للموت من أجله. أنت لست مستعدا للموت من أجل صدام. وأنت لست مضطراً للموت. لا ترفع صورته وهو يصلي ولا ترفع صورته يمد رشاشه أمامه. الحرب على الأبواب. العراق في التظاهرة يرفع الأسلحة عالياً. الأميركيون يتظاهرون ضد حكومتهم والعراقيون يتظاهرون ضد حكومة الأميركيين. بيروت تتسع لحب صدام. وتحتمل صورته بين نجليه. ويصنع المذيع العراقي خبره المصور. الرجل ذو الحطة والوجه الابيض، العجوز ذو الملامح الجميلة، يقول العتابا ويمشي خلفه عشرة رجال أحدهم وضع الصورة في إطار مصنوع من ورق الشجر. يمشون بطلب المذيع وتمتلئ العدسة بهم. تظاهرة كاملة بعدما تفككت التظاهرة. ينتهي المشهد. ينسحب العجوز. ويعلن مذيع الفضائية العراقية أن مئة ألف كانوا في التظاهرة. إنه يكذب. أشيروا إليه بالاصابع. إنه يكذب. 
 

مئويتي

أنقذوا هؤلاء الأطفال قبل فوات الأوان. أمامهم رجل بلحية طويلة يصرخ فيهم. يحق له أن يفعل بوجهه ما يريد. لا يحق له أن يلبس الصبيان بزات عسكرية صغيرة ويضع في أياديهم قرآناً في يد ورشاشاً بلاستيكياً في الأخرى، ويجعلهم يرددون من بعده “حسبي الله ونعم الوكيل”. ليس لطيفاً أن تسأل طفلاً عن حاله مثلاً فيرد عليك ب”حسبي الله ونعم الوكيل”. والقرآن ليس رديفاً للسلاح. لم يكتب لهذا السبب.. وأبشع الأشكال شكل البزة العسكرية حين يكون مقاسها بهذا الصغر. 

يسمّي غونتر غراس كتابه “مئويتي”. غراس أديب ألماني حامل لنوبل في الأدب. يقسمه الى مئة قسم ولكل سنة من القرن الذي مضى قسم. قاموس غراس للقرن. في العام 1991 يقتبس عن متكلم مجهول: 

“..على كل حال ينزل الأولاد الآن الى الشوارع والساحات... في ميونيخ وشتوتغارت أيضا.. أكثر من خمسة آلاف.. حتى أطفال الرياض ينضمون اليهم.. في تظاهرات صمت تتخللها دقائق صراخ: “أنا خائف! أنا خائف”. 
 

كن خلاقاً

تظاهر الأميركيون ضد حكومتهم. “متحدون من أجل السلام” 
(www.unitedforpeace.org) يضم مئة وخمسين منظمة أميركية اتحدت ضد الحرب. على موقع هؤلاء، هناك خطة عمل لما يمكن أن يفعله الناس إذا ما هاجمت أميركا العراق. 

“إمش الى وسط مدينتك عند الساعة الخامسة من اليوم الذي يبدأ فيه القصف. 

إخرج من صفك في الثانوية أو الكلية. إتصل بمركز عملك وبلّغ أنك مريض. إذا كانت حكومتنا تقتل الناس في بلاد بعيدة الى هذه الدرجة، فلن يكون عمل هنا في الوطن. 

أنصب خيمة سلام تظل ما دامت الحرب. يمكن نصب الخيام أمام أي مكتب فيدرالي محلي أو داخل حرم الجامعة. يمكن للنشاطات أن تتضمّن دروساً تدريبية حول معنى اللاعنف. 

كن خلاقاً. استخدم الموسيقى، الفن، الكوميديا والدراما، تعرّف بأناس جدد وأخبرهم عن موقفك”. 

ماذا أيضاً؟ هناك ما يسمّى “اليوم الذي يلي”. في فينتورا (كاليفورنيا)، عند السادسة من مساء اليوم الذي يلي الهجوم “إرمِ كل شيىء من يدك وتوجه إلى المكان المحدد من أجل الإنسانية، كوكب الارض، والكرامة”. 

ومن ولاية إلى ولاية، يستطيع الأميركي أن يعرف الى أين يذهب في اليوم الثاني للحرب. جدول المواعيد مليء ولا تتشابه الأحداث فيه. في إنديانا بوليس، لن نكون مستهلكين لأربع وعشرين ساعة. لن نشتري شيئاً. لا وقود، مجلات، موسيقى، أفلام أو أي شيىء آخر. 

في كولورادو سنلتقي في اعتصام صامت. 

في أرجاء العالم، لنعلن الحداد لثلاثة أيام على الضحايا كلهم. 

في ساحة الشهداء ليل السبت نفسه سأل المراهق عن “هؤلاء” وقد راعه شعرهم الطويل. “مين وين جايبينهون هول؟” سأل مستنكراً “أشكال” اعضاء فرقة “شحادين يا بلدنا” الذين غنوا وغنى معهم الجالسون على الارض. الجالسون الذين تظاهروا وحدهم في مسيرة ثانية لم تدّع أنها قوية ونأت بنفسها عن الديكتاتوريات كما عن الحرب. التظاهرة الصغيرة ولكن المختلفة. الملونة بكاملها. التظاهرة الكبيرة لم تكن تحتمل إختلاطاً في الألوان. لكل عقيدة لونها. الأخضر للأخضر والأحمر للأحمر. بيروت، المدينة الضيقة إلى هذا الحد، محشوة إلى هذا الحد بالجهل المتبادل. يحق “لشحادين يا بلدنا” أن يصنعوا برؤوسهم ما يشاؤون. يحق للمراهق أن يسخر منهم. ويحق له أن يبقى في المكان حتى نهاية الحفل. غريبة هذه المدينة. “افتحوا لنا الحدود لنذهب الى العراق”. ها نحن نرميها مجدداً عليهم. “افتحوا لنا الحدود لنذهب الى القدس”. نحن نعرف أنهم لن يفتحوا الحدود لنا. فلنشتمهم إذاً ونحرق علماً جديداً ونمضي. ولتنطلي الحيلة علينا من جديد. التظاهرة الملونة أوصلت رسالة مفيدة. لا للحرب. نعم للغناء. 

“مع كل احترامي للرئيس بوش، ليس على شعوب العالم أن تختار بين الطالبان والحكومة الاميركية. كل جمال الحضارة الانسانية فنوننا، موسيقانا، ادبنا هي أبعد بكثير من هذين القطبين الأصوليين الأيديولوجيين(...) المسألة لا تتعلق بالخير في مواجهة الشر أو الإسلام في مواجهة المسيحية بقدر ما هي على علاقة بالمسافة.. على علاقة بالقدرة على التكيف مع الاختلاف من أي نوع كان. كيف ترفض السيطرة، أي نوع من السيطرة كانت، عسكرية، اقتصادية، لغوية، دينية، وثقافية. يمكن لأي خبير اجتماعي أن يشرح كم هي خطيرة وقابلة للكسر الثقافة الأحادية. عالم خاضع للسيطرة الأحادية الجانب هو كحكومة من غير معارضة بناءة. كديكتاتورية. كأنما تضع الكوكب في كيس بلاستيكي وتمنعه من التنفس. في آخر المطاف سوف يتمزق الكيس”. كتبت أرونداتي روي بعد الهجوم الأميركي على أفغانستان. 

هو الاختلاف إذاً. بيروت مليئة بالاختلاف. بيد أن الاختلاف هنا يجعل من الآخر كريهاً. كريهاً دوماً. هذا سرنا. لا نعرف أن قوس قزح موجود. علينا أحياناً ألا ننظر إلى السماء لنبحث عنه. علينا أن نبحث في الوجوه والافكار.. فحسب. 

في طقس بارد غنت “شحادين يا بلدنا”، وكانت صبية ترقص فخورة بخطواتها. في وقتها كثير من الوقت الذي لم يضع سدى. لأن رقصها في ساحة الشهداء كان في ذاك الليل جميلاً. 
 

تضيف الوكالة

.. “وما أن أطل السيد الرئيس القائد المجاهد صدام حسين (نصره الله) على موقع اللقاء حتى تعالت هتافات الحاضرين تحية لمقدمه وتعبيراً عن فرحتهم وسعادتهم بإطلالته البهية وتشرفهم بلقاء قائدهم المفدى ومعلمهم ومرشدهم وملهمهم في الإعداد والتدريب والاستعداد السليم والصحيح لكسب معارك العراق الابي والامة العربية المجيدة ضد اعدائهما الخائبين..”. وتضيف الوكالة الاخبارية العراقية: “وأعطاهم الإذن بالتحدث عن إمكانات فرقهم ووحداتهم ومعنويات رجالها وإستعدادهم لملاقاة الاعداء.. وتعقيباً على ما ذكره أمر أحد ألوية القوات الخاصة من أنهم مستمرون في التدريب واستطاعوا أن يجعلوا المقاتلين يقطعون مسافة 75 كيلومتراً في 17 ساعة من بينها ساعتا استراحة قال سيادته.. عليكم ان تزيدوا سرعتكم لأنك إذا أردت أن تتسلل على القدم لبقعة معينة لتضربها وتعود إلى قاعدتك في الليلة نفسها فإن هذا الزمن لا يكفيك.. ولا بد أن تكمل ليلتك هناك لذلك عليك أن تقلّص الزمن لقطع مسافة وعمق تذهب إليه..بلّغ سلامي للمقاتلين”.. وتضيف الوكالة العراقية بيد أن المكان لا يتسع. 

أما للراغبين في بيروت، فيعلن المكتب السياحي العراقي لبنان أن من يقف مع معسكر العدو سيُصاب باللعنة وسيخرج من أهله ومن يدافع عن الأمة فسيكون من الشرفاء في ضمائر شعوب أمتنا.. ومن هنا نضع امكانياتنا كلها بتصرف كل من يرغب بالمشاركة في المعركة المقدسة. حيث إن المكتب سوف يكون مركز تطوع في لبنان لاستقبال كل من يرغب بالدفاع عن الأمة من خلال تطوعه للدفاع عن العراق فعليه أن يتقدم لتسجيل اسمه ضمن أسماء المشاركين وما النصر إلا من عند الله. 

لا يضيف المكتب السياحي شيئاً. 
 

علوم سياسية

لا أحد يحبنا.. لا أعرف لماذا 
ربما نحن لسنا كاملين، لكن السماء تعلم أننا نحاول 
ولكن الجميع من حولنا، بمن فيهم اصدقاؤنا العتيقون، تخلوا عنا 
هيا بنا نرمي الكبيرة ونرى ما الذي سيكون 
نحن نعطيهم المال ولكن.. هل هم ممتنون؟! 
لا.. هم حاقدون.. إنهم مبغضون 
لا يحترموننا.. فلنباغتهم 
سنرمي الكبيرة ونجعلهم يتبخرون. 
آسيا مكتظة وأوروبا عجوز جداً 
أفريقيا حارة جداً 
وكندا باردة جداً 
وأميركا الجنوبية سرقت إسمنا 
فلنرمِ الكبيرة 
لن يبقى أحد ليلومنا 
سنحتفظ باستراليا 
لن نؤذي أي كونغرو 
وسنبني هناك مدينة ملاهٍ أميركية بالكامل 
بووم لندن وبووم باري 
مساحة أوسع لك ومساحة أوسع لي 
وكل مدينة حول العالم 
ستكون مجرد بلدة أميركية أخرى 
آه كم سيعمّ السلام 
سنحرر الجميع 
سترتدي الكومونو الياباني 
وسيكون هناك حذاء إيطالي لي 
سيكرهوننا في أي حال 
هيا بنا إذاً نرمي الكبيرة 
لنرمِ الكبيرة الآن. 

* الأغنية لراندي نيومان. والكبيرة هي القنبلة الذرية.
 

مئويتي.. خاتمة

“.. لكن ابنتي وافقت على المجيء في أواخر شباط. أنتظر بفرح رؤية أبناء أحفادي من جديد وهم يتزلّجون في الحديقة وأنا أطلّ عليهم من الشرفة. وأترقب بفرح العام 2000 أيضاً. فلنرَ بماذا سيأتينا.. إن شاء الله ما ترجع الحرب.. بالأول في المناطق البعيدة.. ومن ثم في كل محل”.

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic