العراق: قضية عادلة ومحامون فاشلون

محمد صادق الحسيني

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 20 شباط «فبراير» 2003

     “والله لو فعلها ابن الاصفر لوضعت يدي بيد معاوية” هذا الكلام منسوب للامام علي عليه السلام والذي يقال انه قاله عندما سمع ان حاكم الروم “ابن الاصفر” كان بصدد تهديد الدولة الاسلامية او غزوها في وقت اشتداد الخلاف بينه وبين معاوية. وقد ترددت كثيرا في الاستشهادية، وفيما اذا كان يصلح اصلا على الحالة العراقية الراهنة وهي تنتظر احتمال اندلاع الحرب عليها. 

لكن سماعي آية الله الشيخ محمد علي التسخيري يقرأ هذا الحديث من على منبر الجنادرية (في الرياض) مؤخرا مطالبا المسلمين عموما بفك الاشتباك فيما بينهم والتنادي الى “مصالحات” عامة وشاملة متوجهين الى التحدي الاكبر الذي يريد الشر والاذى بكل طوائف المسلمين وفئاتهم وطبقاتهم حاكمين ومحكومين، ومن ثم سماعي لنبأ دعوة السيد حسن نصر الله الامين العام لحزب الله لما سماه ب “طائف العراق” او “المصالحة” الداخلية العراقية، وأخيرا ما ورد على لسان الشيخ اسامة بن لادن من دعوة لنصرة العراق “برغم ان رايته راية جاهلية وان حزبه حزب اشتراكي... الخ” وان المطلوب هو “نصرة العراق وليس نصرة صدام حسين ونظامه” انما جعلني اقرب الى تصديق مضمون هذا الحديث رغم قول البعض بضعفه وربما بعدم صحته. ورغم انني اعرف جيدا بأنه ليس هناك ما يجمع بين الشيخ التسخيري والسيد حسن نصر الله والشيخ اسامة بن لادن بخصوص القراءة المشتركة لنظام صدام حسين وخريطة المعارضة العراقية، كما ان القدر المتيقن من رؤيتهم السياسية المشتركة هو القراءة والملامسة للواقع الى حد كبير للحظة العقلانية التاريخية التي يمر بها العالم، لا سيما منطقتنا الاسلامية والعربية منها على الخصوص، وهي النظرة او، بتعبير أدق، “تقدير الموقف” الذي يشترك فيه معهم الكثير من العلماء والمفكرين والمثقفين والادباء وأصحاب الرأي على امتداد الوطن الاسلامي الكبير، وقد يكون آية الله السيد محمد حسين فضل الله والامام الخالصي (العراق) اشهر المعنيين بهذا الملف والموقف. 

وليعذرني الاخوة والسادة والمشايخ والعلماء ممن يحرصون بالتأكيد على عدم رغبتهم في ان يُحشروا مع بن لادن بسبب “لعنة الارهاب” التي تلاحقه لكنني هنا لست بصدد تصنيف الناس لا بالمذهب ولا بالاصول ولا بالفكر بقدر ما انا بصدد الحديث عن “تقدير الموقف” السياسي بشأن اللحظة التاريخية التي نمر بها. 

لا بل انهم سيفاجأون هم، وكذلك من هاجمهم ونعتهم بمختلف النعوت او صب عليهم جام غضبه ولعناته وأساء اليهم ومعهم الأدب عندما يكتشفون ويكتشف معهم معارضوهم بأن من بين من يمكن ان يحشروا معه او يُحشر معهم في “تقدير الموقف” هذا مطرب ايراني مشهور مثلا يقيم في الولايات المتحدة الاميركية منذ قيام الثورة الاسلامية وهو معارض شديد لها لكنه اصدر بيانا مؤخرا “على الانترنيت” يهاجم فيه جماعة الشاه البائد بكل شدة، ويتهمهم في ما يتهمهم به بانهم “يفتقرون حتى لذرة من الوطنية الحقة او حب الوطن والا لماذا وكيف وما هو المبرر الذي جعلهم يسكتون عن عسكرة المنطقة برجال القمع الاميركيين والبريطانيين خلافا لادارة اهلها وشعوبها المختلفة التي تريد التنمية والحياة المستقرة والهادئة والسلام ونبذ الحروب والعنف؟!” كما جاء في كلمة المطرب الايراني ابراهيم حامدي المعروف ب “ابي”. 

بائس ريتشارد باوتشر هذا عندما يظن انه عثر على الحقيقة الضائعة بقوله، ألم نقل لكم ان هناك قضية مشتركة بين بن لادن وصدام حسين!! 

لكن ريتشارد باوتشر هذا ومثله رئيس الديبلوماسية في بلاده نسيا او يتناسيان ان هذه القضية المشتركة موجودة بين عشرات الالوف ان لم يكونوا مئات الالوف بل والملايين “وبين صدام حسين” الا وهي “الضدية” لأميركا والسبب سياساتها الهيمنية والاملائية المتغطرسة، وهي بالمناسبة ليست لا من قريب ولا من بعيد مع صدام حسين او نظامه او سياساته وبالتأكيد ليست ضد آمال الشعب العراقي الشريف والمظلوم والمضطهد والمقموع من جانب صدام حسين منذ حوالي 35 عاما على مرأى ومسمع وبدعم وإسناد الادارات الاميركية المتتالية. 

من حق المعارضة العراقية الشريفة والمخلصة والصادقة وأكثرها يحمل هذه الصفات الوطنية معمدة بالدم ان لا تثق بصدام حسين وبنظامه خاصة وانه لم يقدم حتى الآن اية بادرة حسن نية تجاهها لا من قريب ولا من بعيد. 

لكن ليس من حقها ان تخون او تفسّق او تسفّه كل من خالفها في “تقدير الموقف” ورأى مثلا ان الخطر الاعظم هو في التواجد العسكري الاجنبي والذي هو اخطر من اسلحة الدمار الشامل العراقية كما قال هاشمي رفسنجاني مثلا او من رأى ان من يعين اميركا اليوم انما يعينها على فلسطين وسوريا ولبنان وايران ومصر والعالم الاسلامي ومقدرات العراق وليس ضد صدام حسين. 

ثمة من يعتقد ومنهم السيد حسن نصر الله كما اظن والله اعلم ان من يقف بحزم وباستراتيجية واضحة ضد اميركا اليوم هو وحده القادر على اسقاط صدام حسين باقل التكاليف على شعب العراق والأمة بشكل عام. 

وثمة من يعتقد ومنهم السيد حسن نصر الله كما أظن بأن اميركا ليست بصدد “اطفاء الحرائق في المنطقة” كما يظن البعض خطأ، بل هي بصدد حروب اخرى متنقلة، لكن من نوع جديد لن تكون ضحاياها وخسائرها اقل مما فعله صدام حسين في ال35 سنة الماضية على اهل العراق وغير اهل العراق، بل ان اهل العراق سيكونون اكثر المتضررين منها وقبل غيرهم. 

من حق المعارضة العراقية ان تقول بانه لا حول لها ولا قوة في تغيير النظام العراقي الراهن لوحدها وباسلوب ديموقراطي وسلمي وحضاري بسبب ما تقول انه نتاج تركها لوحدها تعاني الامرين على مدى 35 عاما من دون نصير عربي ولا اسلامي. 

لكن، ليس من حقها ان تجعل من ذلك سببا لاستدعاء الاجنبي ليفعل ما يشاء بالعراق والمنطقة!! المهم ان يسقط نظام صدام حسين وبأي ثمن كان!!. 

تصوروا لو ان كل معارضات المنطقة وأغلبها يعاني من نفس المنطق “العاجز” قررت استدعاء الحلفاء لاسقاط انظمتها! هل يبقى حجر على حجر في المنطقة؟! ثم الاهم من ذلك، هل سيتم تسليم أي منها زمام امور بلادها بعد “التحرير”؟!! 

ثمة من يذكر هنا ايضا بأن هناك فرقا شاسعا وجليا بين مقاتلة الاجنبي الغازي المحتل والغاصب للارض وقواعد العمل والممارسة السياسية كما هي الحالة في فلسطين وبين مقاتلة الحاكم الظالم والمستبد، والفرق هنا لا يتعلق بتقييم شخصية الحاكم كما يحاول اخواننا العراقيون دوما عندما نسمعهم يصرخون بانه اسوأ من شارون... الخ بل ان الامر يخص مجموعة من قواعد العمل السياسي والكفاحي تتطلب في ما تتطلب، بأنك في حالة الكفاح ضد الحاكم الظالم غير مسموح لك بالاضرار لا بالبنية التحتية لبلادك ولا ازهاق ارواح الجنود والضباط ولا رجال الامن. وهو ما كان يرفضه بتاتا رجل مثل الامام الخميني مثلا، بينما القاعدة مع الغازي والمحتل هي: “اقتلوهم حيث ثقفتموهم...” وهي بالمناسبة بند من بنود حلف الاطلسي في حربه ضد أعدائه ايضا. 

وعود على بدء القول: اذا كان من حق ابناء العراق ان يقرروا مصير بلادهم بانفسهم، وأنهم احرار في هذا الخيار باعتبار ان كلمة الفصل لهم وحدهم في النهاية، رضي بذلك ام لم يرض من قد يختلف معهم في الرأي حول الخيارات الا انه ليس من حقهم، والاهم من ذلك، ليس من مصلحتهم ولا صالح قضيتهم حتى لو اعتبرناها “عراقوية” محضة لا تريد فلسطين ولا العروبة ولا الإسلام ان يعادوا ويسبوا ويلعنوا ويفسقوا ويخونوا كل من يختلف معهم والاهم من كل ذلك ان يصنفوا في صف صدام حسين فقط وفقط لانه لا يقبل بالحصار الاميركي للعراق!! 

ان اخوانكم في الدين او العروبة أو الانسانية والذين باتوا يشكلون جهة عالمية ضد الحرب انما يبحثون عن طريق ثالث للخلاص ليس فيه “فرعنة” بوش ولا “طغيان” صدام حسين. والنوايا الطيبة والقضية العادلة هنا لا تكفي. المطلوب محام قدير وكفؤ يحمل اكبر قدر من اجماع اهل الارض الذين تهددهم الحرب القذرة على الموارد.

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic