“موسى الزين شرارة الشاعر الثائر”
قصائده الساخرة تذهب الى أقاصي الجراح

إبراهيم بيضون

جريدة السفير (لبنان)

الخميس، 20 شباط «فبراير» 2003

     عشرون، إلا قليلا، من الأعوام تمرّ على غيابه، وهو بعد في هالة حضوره الكبير، قامة “عربية” في الأدب المقاوم وثائرا “عامليا” على الجمود والتقاليد الآجنة، و”كافرا” بعلماء “سوء” يركبون خفافاً الى “السلاطين” وينطقون باسمهم جهلا، وينشرون في رحابهم “صحيفة” ضلال. تمر الاعوام عجيفة والشاعر المرهَف بعدُ مقيم في وعي الحاضر، وفي نبض اللحظة، وفي يوميات الشعب المترَع بوجد حنيني، الى زمن تألق فيه المجاهدون، وتعملق الشعراء. وانداحت الاحلام الجميلة في المدى البعيد. 

قليلون جدا الذين أفاحوا في التاريخ، فأثّروا في مساره، كما استراحوا على ذروة فيه.. من هذه النخبة كان موسى الزين شرارة، ذلك الفتى الذي قارع مبكرا التحديات، مترهباً لقضية كانت حبره وقنديله وفتاة أحلامه، و”عصاه”السحرية في المدلهمات. فلم يطرق من فنون الشعر غير هذا الباب الذي اختزل كل هواجس الطفولة والشباب، فإذا الشعب هو الحبيبة ونبض الفؤاد ونقطة الرجاء، والخليق بأن تُضفر له القوافي الزاهيات، وتُرسل الأغاني عذاباً، ويُستلّ الشعر من وميض السيوف: 

 

فلعينيكَ للقوافي مديحٌ  ولعينيكَ للقوافي هجاءُ 
ولعينيكَ هدأتي وسكوني  ولعينيكَ ثورتي الحمراءُ 


هو شاعر الثورة كما اختصره إحسان شرارة في كتابه وجد نفسه فيها منذ الطفولة متمرداً على واقع يعمّه الجهل، وتنتشر فيه الأضاليل، ويُصادر الدين لمصلحة الزعماء يستبدون ويطغون... ولا ينفك “العلماء” يسوّغون ظلمهم، يباركون خطاهم وينقطعون اليهم عن الشعب الراكد في معاناته، المثقل بأوجاع الزمن، الرازح في الفقر والجهل والنسيان. 

لعيني هذا الشعب الذي تحدر يتيماً مثخناً بالوجع منه انتفض موسى الزين، فكان أمام رجال الدين وجهاً لوجه، مكتنهاً مصدر الظلم الذي يُمارَس عليه، لا عن تجديف أو مروق، ولكن عن إيمان بالرسالة التي حملها الدين ضد طواغيت المال والظلم واستغلال الإنسان. فقد رأى، وبصفاء القيم في الإسلام، ان الدين جاء لمصلحة الفقراء، رافضاً تسخيره اداة للشر وغطاء للمستبدين والمتاجرين باسمه: 

 

الدين يبرأ والأخلاق من فئة  تسعى الى الشر باسم الخلق والدين 
الدين لو كان جسماً ضجّ من ألم  أو كان طوداً رماهم بالبراكين 


هكذا يقترن الدين بالأخلاق لدى الشاعر شرارة، وهكذا يفهم رسالته السمحة التي عبث بها المنحرفون، والممعنون في تفريغه من قيمه، والذاهبون به الى البدع والأسطرة والطقوس، وكل ما ينأى به عن العقل. وهكذاً أيضاً يكتنه التراث في الإسلام وتداعيات تاريخه، قارئاً للحسين وثورته خارج المألوف وضجيج الأحزان وجلجلة الانكسار... قرأ الحسين ثائراً على الظلم، رافضاً مسيرة الانحراف، حاملاً رسالة الحق والعدل ومتأهباً للموت بشجاعة في لحظة الاختيار. يرفض الشاعر شرارة إذاً، الانصياع للتقاليد واختزال الثورة العظيمة في الطقس الموروث، ذلك الذي ابتدعه رجال دين، وكرّسوه في وعي الشعب استسلاماً وركوداً، وليس حالة نهضوية تستفزه للثورة والخروج من نفق الظلم، الى فضاء الحرية، ومن عتمة الجهل الى انوار العقل، ومن جحيم الذل والخنوع، الى حياة تنعم بالكرامة والاباء: 
 

انا ان بكيتُ على الحسين فشاعرٌ  أو ثائر للثائرين يُعظّمُ 
لا خانع يبكي ليُعطى جنةً  ثمن البكاء كما يقول معمّم 
يخشى جهنم في غدٍ وحياتُه  لو كان يفقه ما الحياة جهنم 
يبكي الحسين على الذي يبكي اذا  ذُكرت بطولة كربلاء ويلطم 
كفكف دموعك فابن حيدر قدوة  للثائرين ورائد ومعلم 

 

كان جبل عامل المدى الذي أفاح فيه الشاعر موسى الزين شرارة، رافضاً، متمرداً وتائقاً الى التغيير، وبالتالي مناضلاً اجتماعياً وسياسياً ضد التخلف والاقطاع والاستعمار. بيد ان المدى يتعدّى المكان والمحيط في حركة الشاعر، المضطربة نفسه بالآمال الكبيرة، منخرطاً في تيار القومية العربية التي هبت رياحها باكراً على الجبل العاملي، وكانت بنت جبيل في صميمها، حيث تردّد عليها المناضل القومي عبد الكريم الخليل، في وقت كان الشاعر شرارة في نحو العاشرة من عمره، فنشأ والشام في وعيه عقدة الوحدة العربية الشاملة التي تكتسب شرعيتها من التاريخ: 
 

تشهد الأرض والسماء بأنا  عن هوى الشام لحظة لن نحيدا 
هي في القلب والحشاشة منّا  فليقيموا حواجزاً وحدوداً 

 

وفلسطين قضية العرب كانت ما تزال صاخبة في شعره، مؤمناً بالمقاومة سبيلاً الى تحريرها من الانتداب والصهيونية... فيرى في ثورة القسام الانموذج والنهج، اذ غادر الشيخ محرابه ومنبره، مفصحاً عن أن ابلغ القول وهو الجهاد: 
 

“الله أكبر” في الجهاد شعارهم       وهتافهم حمدٌ أو استغفار 
شبّانهم في الروع فتية خيبر  وشيوخهم في ساحها الكرار 
الكل باع لأرضه ولشعبه  نفساً فلا طمع ولا استئثار 
ما العار ان متنا كراماً في الوغى  نهب السيوف بل الحياة العار 

  
الالتزام

كانت فرادة موسى الزين شرارة، في هذا الالتزام المطلق بقضايا مجتمعه وشعبه وأمته، فهي ما كرّس له العمر وأفنى السنين، مقاوماً، متمرداً، منقطعاً عن أي غرض شخصي أو مطمَح خاص. وكان وهو في الثمانينيات كأنه في عنفوان الشباب توهجاً وحماسة، والذين آثر صحبتهم كانوا اولئك الصاعدين في مواكب الحياة، والمتمردين على الواقع، والحالمين بالتغيير. 

من أجل ذلك، وتكريماً لهذه الشخصية الفذة، كان الحافز الذي دفع بالأديب إحسان شرارة إلى الكتابة في موضوعة الشاعر الثائر، المشعّ في الذاكرة العاملية. والكاتب المتحدّر من سلالة ذلك الحبر، شاعراً مفطوراً، ساحر العبارة مفتوناً بالتراث، لم يأخذ به إلى ذلك الانتماء “الشراري”، حيث المجال يزدحم بالعلماء والشعراء، ولكنه وهو من جيل تأثر بنضالات الشاعر موسى الزين شرارة ورفاقه، رسخت في وعيه القضية التي أبلوا فيها، وغدوا حديث الناس في البلدة المقاومة. وكان الشاعر الأكثر صخباً في ذاكرتها، وقصائده الساخرة التي تذهب الى أقاصي الجراح الأكثر ترداداً في مجالسها، معبرة عما تنطوي عليه النفوس من المعاناة والتوق الى التحرر من براثن الاستبداد والاستعمار. 

كان إحسان شرارة حين قرر الكتابة في هذا الموضوع مأخوذاً بالحالة التي فجرها الشاعر، متأثراً بشخصيته المتمردة ومفعماً بخطابه الثوري، مختلجاً بروح المرحلة ونبضها وايقاعها. ومن هذا المنظور يسوّغ بحثه بمجموعة من الأسباب، تتمحور بكليتها حول المسيرة النضالية، في أبعادها العاملية والعربية للشاعر الكبير. فقد رأى فيه الشاعر المناضل العنيد الذي تصدى للمشاكل الاجتماعية والسياسية، والمنفتح المستشرف للمستقبل والنازع الى الحوار، والمؤمن بتحرير المرأة والمحارب للفساد، والواضح في وعيه القومي ورسالته القومية. ورأى فيه أيضاً، الشاعر الساخر، القريب من الناس والملتزم قضاياهم، المتكيف مع الأجيال الصاعدة وتطلعاتها، حتى بات في شعره “ديوان المكان والزمان”، “يُقال ليُسمع وينتشر على ألسنة الناس” على حد تعبيره. 

وفي كتاب إحسان شرارة نقرأ موسى الزين شرارة، حضوراً وغياباً، اذ تتبّع مسيرته الثورية بصبر الباحث ورهافة الشاعر، فلم يدع جانباً منها إلا وخاض فيه، ولم يدخر وسيلة للتزود من أخباره إلا واعتمدها، محاوراً الذين عاصروه أو كانوا قريبين منه، أو متابعين له، حافظين لاشعاره، مع العلم أنه كان مثل هؤلاء في درجة الاتصال به. ولكنه بأمانة الباحث وتواضع العالم، كان حريصاً على الاحاطة ما أمكن بموضوعه، حرصه على ايفاء الشاعر الثائر، بعضاً من وفاء وبعضاً من عرفان لدوره الكبير... 

كان سبّاقاً في هذا الوفاء، فأنجز لنا هذا الكتاب القيّم، وهذا العمل اللافت في التاريخ الأدبي للحاضرة العاملية المقاومة، التي تألقت في وجدان الشاعر موسى الزين شرارة، وردّدت قصائده عن ظهر قلب. 

(*) كتاب “موسى الزين شرارة الشاعر الثائر في محيطه العاملي”، لإحسان شرارة.

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic