الاعلان الاسرائيلي للحشود العسكرية تضخيم متعمَّد

ابراهيم بيرم

جريدة النهار (لبنان)

السبت، 22 شباط «فبراير» 2003

     ينطلق المتعاطون الرسميون في الملف الجنوبي من التطور الميداني المتمثل في اعلان اسرائيل المفاجىء دفعها تعزيزات عسكرية في اتجاه حدودها الشمالية، ليخلصوا الى نتيجة مفادها ان القيادة الاسرائيلية باتت في مرحلة "تسخين" سياسي واستفزاز امني متعمد للوضع في تلك المنطقة، خلافا للفترة السابقة. 

فالاعلان الاسرائيلي الاخير جاء، وفق هؤلاء، تتويجا لتحركات واجراءات ميدانية تصب في خانة الاستنتاج نفسه. فعلى مدى الاسابيع الماضية، تم رصد ما يأتي:

  • كثف الطيران الحربي الاسرائيلي خرقه للاجواء اللبنانية، على نحو فاق المألوف والمعتاد في بعض الايام.
     

  • بادرت اسرائيل عمدا الى انتهاك الخط الازرق، وهو امر مستجد.
     

  • ثمة معلومات تشير الى ان اسرائيل سعت اخيرا الى الاتصال بعدد من رموز عملائها السابقين في الجنوب.
     

  • قبل هذا وذاك، وسعت القوات الاسرائيلية نطاق ردها على العملية الاخيرة للمقاومة الاسلامية في مزارع شبعا، لتطاول قذائفها في شكل مقصود القرى والبلدات الآهلة في منطقة العرقوب، مما أسفر عن سقوط الشهيد المدني الاول منذ الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب في ايار عام ،2000 وذلك في بلدة الهبارية.
     

  • سبق هذه الاحداث المتتالية كلها تنفيذ المخابرات الاسرائيلية اول عملية اغتيال مكشوفة داخل الاراضي اللبنانية بعد انسحابها، تجلت في تفجير سيارة رمزي نهرا قرب بلدة ابل السقي في منطقة حاصبيا - مرجعيون. 

هذه الاجراءات والخطوات مجتمعة، ترسم في نظر هؤلاء المتعاطين سياقا واحدا بالنسبة الى القيادة الاسرائيلية عنوانه العريض، اضافة الى عرض القوة، ايجاد مناخات توتير واستفزاز على الحدود الجنوبية استدراجا لرد فعل الجانب اللبناني، كأن تدفع المقاومة بتعزيزات مماثلة الى الحدود او ترد على الانتهاكات الاسرائيلية الجوية والارضية بوسيلة ما، فتكون اسرائيل قد نجحت على نحو ما في بلورة ظروف مؤاتية لحالة حرب او على الاقل لجبهتين معبأتين في امكانها استغلالهما في اللحظة التي تراها مناسبة لتفجير الشرارة، وخصوصا اذا شرعت الولايات المتحدة في انجاز ما تعد به من شن حرب على العراق، وانشغل العرب والعالم بتداعياتها وتوالي فصولها. 

ذلك هو العنصر الجديد كل الجدة الذي يقرأه هؤلاء وهم يرصدون التقارير والمعلومات التي ترد اليهم لحظة بلحظة من المناطق الحدودية. 

وقد لفتهم كما لفت "حزب الله" ان الحشود التي اعلن الاعلام الاسرائيلي ليل الاربعاء الفائت دفعها نحو الحدود، لم تكن من حيث الحجم والكم استثنائية بالنسبة الى المتعاطين الشأن العسكري، فهي حشود عادية لا تتعدى نطاق التغيير والتبديل الروتيني لاي جيش، الامر الذي يعني ان اسرائيل شاءت عبر هذا التضخيم الاعلامي للحدث المعتاد حتى الآن، ان تعطي الامر بعدا لا بد من أخذه بالحسبان في شكل اكبر من ذي قبل، والتعاطي معه على انه يرمي الى غايات ابعد، وقد يكون ترجمة عملانية لنيات اعمق هدفها غير المرئي فتح باب الاحتمالات على الجبهة اللبنانية - الاسرائيلية تحديدا. 

ولكن هل يكون ذلك كله تعزيزا للتأويلات التي تطل برأسها بين الحين والآخر، لتنشر جوا مفاده ان اسرائيل قد تتوسل الحرب على العراق لتصفي حساباتها مع لبنان، بما فيه "حزب الله". 

حتى الآن، لم يشكل حدث الاعلان الاسرائيلي للحشود الجديدة، وما سبقه، عنصرا يغير من الاقتناع المعلن لدى المعنيين بالملف الجنوبي، والذي عبر عنه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله مرارا، خصوصا في الآونة الاخيرة، ومحوره ان الامر كله مرتبط تماما بالمخطط الاميركي بالنسبة الى العراق، والدور المحدد للكيان الاسرائيلي في هذا المخطط. وعليه، فالرجل كرر اخيرا ما قاله قبل اسابيع انه لا يمكن الجزم بأن واشنطن ستطلق يد ارييل شارون في لحظة هجومها على العراق، ولكن لا يمكن الاطمئنان تماما الى هذه المعادلة، وصرف النظر عن امكان ان يستغل رئيس الوزراء الاسرائيلي انشغال العالم واستغراقه بهذه الحرب، اذا حصلت، ليصفي حساباته داخل فلسطين المحتلة ومع لبنان. 

وفي كلا الاحتمالين، اطلق نصرالله اكثر من اشارة توحي ان الحزب سيلتزم موقف الدفاع والرد على اي عدوان اسرائيلي على لبنان، ضمن ما يملكه من عناصر قوة، لم يخف اطلاقا انها صارت اكثر تطورا من قبل بما لا يقاس، وانه وان لم يكن يستطيع الحؤول دون اجتياح عسكري اسرائيلي واسع، ففي امكانه التأثير والفعل، وتحويل مجريات مثل هذا العدوان بحيث لا يكون "نزهة". وقد دخل الحزب في اكثر من اختبار قوة مع الاسرائيليين في الآونة الاخيرة للدلالة على تنامي قوة المواجهة عنده. 

ويفسر البعض التزام موقف الدفاع هذا انه يستبطن اشارات مفادها ان الحزب ليس في وارد الهجوم، او على الاقل ليس في وارد المبادرة الى تحريك الجبهة الجنوبية، وآية ذلك ما اعلنه ان عملياته في مزارع شبعا هي لتذكير العالم بواقع الاحتلال الاسرائيلي لاراضٍ لبنانية. 

ولكن ذلك، على بداهته، لا يعني ان الثبات سيبقى سمة هذه المعادلة الخفية، اذا وقعت فعلا الحرب على العراق وبلغت التداعيات والارتدادات مرحلة غير متوقعة، كمثل ان يلجأ شارون الى تنفيذ حلمه القديم بترحيل اكبر كتلة بشرية فلسطينية (الترانسفير) في اتجاه لبنان او سواه، او ان يبادر الى انهاء معادلة "توازن الرعب" القائمة على نحو أو آخر في الجنوب منذ الانسحاب الاسرائيلي عام ،2000 عبر تكبيره قضية صواريخ "حزب الله" وتضخيمها كما فعل قبل فترة، بحيث تصير كقضية الصواريخ السوفياتية في كوبا في مطالع الستينات، او كقضية الصواريخ السورية في سهل البقاع بين 1981 و.1982 

وفي كل الاحوال، هناك مؤشرات تؤكد ان "حزب الله" يتعاطى مع الحركة الاسرائيلية الاخيرة وما سبقها باعصاب باردة، فهو لم يبادر، عمدا، الى التعليق على الاعلان الاسرائيلي للحشود العسكرية، ولم يحاول ان يستغله او يثيره على نحو يحقق جزءا من الغاية الاسرائيلية المكتومة، وهي اقلاق عيش اللبنانيين، ووضعهم في اجواء التوتير والتسخين. ولم ينزلق في الوقت نفسه الى لعبة الرد على الاستفزاز الاسرائيلي باستفزاز مماثل. وكان نصرالله واعيا للمآرب الاسرائيلية حين اعلن في خطاب القاه قبل فترة، ان الحزب يفكر في اساليب جديدة للرد على الانتهاكات الاسرائيلية الجوية والبرية، وكان في مقدوره القول ان لدى الحزب امكانات للرد، او انه سيرد في مرة اخرى. 

ولئن بدا الحزب، في الاونة الاخيرة، في وضع المتعقل ميدانيا، اكثر من اي وقت، فهذا لا يمنع انه يخوض بعيدا عن الاضواء مواجهات امنية شرسة مع العقل العسكري الاسرائيلي. فمع الاعلان الاسرائيلي الاخير لاكتشاف شبكة تجسس جديدة للحزب في الداخل، فان المعلومات الواردة من المنطقة الحدودية تحدثت عن جملة اجراءات اتخذتها الاجهزة الامنية اللبنانية، عنوانها قطع اي خطوط اتصال بين اسرائيل وعدد من الذين تعاملوا معها سابقا وبقي يراودهم حلم الاتصال والتعاون. ويبدو ان هذه الاجراءات اسفرت عن التوصل الى خيوط معينة، ربما اميط اللثام عنها لاحقا. 

وفي كل الاحوال يمكن القول ان اسرائيل صارت اخيرا في وارد المبادرة، وان المحدودة، في الجنوب، علها بذلك تغير قواعد اللعبة او تدخل عليها تعديلا. 

§ وصـلات:

Main Page
 
 

    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Opinions Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic